الأدباء والمثقفون يرفعون شعار‮ »‬لا للمصادرات والحسبة الفكرية‮«‬

كتب - علي راشد:   »يعي الأدباء والكتاب حالياً، في حيرة بالغة، فلم يعودوا يعرفون من أين ستأتيهم الضربة القادمة، وهل ستصادر أعمالهم  بحجة الأخلاق أم  تمنع لأسباب سياسية!&la

كتب - علي راشد:

»يعي الأدباء والكتاب حالياً، في حيرة بالغة، فلم يعودوا يعرفون من أين ستأتيهم الضربة القادمة، وهل ستصادر أعمالهم بحجة الأخلاق أم تمنع لأسباب سياسية!« بهذه النبرة التي تمتزج فيها الحيرة بالسخط علا صوت الأدباء والنقاد خلال ندوة مصادرة الأعمال الأدبية التي عقدها اتحاد الأدباء مؤخرا، احتجاجا علي تصاعد وتيرة مصادرات الكتب التي كان أخرها مصادرة رواية »الزعيم يحلق شعره« لإدريس علي بحجة امكانية تأثيرها علي العلاقات مع دولة شقيقة، و من قبلها مصادرة رواية »مترو« لمجدي الشافعي.. وغيرهما من الأعمال..


وقد أكد الدكتور صلاح السروي، رئيس لجنة الحريات باتحاد كتاب مصر، أنه سيكون هناك مؤتمر قريب يجمع العديد من الكتاب والأدباء للتصدي لهذه المشكلة، حيث ينبغي أن يتم الإلغاء التام لقانون الحسبة الذي يدخل القضاء في الأعمال الفكرية، موضحا أن هناك العديد من الأعمال التي أصبحت تصادر في المطابع، أي قبل خروجها إلي النور، مما يثير قلق الكتاب و المفكرين الذين أصبحوا مطاردين ومحاصرين بسبب فكرهم و ابداعاتهم، وضرب السروي مثلاً بالشاعر الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي الذي اضطر لبيع أثاث منزله لا لجرم اقترفه ولكن حتي يدفع مبلغ التعويض الذي حكمت به المحكمة لأنه نشر قصيدة لحلمي سالم، كما أنه تمت مصادرة رواية »مترو« لمجدي الشافعي مؤخراً، وتمت إدانة الناشر والكاتب دون الأخذ في الاعتبار أن ذلك عمل أدبي، أما الأمر الأكثر اثارة للاحباط فهو أن من قام بضبط هذه القضية ضابط بشرطة الآداب !!

وأكد السروي أن ذلك الوضع يعيدنا للوراء أكثر من قرن حينما كان كتاب الرواية في بداياتهم يخجلون من وضع اسمائهم علي اعمالهم خشية العار، ضاربا المثل برواية »زينب« لمحمد حسنين هيكل، حينما كتب عليها »زينب.. مناظر وأخلاق ريفية.. بقلم فلاح مصري«.

وأضاف السروي: هناك أيضا مصادرة أخري تمت مؤخرا و كانت من نصيب واحد من ركائز الرواية المصرية الآن: وهو إدريس علي الذي أدخلنا من خلال أعماله »النوبي« و»اللعب فوق جبال النوبة«.. وغيرهما إلي قطاع مهم من المجتمع المصري وهو النوبة و اهلها، و هو عالم كان غير مطروق من قبل كتابنا و مبدعينا، فقد صودرت لإدريس مؤخرا روايته »الزعيم يحلق شعره«، وهي رواية ربما يكون عاشها الكاتب في ليبيا وكتب بصدق عمارآه وعايشة بنفسه هناك، وإذا به يتهم بأنه يعادي دولة شقيقة، وسحبت روايته من أماكن العرض.، رغم أنه لم ينشر في روايته إلي زعيم بعينه، كما أن الأمر من الواجب أن يسير في إطار المناقشة وقبول الرأي والرأي الآخر، فضلا عن أنها أعمال أدبية يجب أن ينظر لها بمنظور آخر. وشكي السروي قائلاً : الأدباء أصبحوا واقعين في حيرة بالغة، فهم لم يعودوا يعرفون من أين ستتم مهاجمتهم في المرات القادمة، هل سيهاجمون بحجة الأخلاق أم بحجة السياسة !

من جانبه، أكد رجل القانون، وعضو مجلس الدولة والروائي الدكتور حسن هند، أنه كما نص الدستوران الفرنسي والأمريكي علي حرية التعبير، فقد نص الدستور المصري علي ذلك أيضاً في المادة 47، التي تنص علي أن لكل شخص حرية التعبير عن رأيه سواء بالنشر أو التدوين، ولكن المشكلة هي أننا عندما نأتي الي التطبيق يصبح الأمر مغايرا.

