الأثاث الإيطالي‮.. »‬گيوبيد‮« ‬البيوت المصرية

ناهد السيد : علامة ثقة طوال عصور مضت.. لم تكتسب من فراغ.. ولكن عبر جهود مضيئة علي مر التاريخ.. منحتها شهادة ميلاد دولية

الأثاث الإيطالي
ناهد السيد

»Made in italy « علامة ثقة طوال عصور مضت.. لم تكتسب من فراغ.. ولكن عبر جهود مضيئة علي مر التاريخ.. منحتها شهادة ميلاد دولية تستطيع بها الوصول إلي أي دولة دون عناء.. وهو ما دفع مهندسو الديكور ومصممو الأثاث في الشرق الأوسط للاتجاه إلي طراز »Mden,s « الإيطالي ومنهم عمرو قنديل الذي استورده منذ التسعينيات وطرحه بالسوق المصرية نظرا لملائمته مع الحس والروح والطابع الشرقي، وأيضا - مرونته المعاصرة والكلاسيكية معا، علاوة علي تميزه بالصروح التي اشتهرت بها جميع فنون عصر النهضة التي اشتقت من أعرق الفنون التي سبقتها، فالتقطت فضائلها ومحاسنها التي لا تحصي ليتربع الطراز الإيطالي علي عرش الجمال.


استلهم عصر النهضة، الذي ظهر في إيطاليا منذ القرن الخامس عشر، عناصره من الفنون الكلاسيكية اليونانية والرومانية التي كانت آثارها تعج بشوارع روما والمدن الإيطالية الأخري، وقد استمد المعماريون والحرفيون من تلك الآثار مبادئ التصميم والتناسب والتناسق بين العناصر المعمارية وانعكس ذلك علي صناعة الأثاث في أوروبا كلها، خاصة في إيطاليا فكان للتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المهمة التي شهدتها إيطاليا في ذلك القرن أثر كبير في تبدل مفاهيم كثيرة، وأدي النشاط التجاري المتزايد إلي نمو عدد من المدن الإيطالية المهمة بشكل سريع فتضخمت ثرواتها وارتفع عدد الأثرياء فيها، وظهرت فيها أسر حاكمة قوية نافست الكنيسة بثرواتها ونفوذها ورعايتها للفنون، كما نافستها في بناء القصور الفخمة واقتناء الاثاث الفاخر الذي بلغ درجة من الترف لم تصل إليها العصور السابقة، ومع أن الانتقال من أثاث العصور الوسطي إلي أثاث عصر النهضة تم تدريجيا، فإن حرفيي عصر النهضة الإيطاليين بذلوا جهودا كبيرة حتي توصلوا إلي اضفاء مظهر متناسق وخطوط دقيقة إلي قطع الأثاث، وظهرت أولي علامات التغيير في تزيين الأثاث.

ومع الأشكال المعمارية بقيت المفضلة في زخارف الأثاث المحفورة كما كانت في العهد القوطي. فقد تبدلت وصارت تضم الأعمدة والأقواس وأشكالا معمارية أخري كتلك التي تشاهدها في انقاض الآثار اليونانية والرومانية القديمة، أو تستلهم من الموضوعات الشعبية الأسطورية المجردة الموروثة من العهود الكلاسيكية كأبي الهول، إضافة إلي الزخرفة العربية والحليات المكونة من أوراق الأقنثوس متداخلة، مع صور الأطفال الملائكة وآلهة الحب »كيوبيد« والتماثيل الحاملة التي تقوم مقام الأعمدة لتمثل شمعدانات أو وحدات إضاءة صرحية الطابع والطراز.

وكانت زخارف الأثاث في بداية عصر النهضة محدودة وقليلة العمق جميلة التفاصيل، ثم ازدادت غني مع مضي الزمن، وشاع معها التطعيم بالأخشاب الثمينة الملونة وبالعاج وبالأحجار الكريمة، ومنذ أواخر القرن الخامس عشر استخدم الجبس الممذوج بالغراء، مادة مكملة في الزخرفة البارزة والملونة، وكان الجوز من أكثر الأخشاب استعمالا في تصميم أثاث عصر النهضة.

