الصين تضخ مزيداً‮ ‬من الاستثمارات في الشركات المحلية

أيمن عزام   جاء الاخفاق الاخير لشركة »تشينالكو« الصينية لصناعة الألومنيوم في الاستحواذ علي شركة »ريوتنتو« الاسترالية للمناجم لتذكير القادة الصينيين بحجم الصعوبات

أيمن عزام

جاء الاخفاق الاخير لشركة »تشينالكو« الصينية لصناعة الألومنيوم في الاستحواذ علي شركة »ريوتنتو« الاسترالية للمناجم لتذكير القادة الصينيين بحجم الصعوبات التي يتعين عليهم مواجهتها قبل ان يتمكنوا من التوسع في الاستحواذ علي شركات في الخارج وإبرام شراكة اقتصادية مع شركات عالمية.


وذكرت صحيفة فاينانشيال تايمز ان الطموحات الصينية تحطمت علي ارض الواقع علي الرغم من ان جميع الظروف كانت مهيئة في ظل الدعم الذي تحصل عليه الشركة الصينية من الدولة، فضلا عن حجم الاضرار التي ألحقتها الازمة العالمية بالشركات الغربية، لكنه يتوقع ان تعاود سعيها لاقتناص اي فرصة تتيح لها التوسع في الخارج بعد ان تستفيد من دروس اخفاقها الحالية وبعد دفع صناديق ثروتها السيادية لضخ مزيد من الاستثمارات في الشركات الصينية لمساعدتها علي التوسع مستقبلا في الاستثمارات الخارجية لتعويض الخسائر الضخمة التي لحقت باستثماراتها في البنوك والشركات الاوروبية والامريكية جراء الازمة العالمية.

لكن الاخفاق الاخير ألحق اكبر الضرر بكبرياء الصين، فالشركة الصينية لصناعة الالومنيوم كانت تستهدف من وراء هذه الصفقة ضخ أكبر استثمارات خارجية كجزء من جهودها الهادفة لضمان توفير المصادر الطبيعية التي تحتاجها بكميات ضخمة لمساعدتها علي مواصلة نموها.

ويشير المحللون الي مدي التطور الذي طرأ علي الصين خلال فترة زمنية قصيرة للغاية فخلال السنوات القليلة الماضي كان يجري الحديث حول سبل اجتذاب الاستثمارات الاجنبية للصين، أما الآن فقد قفزت الاستثمارات الصينية في الخارج من مستوي الصفر منذ ست سنوات لتسجل 152 مليار دولار العام الماضي، وكان يتوقع مضاعفة هذا الرقم في حال نجاح صفقة شركة تشينالكو.

أنفقت تشينالكو حوالي 14 مليار دولار لشراء %9 من شركة رينالكو ثالث أكبر شركة تعدين في فبراير 2008 عندما كانت السوق في ذروتها وكان تقديم شركة تشينالكو في العام التالي بعرضها الاستثماري الثاني في ظل تراجع اسهم شركات التعدين والقيمة الدفترية لمشترياتها السابقة انما يستهدف تعويض خسائرها التي تكبدتها في هذه الصفقة وسعت شركة ريو تنتو من ناحية اخري لاتمام هذه الصفقة كوسيلة لتوفير التمويل اللازم حتي يتسني لها سداد ديونها المتأخرة، كما سعت شركة تشينالكو لاحباط محاولات شركة »BHP « بلتون أكبر شركة تعدين في العالم للاستحواذ علي شركة ريوتنتو واتمام الصفقة بدلا منها حتي يتسني لها لعب دور اكثر اهمية في تحديد اسعار خام الحديد والبوكسيد.

تقدمت شركة تشينالكو بعرض الاستحواذ علي شركة ريوتنتو في شهر فبراير الماضي بقيمة 19.5 مليار دولار عندما كانت الاسواق تعاني من تداعيات الازمة المالية العالمية وكان يتعين علي تشينالكو تكثيف مفاوضاتها مع الشركة الاسترالية وعدم منحها الوقت الذي يتيح لها البحث عن بدائل وتضاعفت خلال الشهور الاربعة الماضية قيمة اسهم شركة ريوتنتو وهو ما دفعها للنظر بجدية في العرض العلني لشركة تشينالكو وعرض آخر تقدمت به سراً شركة »BHP « بتلون تتيح الشراكة بينهما لاقامة مشروع مشترك في منطقة بيلابورا الواقعة غرب استراليا.


