‮»‬عزبــة القـرود‮«.. ‬صراع جديـد بين الدولــة والفقـــراء

إيمان عوف رائحة الموت تعبق المكان، فالنساء المرتديات السواد علي وجوههن دموع لم تجف مخلوطة بغبار تهذيب صخور المقطم، والعشش متهالكة يصفها اصحابها تجاوزا بـ»البيوت« تشبثا منهم بالحي

إيمان عوف

رائحة الموت تعبق المكان، فالنساء المرتديات السواد علي وجوههن دموع لم تجف مخلوطة بغبار تهذيب صخور المقطم، والعشش متهالكة يصفها اصحابها تجاوزا بـ»البيوت« تشبثا منهم بالحياه رغم انهيار أجزاء كبيرة من حوائطها واستبدالها بصفيح متآكل لم ينس واضعوه أن يكتبوا عليه _ بخط شديد التعرج - عبارة »للذكري«، ووجوه الأطفال تنظر دائما الي اعلي ترقبا لانهيار جزء اخر من صخور الدويقة علي ذويهم ليأتي عليهم الدور ليواجهوا العالم بلا أم أو أب أو ليفقدوا أخاً أو اختاً أو يفقدوا حياتهم في لحظة من لحظات غضب جبل المقطم.


كانت تلك هي ملامح المشهد العام في منطقة »عزبة القرود« الواقعه بين موقع شركة اعمار ومنطقة الحرفيين التابعة لحي منشاة ناصر، والذين دب الرعب في قلوبهم الاسبوع الماضي علي إثر هبوط أرضي مفاجئ أدي إلي انهيار أجزاء من حوائط منازلهم التي بنوها بطريقة بدائية تتناسب مع ضعف قدراتهم، وهو ما جعل شبح كارثة الدويقة يلوح من جديد في عيون سكان أكثر من 1000 منزل في منطقة الحرفيين، وذلك بسبب أعمال تهذيب الصخور المستمرة التي يقوم بها حي منشأة ناصر بالتعاون مع شركة »إعمار« والتي تتسبب أحياناً في سقوط اجزاء من الصخر علي اراضي الحرفيين أو فوق منازل المواطنين.

وقد أكد سيد أشرف، احد قاطني عزبة القرود بالحرفيين، أن هناك حالة من الرعب تسيطر علي أبناء المنطقة نتيجة تساقط صخور المقطم علي منازلهم بصورة مستمرة، بالإضافة إلي أن حي منشأة ناصر يرفض الاعتراف بأحقيتهم في سكن بديل لانهم يصنفون في فئة المعرضين للخطر، وكأن الدولة تنتظر أن تحدث الكارثة لكي تتحرك، ولكن بعد أن يكون قد فات الآوان وراحت العشرات ضحية التقاعس والاهمال . نافيا ما تردده المحافظة وحي منشاة ناصر ووزارة الاسكان من أن سكان المنطقة ليسوا من السكان الاصليين، بل جاءوا وبنوا تلك المنازل بطريقة عشوائية حتي يحصلوا علي شقق بديلة اسوة باهالي الدويقة الذين حصلوا علي شقق علي إثر الانهيار الصخري.

وأكد أشرف أن هناك العديد من المنظمات الحقوقية التي حضرت إلي المنطقة ووعدتهم بالتضامن معهم الا انه فور انتهاء ازمة الدويقة ومغادرة وكالات الأنباء والصحفيين المكان لم يروا شخصاً واحدا يقف بجوارهم لكي يخرجوا من دائرة الموت التي يعانون منها يوميا.

شكاوي أشرف قاطعتها صرخات احدي السيدات التي أصرت علي دخولنا لمنزلها لنري التدابير التي اتخذتها في ترتيب منزلها تخوفا من انهيار أحد الصخور، وفي المنزل - المكون من غرفتين بسيطتين _ وجدنا أن »علية« ربة المنزل قد وضعت الأسرة في منتصف الحجرات تخوفاً من انهيار أحد حوائط المنزل علي ابنائها الثمانية اثناء نومهم، وذلك بعد أن فصلت بين الأولاد والبنات بملأة ممزقة، بينما وضعت انبوبة البوتاجاز خارج باب المنزل تخوفاً من سقوط أي حائط عليها.

واكملت علية شكواها لتروي كيف أنها قامت هي وزوجها وأبنائها بتقسيم ساعات النوم الي ورديات، بحيث يكون البعض نائما بالداخل بينما يظل الباقون خارجاً، خوفا من أن يموت الجميع دون أن يجدوا من ينقذهم في حالة انهيار المنزل أو سقوط صخرة من الجبل عليه، وقالت: »علي كل حال فإن الموت تحت جدران المنزل خير من الموت في الشارع، فالموت في المنزل يحمي الأعراض !«.

وهنا تدخل أحمد قناوي، عضو مجلس محلي منشاة ناصر ورئيس لجنة المتابعه والتخطيط بمنطقة الحرفيين، ليقول إن الدولة أخلت مسئوليتها من هؤلاء السكان الذين تخطي عددهم الـ 1300 اسرة،فقد جاءوا من مناطق مختلفة من عشوائيات القاهرة والمحافظات، وقامت ببناء غرف دون أساس لكي تنهار بسهولة، فيحصلوا علي شقق بديلة من الدولة، مشيراً إلي أن الجهات الرسمية نتيجة لهذه الممارسات غير المشروعة من قبل هؤلاء السكان قد اخلت مسئوليتها تماما قبلهم، فلا يحق لهم الاعتراض علي أعمال التهذيب الحتمية التي تجري فوق هضبة المقطم لأنها ترتبط بحياة آلاف أخرين غيرهم.

فيما نفي مصطفي عبادة، رئيس حي منشأة ناصر، ما يردده سكان منطقة الحرفيين من التساقط المستمر للصخور فوق منازلهم، لأن أعمال التهذيب تتم وفقاً لأعلي تقنيات وضعتها وزارة الاسكان بالتنسيق مع بعض الشركات الخاصة.

وأشار عبادة إلي أن ما حدث خلال الأسبوع الماضي هو هبوط أرضي بسيط لم يتسبب في أي إصابات، وأن المنازل التي انهارت أجزاء من حوائطها مملوكة بصورة غير شرعية بنوها دون أي أساسات لكي تنهار، ويستطيعون أن يتحايلو علي القانون ويتسلموا شققاً بديلة أسوة بأهالي الدويقة.

وأوضح عبادة قائلاً إنه من المقرر أن يتم تشكيل لجنة لحصر أعداد السكان الشرعيين من خلال أوراقهم الثبوتية في منطقة الحرفيين، وذلك بهدف بحث مشكلتهم والتعاون معهم، ومن هم دون ذلك فستخلي الدولة مسئوليتها عنهم وستحاول ابعادهم عن تلك المنطقة.