مشهد من فيلم المومياء
اذا كانت جهود الدولة تركز علي ترميم الآثار باعتبارها ليست تراثا مصريا فقط.. بل أيضا ميراث حضاري عالمي، إلا أنه يبدو أن القائمين علي هذا الشأن نسوا- أوربما تناسوا- جانبا آخر من تراثنا لا يقل اهمية عن الآثار في التعبير عن ثقافتنا، وهذا الجانب هو: تراثنا السينمائي الهائل الذي تشتت دماؤه بين الجهات الحكومية.
فبعد بيع أغلب ذلك التراث الي الفضائيات العربية (حتي أصبح التليفزيون المصري يؤجر تلك الأفلام من هذه القنوات) أصبحنا اليوم نسمع بين الحين والحين انباء عن جهود لترميم فيلم هنا وفيلم هناك بمناسبة اقامة مسابقة افتتاح مهرجان، وكأن الأمر متروك للمصادفة اوللجهود الفردية أو كحدث احتفالي.
وكان آخر تلك الانباء ما اعلنته شركة مصر للصوت والضوء والسينما من انها قامت بترميم مجموعة من الافلام السينماية القديمة من بينها الفيلم التسجيلي ينابيع الشمس ( الذي أخرجه جون فيني عام 69 وصور فيه منابع النيل ) وذلك لتفتتح به الدورة الـ 13 لمهرجان الاسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة!
ويبقي السؤال: ألم يحن الوقت بعد كي يتم الاهتمام بترميم تراثنا السينمائي بشكل منهجي ومستمر؟
يقول ممدوح الليثي نقيب السينمائيين رئيس جهاز السينما إن اعادة ترميم الافلام القديمة - التي تعد جزءاً مهماً من تاريخ وتراث مصر- هو أمر مهم جدا لأننا لا نتحدث هنا عن مجرد افلام، بل عن تاريخ دولة كبيرة بحجم مصر.
وعن ترميم شركة مصر والضوء والسينما عدداً كبيراً من الافلام أوضح ممدوح الليثي ان الشركة تملك الكثير من تراث الافلام المصرية منذ 60 سنة تقريبا لكنه تعرض للإهمال ولم يتذكره احد سوي الآن، ولم يرمم القائمون عليه الا عدد قليل بالنسبة لما يملكونه من تراث سينمائي قيم وكبير.
أما القطاع الخاص فهو يملك ما هو صالح للعرض او النسخ الاصلية التي قد لا تحتاج الي ترميم، واذا ما احتاج النجاتيف الي اي ترميم فانهم يقومون به دون اي اهمال أوتأخير، فالمسألة بالنسبة لشركات القطاع الخاص ليست فقط تراثاً بل هي مسألة مكسب وأرباح لهذه الشركات، فالمحافظة علي هذا التراث السينمائي الثري يجلب لهم ارباحا هائلة، وهذا ما لم تنتبه له شركات القطاع العام أوالمنتجون المصريون، فالمسألة اصبحت استثمارا الي جانب كونها تراثا.
اما المنتج محمد عشوب فيقول : »اولا يجب ان نوضح ان تراث مصر السينمائي اصبح معظمه ملكا لقنوات غير مصرية، وهذه كارثة، فأغلب تراثنا السينمائي اشترته« ، »روتانا« والـ »اي ار تي« وغيرهما من القنوات، ومع الاسف حين نشاهد الافلام القديمة علي شاشات تليفزيوننا المصري نراها في أسوأ صورة، لكن حينما تعرض علي القنوات الفضائية العربية نري أنها أصبحت ذات جودة نتيجة الترميم الصحيح والدقيق لهذه الافلام.
وأوضح عشوب أن الدولة كانت في بداية الامر تقوم بتأجير هذه الافلام، والان هاهي تتجه الي بيعها بل إنها باعت اغلبها بالفعل، لكن سيصعب عليها بعد ذلك ان تعيدها، وستضطر الي دفع ايجارات عالية للغاية لهذه القنوات من أجل أن تسمح بعرض هذه الأفلام، التي هي أصلا أفلامنا وتراثنا الذي لا يعوض! ويضيف: مهما قدمنا الان من افلام فلن يكون بينها فيلم يساوي »امير الانتقام« او »ريا وسكينة« وغيرها من الافلام التي شكلت تاريخ مصر السينمائي، والتي تصنع الان نجاح هذه القنوات العربية - التي لولا افلامنا تلك، لما كان لها هذا النجاح.
وقال: أنا لا اهاجم هذه القنوات، بل علي العكس انا ممتن لها لانها تقدم لنا تراثنا السينمائي بشكل عالي التقنية فيصبح الفيلم كما لوكان صنع حالاً، لكن اللوم علي الدولة التي اهملت هذا الاتجاه واستسهلت بيع أفلامها، مع اننا نملك قنوات محترمة مثل قناة »نايل سينما« ، ألم يكن من الافضل لو كانت الدولة قد دعمت هذة القناة وساعدتها لترمم الافلام لتعرض علي التليفزيون المصري، ألسنا نحن اولي بعرض افلامنا.