وكانت القطع الكبيرة من الأثاث ترتكز إلي قواعد منخفضة وتسند إلي الجدار عادة وكان أجمل الأثاث بغرف النوم في القصور إذ لم تكن تلك الغرف مخصصة للنوم - فقط - بل كانت للقاءات الحميمة ولاستقبال الأصدقاء والزائرين، وكان السرير يزود في زواياه بأعمدة مزخرفة وتعلوه نافذة فخمة وتحيط به من الجانبين كاسون »Cassone « أو ما عرف بعد ذلك بالكمود أو »صندوق الزواج« مطورة عن الصناديق المعروفة في العصور الوسطي. وكان الكاسون يزخرف عادة بأفاريز محفورة ومدهونة أو مطعمة.

أما زخارفها فكانت تتضمن مشاهد من احتفالات الأعراس ومن الأساطير الكلاسيكية، وكثيرا ما كان ينفذ هذه الزخارف فنانون مشهورون، ويعد ما بقي منها إلي اليوم تحفا فنية لا مثيل لها، وهناك نمط آخر مطور عن الصندوق أيضا يسمي »ردنزا« Redenza وهو خزانة مرتفعة ذات أبواب وادراج لحفظ الملابس والبياضات وأطباق الطعام والفضيات.

وتنوعت الكراسي في عصر النهضة، والتي يحصرها المهندس عمرو قنديل في الكرسي الكبير المسمي »سيديا« Sedia وهو ثقيل مرتفع القامة بذراعين يشبه كرسي العرش مقعده منجد ومغلف بالجلد أو المخمل، وكرسي سافونارولا Savonarola ودانتي Dante ، ولكل منهما ذراعان، وهما من الكراسي المعدة للاستعمال المنزلي وتتصفان برشاقة خطوطهما المنحنية وأطرهما المتقاطعة التي تشبه الكراسي القابلة للطي التي شاعت في العصر السابق، وثمة كرسي آخر خفيف يعرف باسم ساغابلو Sagabello علي قاعدة تشبه الصندوق وظهر مرتفع ضيق، نقش عليه شعار ما أو موضوع كلاسيكي. وهو مرصع بالعاج لإبراز جماليات القصة ومنحها بعدا تاريخيا.

وفي القرن السادس عشر بدأ »الموزاييك« الخشبي والتطعيم بالخشب والترصيع بالعاج يزاحم الحفر البارز في تقنيات صناعة الأثاث الإيطالي، كما أصبح التنجيد بالجلد والمخمل أو بأقمشة مزرقشة بالرسوم أوغيرها هو السائد. ومن مبتكرات التصميمات الإيطالية، أيضا - الطاولة المنزلقة التي يمكن زيادة طولها، والمكتبة الطويلة المزدوجة المزودة بغطاء متحرك يفتح إلي أسفل ولها ادراج وارفف متعددة.

وقد اقتبست اسبانيا عن ايطاليا الكثير من انماط أثاث عصر النهضة وطورتها محليا منذ القرن السادس عشر، فجاءت أشكال الأثاث الاسباني بسيطة المظهر متينة مستقيمة الخطوط قليلة التفاصيل والزخارف مدعمة بأربطة من الحديد المضغوط، وكانت الطاولات والمقاعد والكراسي والصناديق تقوي بالحديد المشغول وتزين به، كما كان للسرير أعمدة من حديد ومساند من جهة الرأس مزينة بمسامير، كما اقتبس الاثاث الاسباني من الفن الإسلامي الذي يبدو جليا في الأشكال الهندسية المعقدة والزخارف الزهرية المطعمة بالعظم وعرق اللؤلؤ والمعدن، ولكن مازالت التصميمات الاسبانية تحمل الروح الايطالية برونقها وبهجتها التي لم تهملها أو تتجاهلها العصور والقرون البعيدة، لتظل التصميمات الإيطالية ذات سحر خاص في البيوت الفخمة تمنحها ابعادا تاريخية وقيماً فنية عديدة، تبدو - دائما - في بساطتها ورقتها وحسن توزيعها المتناغم فيما بينها، وكما تبرز مرونتها في التوافق مع كل ما حولها من اكسسوارات وطلاءات وأقمشة حتي وإن حملت حسا حديثا وطابعا مغايرا للطراز الإيطالي المعروف.