أشرف عبد الغنى
ظل نقص الضمانات الكافية العائق الرئيسي أمام اقتحام قطاع البنوك نشاط تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة طوال السنوات الماضية وظل هذا النقص لعدة أسباب لخصها البعض في انكماش السجل الائتماني للعميل وضعف خبرة أصحاب تلك المشروعات.
وقد تسبب ذلك في تحمل ممول هذا النوع من المشروعات جملة من المخاطر تستمر طوال مراحل التأسيس والمرحلة الأولية والنمو الأولي والنمو الفعلي والاندماج. وهي المخاطر التي اضطرت البنوك قديماً إلي تجنب التوجه بشكل فعال نحو دعم وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلي جانب ما يحتاجه هذا النشاط من عدد هائل من الموظفين والإداريين المتخصصين في الائتمان الموجه للقطاعات »الصغيرة« و»المتوسطة«.
ومع التوجه العام السائد حاليا داخل القطاع المصرفي لتوجيه شرائح مختلفة من السيولة المتاحة داخل البنوك نحو تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، تظهر الحاجة لنشاط آخر هو ضمان مخاطر ائتمان المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهو النشاط الذي لم يكن لأحد أن يلتفت إليه في الماضي لولا إعلان البنك المركزي عن حوافزه المقدمة للبنوك التي توفر كماً أكبر من محافظها الائتمانية لتمويل هذا النوع من المشروعات.
الحاجة لهذا النوع من النشاط أوضحها أشرف عبد الغني مدير قطاع الائتمان ببنك الكويت الوطني في أن تمويل البنوك للمشروعات الصغيرة والمتوسطة تكتنفه كثير من المعوقات، وهي المعوقات التي تؤثر في القرار الائتماني للبنوك وتضطرها لتفضيل تمويل المشروعات الضخمة والمستقرة عن تمويل تلك المشروعات الصغيرة مرتفعة المخاطر، وهو ما يعني ضرورة ايجاد برامج أو مؤسسات لضمان مخاطر هذا النوع من التمويل خاصة مع التوجه الجماعي الجاري الآن داخل بنوك القطاع نحو دعم تلك المشروعات للاستفادة من الحوافز المقدمة من جانب البنك المركزي.
أضاف عبدالغني أن البنوك بشكل عام تحاول حصر عملها في دور الممول فقط طالما أن هناك من يضمن سداد العملاء ويشاركها تحمل مخاطر التمويل، إضافة إلي ارتفاع التكاليف الإدارية لتوفير الائتمان الموجه للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وهو ما يعود في النهاية بالسلب علي مستويات ربحية البنوك. وبالتالي فإن نمو نشاط ضمان مخاطر ائتمان المشروعات الصغيرة والمتوسطة من شأنه أن يجعل البنوك أكثر إقداما علي منح التمويل، ومن ناحية أخري يجد أصحاب تلك المشروعات أكثر من متابع لأعمالهم طالما أ تعثر أي منهم في سداد مديونياته لدي البنوك سيؤثر علي أكثر من طرف وليس العميل والبنك فقط.
وأشار عبدالغني إلي أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة كانت تتصف لدي البنوك بعجزها عن توفير البيانات والسجلات المحاسبية الضرورية اللازمة لتقديمها للبنك حتي تحصل علي التمويل إضافة إلي عجز هذا النوع من المشروعات عن تقديم الضمانات الكافية للحصول علي التمويل، وهو ما يجعل إنشاء برامج ضمان مخاطر الائتمان الموجهة لهذا النشاط مطلوباً بالفعل في الوقت الحالي علي اعتبار أن تلك البرامج تقوم بتوفير ما تحتاجه البنوك من ضمانات لتمويل أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة مقابل تكاليف إدارية يتحملها العميل وليس البنك.
واتفق معه مدير إدارة المخاطر بأحد البنوك قائلا ان السوق تحتاج بالفعل لشركات متخصصة في ضمان مخاطر القروض الموجهة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، موضحا أن الحكومة عندما لاحظت وجود أخطار فعلية تلحق بالصادرات قامت بالتوعية لأهمية وجود نشاط كـ»التخصيم« لضمان الصادرات.. الأمر الممكن تطبيقه علي نشاط تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال التوعية بأهمية وجود شركات متخصصة لضمان الائتمان الموجه لتلك المشروعات وبشكل يزيد من إقبال البنوك علي تمويلها.
أضاف مدير إدارة المخاطر أن برامج تلك النوعية من الشركات تعتمد علي اقتسام المخاطر بينها وبين البنك المقرض وتغطية جانب من الخسائر التي قد تنجم عن أي تعثر من الممكن أن يتعرض له العميل صاحب المشروع.