وأكد هند أن المرحلة الليبرالية الأولي التي سبقت يوليو 1952 كانت مساحة حرية التعبير فيها أكثر رحابة مما هي عليه الآن، مدللا علي ذلك بكتابي »الشعر الجاهلي« لطه حسين و»الإسلام وأصول الحكم« لعلي عبد الرازق وكذلك مقالات العقاد التي مست العديد من الممنوعات، وعلي الرغم من ذلك لم تصادر هذه الأعمال، مؤكدا أن العمل الفني لابد وأن تكون له حصانته لأنه يصور أشخاصا لا علاقة لهم بالكاتب، فهو إذن ليس خبرا يمكن سؤال كاتبه عن صحته، فلابد من التفريق بين الرواية والمقال اللذين لا يسأل الكاتب عن صحتهما من جانب والخبر من جانب آخر.

وتساءل الناقد والروائي عبد المنعم تليمة هل نحن بالفعل لا نعرف أين المخرج مما نحن فيه أم أننا نعرف الحل ونخشي دفع الثمن الفادح ! فالمثقفون و الأدباء و العلماء في فترة ما قبل ثورة 1952 كانوا ينعمون بحرية واسعة في التفكير، مدللا علي ذلك بتفسير الشيخ محمود شلتوت لآية في حضور رئيس الوزراء والعديد من الوزراء ضد التفسير المألوف وهي آية »وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم« مفسرا »أولي الأمر« بأنهم رؤوس كل صناعة وليسوا الحكام، ورغم ذلك لم يعاقب الشيخ بعد تفسيره، وأكد تليمة أن الكتاب والأدباء هم رؤوس صناعة الكتابة، لذا فهم المسئولون عنها، أي أنهم وحدهم من يصلحون كي يكونوا الحكومة النقدية والأدبية والجمالية، ولا تنازل عن ذلك، وليس للقضاء حق في الحكم علي مادة ليست مادته.

وأكد تليمة أنه مع الحرية والنظام وضد الفوضي، لكن ذلك لا يعني اعطاء الحق لأي شخص لمصادرة أي كتاب، بل الأجدي أن يتم الرد علي هذا الكتاب بطريقة علمية مبنية علي أسس سليمة بحسب رأيه.

أكد الروائي إدريس علي، الذي صودرت روايته مؤخرا، أنه ارتبط بعلاقة وثيقة بالحياة الليبية عبر فترة طويلة ماضية، حيث عاش في الأراضي الليبية ورأي سوء الظروف الاقتصادية، كما آلمه طرد مليون مصري في مارس 1976 بكل قسوة وبلا رحمة، مشيراً إلي أنه كتب النص في سنة 1980 ولم ينشره، لكنه وجده مناسبا للنشر الآن فنشره دون التعليق عليه. وأوضح إدريس أنه لم يكن يتوقع مصادرة هذا العمل في مصر لأنه يتحدث عن ليبيا ! معربا عن تخوفه الشديد مما قد يلحق به من ايذاء بسبب هذا العمل.

أما الروائي مجدي الشافعي فقد أبدي دهشته لمصادرة روايته »مترو« وهي رواية مرسومة وفكرتها من اليابان والغرب بشكل كبير، وتحكي عن شاب يعيش إحباطات مرحلة الشباب يتخذ وسيلة الخروج منها بسرقة بنك لكن الأمر يزداد سوءا.

وأضاف الشافعي أن الناشر اختفي ومن بعده الأعداد من المكتبات، كما أكد أن الرواية ليس فيها ما يسيء ولا ما يراه الناس مبتذلا، متسائلاً ما الخطأ أو العيب في عبارة مثل »الناس عايشة متبنجة« من ابتذال! موضحا أن القاضي تبني القضية من وجهة نظر أخلاقية و ليست أدبية، و أشار الي أن الجو العام حاليا زاخر بضيق الأفق. مطالبا أن يتم استبدال منع الأعمال أو مصادرتها باتباع نظام التصنيف الذي يتبعه العديد من الدول المتقدمة والذي يصنف الأعمال تبعا لفئات عمرية معينة بحيث لا يجوز لمن هم في مرحلة سنية معينة أن يشتري أو يطلع علي الأعمال المخصصة للفئة العمرية الأكبر.

من جانبها، رأت الروائية سهام بيومي، عضو لجنة الحريات باتحاد الكتاب، أن ما يحدث هو محض اعتقال للعقل، وهو ليس بعيدا عما يحدث في المجتمع المصري ككل، كما أن قضايا الحسبة موضوع سياسي بالدرجة الأولي ويتم بموافقة السلطة، ولابد من وفقة ضد هذا الأمر الذي يشبه القنبلة العنقودية التي تتفجر في وجه الكتاب والأدباء.