وتضيف الناقدة الدكتورة مني الصبان: »ان الجهات الحكومية لاتملك -مع الأسف- تكنولوجيا عالية لترميم الافلام القديمة، فعلي سبيل المثال لقد قدم لنا مهرجان الاسماعيلية الأخير فيلم »ينابيع الشمس« ، وكان مع الاسف ترميمه سييء للغاية، و أعتقد انهم استخدموا طرقاً قديمة وتقليدية جدا في ترميمه، اما الجهات الخاصة - أوبالاحري القنوات الفضائية العربية مثل »روتانا« - فتقدم مشاريع متطورة لترميم الافلام القديمة، وأضافت: شاهدت بنفسي الاجهزة عالية التقنية والحديثة جدا التي سيستخدمونها في الترميم، واتمني ان يكتمل هذا المشروع من أجل الحفاظ علي تراثنا السينمائي،، واعتقد انه من الصعب علي الجهات الحكومية المصرية ان تقوم بهذه العملية التي تكلف الكثير ماديا وتحتاج الي تقنيات عالية للغاية، ولكن الاهم من الامورالمادية هو مدي وعي المسئولين بأهمية هذه الافلام، فهم ينظرون تحت اقدامهم فقط ويقومون ببيع هذه الافلام دون النظر للمستقبل حتي من ناحية استثمار الافلام مادياً.
ويؤكد المهندس اياد لبيب، المسئول عن مشروع ترميم الافلام التراثية القديمة في قناة روتانا:”الافلام التي اشترتها روتانا في عام 2004 والتي كانت حوالي 800 فيلم وصلت الان لـ 1200فيلم، وأضاف استخدمنا مع هذه الافلام اعلي جودة لترميمها، ففي السابق كان يحول الفيلم بصيغة الفيديو ويرمم كفيديو، ولكننا اعدنا ترميم هذه الافلام بصيغتها كفيلم وليس كفيديو، لذا فدرجة وضوح الصورة ( resolution ) في السينما اعلي 4 اضعاف من الفيديو، وهناك طريقتان للترميم الاولي : وهي الترميم الحقيقي اي ترميم النسخة من الخارج لوجود خربشات علي سبيل المثال، وهذا يحدث دون تدخل الكتروني، والطريقة الثانية هي الترميم الالكتروني، ونحن في هذا المشروع عملنا بالطريقتين معا، للحصول علي نسخة شبه اصلية وترميم حقيقي للفيلم، وانا اري ان الدولة قادرة علي عمل مثل هذا المشروع لاننا لسنا دولة فقيرة، لكن المشكلة هي ان الدولة غير مهتمة وغير مدركة لقيمة مثل هذا المشروع، ليس فقط من الناحية الفنية والتاريخية ولكن أيضا من الناحية الاقتصادية، فالقنوات الفضائية الخاصة لا تقوم بالترميم حبا في الافلام القديمة، بل لانها تدر عليهم ارباحا عالية جدا نحن أولي بها “
اما الناقدة ماجدة خيرالله فتقول: “ان الاهتمام بترميم تراثنا السينمائي لا يقل اهمية عن ترميم الاثار والتي لا تهمنا نحن فقط بل تهم العالم، بدليل ان مؤسسة سينمائية بحجم مؤسسة “مارتن سكورسيزي” رممت فيلم “المومياء ”لادراكها قيمته الفنية، وهذه الافلام تصور جزءاً من تاريخنا وليس فقط مجرد افلام، فمن خلالها نعرف كيف كان شكل الحياة واشياء كثيرة شديدة الاهمية، بالاضافة الي اهميتها الفنية، وانا لا اعرف كيف أهملوا هذه الافلام ولم يلتفتوا الي قيمتها، ومن حسن حظنا ان شركة مصر للصوت والضوء والسينما التفتت اخيرا إلي ترميم هذه الافلام لتمنح الجيل الجديد فرصة لمشاهدة هذه الافلام التي لم تعرض منذ سنوات لانها كانت في حالة شديدة السوء.
وتقول: انا لست علي ثقة كبيرة بأن مسألة الترميم هذه ستكون جدية، لاني اعرف ان الترميم تحتاج الي مبالغ طائلة وتقنيات قد تكون غير متاحة لنا في مصر. وان شراء بعض القنوات وشركات الانتاج العربية هذه الافلام واحتكارها لعرضها، بالاضافة الي طرحها هذه الافلام علي اسطوانات »سي دي« او »دي في دي« يضمن للقنوات والشركات عائدا ماديا كبيرا جدا .لكن في النهاية يجب أن أشكرهم لأنهم يحافظون علي تراثنا
فهم قد فهموا قيمتها ماديا وفنيا، وفي وسط كل هذا نتساءل اين التليفزيون المصري من كل هذا؟ فنحن لا نسمع لهم سوي اصوات الاعتراض علي بيع هذه الافلام للقنوات الفضائية دون ان يحاسبوا انفسهم علي اهمالهم هذا التراث؟