ولا يتوقع ان تنصرف الصين عن التوسع في اسثثماراتها في الخارج علي الرغم من اخفاق تشينالكو الاخير خصوصا ان الشركات الصينية المملوكة للدولة تحتفظ بميزة تختص بها وحدها دون شركات القطاع الخاص الاخري وهي ضمانها الحصول علي قروض من البنوك الحكومية بشروط ميسرة علي الرغم من تراجع ارباحها في صفقة الاستحواذ الاولي بنسبة %99 العام الماضي ومن صدور توقعات بشان تكبدها خسائر مؤكدة في عام 2009 بسبب تراجع الطلب علي الالومنيوم.


فقد سارعت اربعة من أكبر البنوك الصينية المملوكة للدولة بتقديم قروض تزيد عما تحتاجه لتمويل صفقة الاستحواذ الثانية وطالبت باسعار فائدة تقترب من الصفركما لم تحدد موعدا لسداد القروض لا يتم هذا في دولة اخري غير الصين التي يتم فيها تكريس البنوك المملوكة للدولة والشركات لخدمة اهداف التنمية القومية بعيدة الامد.


ولم يتبق خيار آخر امام تشينالكو سوي القيام بشراء الاسهم التي طرحتها شركة ريو تنتو مؤخرا بقيمة 15.2 مليار دولار بغرض تحقيق مكاسب قصيرة الاجل او التخلي عن حصتها في الشركة كليا، واذا قررت اللجوء للخيار الثاني يتعين عليها في هذه الحالة تركيز جهودها علي شركة فال البرازيلية او علي شركات تعدين اصغر حجما والدرس الذي يجب ان تتعلمه الشركة الصينية هو احتياجها بشدة لتعميق فهمها لطريقة اتمام الاستخواذات العالمية، كما يمكنها ان تدرس خيار الدخول في شراكة مع شركات غربية للاستثمار المباشر بهدف اكتساب قوة اضافية.


وتدرس شركة ريوتنتو من ناحية اخري الدخول في تعاون مع شركة »BHP « بلتون لاقامة مشروع مشترك بقيمة تتراوح بين 116 و126 مليار دولار وفقا لتقديرات مؤسسة »uBS « المالية في منطقة بلبورا الاسترالية ويتبقي لاقرار المشروع الحصول علي موافقة الجهات الرقابية في اوروبا خصوصا بشأن خلوه من اي طبيعة احتكارية والحصول كذلك علي موافقة الحكومة الاسترالية، كما ان المشروع لا يحرم شركة »BHP « من فراصة التقدم مستقبلا بعطاء للاستحواذ علي شركة ريوتنتو.


وتحتل شركة ريوتنتو وشركة »BHP « المرتبتين الثانية والثالثة علي التوالي بعد شركة فال البرازيلية للتعدين، لكن المشروع المشترك يتيح لهما صدارة الترتيب العالمي علي حساب الشركة البرازيلية.


ويتوقع ان يسفر المشروع عن انتاج حوالي 325 مليون طن من خام الحديد في عام 2009، بينما يتوقع ان تقوم شركة فال بتصدير نحو 220 مليون طن فقط خلال نفس الفترة، ويقدر المحللون ان الشركتين بعد اتمام المشروع المشترك بينهما تستطيعان تغطية حوالي %75 من واردات الصين خلا العام الحالي بفضل قرب المسافة بين استراليا والصين مقارنة بالبرازيل.


ويثير هذا المشروع مخاوف شركات الصلب اليابانية والصينية بدعوي انه يقلص من مساحة التنافسية المتاحة مع شركات التعدين الاخري في العالم ويتوقع ماريوس كلوبرز الرئيس التنفيذي لشركة »BHP « قدرة المشروع للتغلب علي هذه العوائق عن طريق اقامة شركة تسويق منفصلة يمكنها بيع نحو %15 من الانتاج في الاسواق الفورية كما توقع اقراره منتصف العام المقبل.

ويقول كلوجر الرئيس التنفيذي لشركة ريوتنتو ان المشروع جرت محادثات بشأنه مع شركة »BHP « منذ عشر سنوات ماضية لاهميته الشديدة للشركتين، مؤكدا ان دمج اصول الشركتين والبني التحتية المتصلة بذلك مثل السكك الحديدية والموانئ سيدعم الانتاجية والتطوير في الشركتين، مستبعدا صدور ردود افعال سلبية من المستهلكين الصينيين تعبيراً عن ضيقهم من الاخفاق الاخير لصفقة استحواذ تشينالكو علي ريو تنتو.