وقال عاطف الشامي المساعد السابق للعضو المنتدب ببنك »كريدي أجريكول - مصر« عضو مجلس الإدارة السابق للشركة المصرية لضمان مخاطر الائتمان إن المشكلة الرئيسية التي كانت تواجه البنوك عند منح التمويل اللازم للقطاعات الصغيرة والمتوسطة هي اختلاف وتشعب المعلومات في سوق الائتمان ككل وندرة المعلومات المتوفرة عن المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وأضاف أن تمويل تلك القطاعات يعتمد علي أساس »افتراضي« حسب تعبيره.. الأمر الذي كان يدفع البنوك للثقة أكثر في المشروعات الضخمة ذات السمعة المستقرة.
وأشار إلي أن أحد أهم المعوقات التي كانت تجعل إدارات الائتمان بالبنوك تتردد في اتخاذ القرار الائتماني الخاص بتمويل المشروع الصغير والمتوسط هو ارتفاع نسبة المديونية مقارنة بأصول المشروع علي اعتبار أن تلك النوعية من المشروعات صغيرة ولا تتميز بوجود أصول كافية تضمن سداد مديونية البنك، وهو ما يجعل الحاجة أكثر إلحاحا الآن للتوسع في تأسيس شركات تضمن سداد عملاء »الصغيرة« و»المتوسطة«.
وقال الشامي إن هناك عدداً كبيراً من البنوك داخل القطاع بحاجة لوجود هذا النشاط بشكل واسع خاصة تلك البنوك التي اعتادت علي نوع معين من الائتمان لا يحتاج لكل تلك الاحتياطات حسب تعبيره، مشيراً إلي أن البنوك العامة علي سبيل المثال ستنجح في اقتحام نشاط تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة نظراً لخبراتها السابقة في هذا المجال وإمكانية التعامل مع عدد كبير من العملاء من خلال إدارات المخاطر لديها التي تستطيع أن تستغني عن وسيط يضمن سداد عملاء المشروعات الصغيرة والمتوسطة كالبنك الأهلي علي سبيل المثال.
بينما سيساعد نشاط ضمان مخاطر الائتمان الموجه للقطاعات الصغيرة البنوك الأجنبية التي تحتاج بالفعل إلي من يشجعها علي الإقدام نحو تمويل تلك القطاعات، وفي حال تعرض العميل لأي تعثر فإنه يقوم بإبلاغ شركة ضمان مخاطر الائتمان لتقوم بدورها بترتيب زيارة مشتركة مع البنك المقرض إلي المشروع ويتم بحث إمكانية علاج هذا التعثر من خلال وسائل مختلفة كإعادة جدولة الدين بما يتناسب مع التدفقات النقدية الفعلية للمشروع أو بحث امكانية منح العميل قرضاً تكميلياً، وحتي إن تم التعثر بشكل كامل فإن الشركة تقوم بسداد قيمة الضمان للبنك.
المعروف أن شركات ضمان مخاطر الائتمان الموجه للمشروعات الصغيرة والمتوسطة تعتبر بمثابة الوسيط بين البنك والعملاء الراغبين في تأسيس تلك النوعية من المشروعات لتساعد العملاء في إعداد المستندات التي يطلبها البنك المقرض إضافة إلي العمل كمستشار مالي وبنك للعميل وسداد قيمة الضمان نيابة عنه في حال تعثره بشكل كامل، وحتي الآن لايعمل بالسوق المحلية سوي شركة واحدة في هذا النشاط وهي الشركة المصرية لضمان مخاطر ائتمان المشروعات الصغيرة والمتوسطة CGC ومنذ عام 1981 تقوم بتغطية حوالي %50 من قيمة التمويل الذي يحتاجه عملاء »الصغيرة« و»المتوسطة«، وتمارس عملها من خلال اتفاقية شراكة مع اكثر من 34 بنكاً.
جدير بالذكر أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تقوم بتوظيف أقل من 50 عاملاً تمثل ما يقرب من %99 من إجمالي المنشآت العاملة في القطاع الخاص غير الزراعي. كما يساهم قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة بما لايقل عن %80 من إجمالي القيمة المضافة، بينما يعمل في هذا القطاع حوالي ثلثي قوة العمل بالقطاع الخاص. ورغم ذلك فإن نسبة مساهمة المشروعات الصغيرة والمتوسطة في إجمالي الصادرات لاتتجاوز %4 مقارنة بـ%70 في دولة مثل هونج كونج.