ارتفاعات الأسعار‮ ‬تعرقل الجهود البريطانية لاحتواء التضخم

إعداد ــ علاء رشدي:   يعتبر ارتفاع معدل التضخم السبب الرئيسي لأوجاع الاقتصاد البريطاني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.   فهذه الظاهرة كانت صعبة الاحتواء في السنوات العشر الماضية.

إعداد ــ علاء رشدي:

يعتبر ارتفاع معدل التضخم السبب الرئيسي لأوجاع الاقتصاد البريطاني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.


فهذه الظاهرة كانت صعبة الاحتواء في السنوات العشر الماضية. وتقول مجلة »الايكونوميست« إن التضخم في بريطانيا اتجه نحو الانخفاض في بداية عام 2007، ولكنه سرعان ما ارتفع مجددا، ولم تستمر فترة التراجع إلا لوقت قصير. ففي الأشهر الأخيرة ارتفعت أسعار الأغذية والسلع الأساسية والطاقة والبنزين بشكل لم تشهده البلاد منذ فترة طويلة، وصاحب ذلك انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني مما سبب ضغوطاً شديدة علي المستهلكين البريطانيين.

وتقول »الإيكونوميست« إن هذه الضغوط تشكل التحدي الأكبر لنظام مكافحة التضخم الذي تتنباه بريطانيا منذ 15 عاما والذيا سهم بشكل كبير في تحقيق أفضل استقرار نسبي للأسعار منذ الحرب العالمية الثانية. فبعد أن انسحبت بريطانيا من آلية سعر الصرف الأوروبية ERM في سبتمبر 1992، فوضت حكومة المحافظين البنك المركزي البريطاني في اتخاذ جميع الاجراءات اللازمة للسيطرة علي التضخم والاحتفاظ به عند معدلات منخفضة، وكان يقاس حينئذ بمؤشر سعر التجزئة باستثناء مدفوعات الفائدة العقارية. وعندما جاءت حكومة العمال إلي الحكم في عام 1997، كان معدل التضخم المستهدف عند مستوي %2.5، وفي ديسمبر 2003 تغير المعدل المستهدف ليصبح %2 وبدأ قياس التضخم من خلال مؤشر سعر المستهلك الذي يستخدمه أعضاء الاتحاد الأوروبي.

وفي العام الماضي ارتفع معدل التضخم ليصل إلي %3.1 أي فوق المعدل المستهدف بأكثر من نقطة مئوية، وقال ميرفن كنج محافظ البنك المركزي البريطاني إنه يتوقع أن يتراجع التضخم في غضون أشهر، وهذا ما حدث بالفعل. ولكنه اتجه مرة أخري نحو الارتفاع ليصل إلي %2.5 في شهر فبراير الماضي نتيجة لزيادة أسعار الغاز الكهرباء التي ارتفعت بنسبة %11.5 منذ بداية عام 2008.

وحتي بعد هذا الارتفاع الأخير، فإن التضخم في بريطانيا علي أساس سنوي مازال أقل من مثيله في الولايات المتحدة والذي بلغ %4.

وأظهر أحدث استطلاع للرأي أجراه البنك المركزي أن المواطنين البريطانيين يعتقدون أن الأسعار ارتفعت في الاثني عشر شهرا الأخيرة بشكل لم يحدث منذ عام 1999. وبلاشك فإن الموجة الأخيرة من زيادة الأسعار بدأت تقلق المستهلكين وتضعهم تحت ضغوط شديدة. فقد ارتفعت أسعار المنتجات الصناعية في السوق المحلية بنسبة %5.7 وهو أعلي ارتفاع من نوعه منذ منتصف عام 1991، في الوقت الذي ارتفعت فيه تكلفة الطاقة والخامات التي يتحملها أصحاب الصناعات بنسبة %19.4 في العام الذي انتهي في شهر فبراير الماضي. في أكبر زيادة من نوعها منذ عام 1980.

وعلي امتداد العقد الماضي، مكنت الواردات الرخيصة نسبياً أصحاب المتاجر من الاحتفاظ بالأسعار عند مستويات منخفضة وبصفة خاصة أسعار الملابس والمنتجات الالكترونية، وفي الحقيقة فإن تكلفة استيراد المنتجات باستثناء البترول - انخفضت بنسبة %18 في الفترة ما بين عامي 1996 و2004، ويعكس هذا الانخفاض ظهور منتجين يبيعون بأسعار مخفضة مثل الصين، اضافة إلي قوة الاسترليني وبدأت أسعار الواردات ترتفع في السنوات الثلاث الماضية، ولكن بمعدلات متوسطة، إلا أن هذه الأسعار ارتفعت ما بين يوليو 2007 ويناير 2008 بنسبة %4.4، ويقفز هذا الارتفاع إلي %6.4 اذا حسبنا البترول.

ويأتي الارتفاع الحاد الأخير في الواردات نتيجة لعدة عوامل من بينها التراجع الكبير في قيمة الاسترليني. اضافة إلي الارتفاع الصاروخي في أسعار البترول والسلع الأساسية في الأسواق العالمية. فبحسابات الجنيه الاسترليني يكون سعر البترول الخام قد ارتفع بنسبة %25 منذ بداية ديسمبر الماضي وحتي مارس الحالي، ويكون مؤشر »الايكونوم88ت« لأسعار السلع والذي يضم المواد الخام الصناعية والأغذية - باستثناء البترول والمعادن النفيسة - قد ارتفع بنسبة %27 من نفس الفترة. وتشير التوقعات إلي أن المستهلكين البريطانيين سيواجهون مزيداً من الضغوط التضخمية خلال الأشهر القليلة المقبلة، مما يضع البنك المركزي البريطاني في موقف حرج ويزيد من حدة الأزمة المالية، مما يهدد في النهاية بتباطؤ النمو الاقتصادي، وهذا هو الأخطر.

وكثرت المطالبة بارتفاع سياسات نقدية توسعية، ولكن البنك المركزي يخشي من أن يؤدي أي خفض جديد في أسعار الفائدة إلي ارتفاع معدل التضخم مما يعني مزيدا من الضغوط علي المستهلكين. وأشار استطلاع البنك المركزي إلي أن البريطانيين يتوقعون ارتفاعاً جديداً في التضخم ليصل إلي %3.3 بحلول العام المقبل.

ولذلك فإن البنك المركزي يتحرك بحذر شديد حيث قام بخفض الفائدة مرتين متتاليتين في ديسمبر وفبراير الماضيين كل مرة بمقدار ربع نقطة فقط ليصل سعر الفائدة الأساسي حاليا إلي %5.25.

ويري فريق من المحللين أن البنك ربما يقدم علي خفض جديد في الفائدة في أبريل المقبل، واذا كان ذلك سيشكل أخباراً سارة للمقترضين إلا أنه سيشكل عبئا اضافياً علي المستهلكين الذين سيكون عليهم تحمل المزيد من التضخم وارتفاع الأسعار.