الطلاق أو الفوضى .. البرلمان البريطاني يقرر مصير "بريكست"

إعداد – عبدالغفور أحمد محسن  بعد ماراثون طويل من المفاوضات استمر 17 شهرا، وصلت اتفاقية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست" إلى أصعب محطاتها .. البرلمان البريطاني الذي قد

إعداد – عبدالغفور أحمد محسن

بعد ماراثون طويل من المفاوضات استمر 17 شهرا، وصلت اتفاقية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست" إلى أصعب محطاتها .. البرلمان البريطاني الذي قد يكون محطة الاتفاق النهائية بالتصديق على "الطلاق" كما تسميه التقارير الإعلامية الغربية، أو رفضه والدفع باتجاه مسار غامض وفوضوي.

زعماء الاتحاد الأوروبي أقروا رسميا صباح اليوم اتفاق خروج بريطانيا من التكتل خلال قمتهم في بروكسل، ولتدخل الاتفاقية التي توصلوا إليها مع تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا، حيز التنفيذ، يتعين أولا موافقة البرلمانين البريطاني والأوروربي عليه، تبدو موافقة برلمان أوروبا محسومة، لكن الأمر ليس كذلك مع مجلس العموم البريطاني الذي عارض الكثير من أعضائه تلك الاتفاقية بغضب.

الموافقة شديدة الصعوبة .. ماي فقدت حتى حلفائها

يتعين على الاتفاقية الحصول على موافقة 320 عضوا من أعضاء البرلمان البريطاني الـ 650، في تصويت يحتمل أن يتم خلال شهر ديسمبر المقبل، لكن الأمر يبدو شديد الصعوبة، ليس فقط لأن حزب المحافظين الذي تترأسه ماي فقد أغلبية البرلمان في انتخابات 2017 التشريعية، بل أيضا لأن حتى بعض حلفائها من أعضاء الحزب يعارضون الاتفاقية.

بحسب بلومبرج، فإن المتشددين المؤيدين للخروج من الاتحاد الأوروبي في حزب المحافظين، وأيضا المحافظون المؤيدون للاتحاد الأوروبي، لا يرحبون بالاتفاق.

ناهيك عن أن كل أعضاء حزب العمال تقريبا - ثاني أكبر الأحزاب تمثيلا في البرلمان وبفارق بسيط عن حزب المحافظين المتصدر - يرفضون الاتفاق.

كل السيناريوهات واردة

في تقرير لها، رسمت بلومبرج كل السيناريوهات المتوقعة حال إحباط الاتفاق في البرلمان، وهي جميعا سيناريوهات غامضة تنذر بالفوضى، فمن ناحية قد يدفع حزب العمال المعارض باتجاه إجراء انتخابات عامة للتخلص من ماي واتفاقها، وانتزاع السلطة لنفسه، لكن ليس من الواضح إن كان سينجح أصلا في مساعيه لإجراء الانتخابات أو حتى في فرض اتفاق انفصال آخر على الاتحاد الأوروبي.

ومن ناحية أخرى سيوفر الرفض أرضية جديدة للداعين إلى إعادة الاستفتاء من أساسه، ورغم أن هذا السيناريو لا يجد الدعم الكافي حاليا، لكن الأمور قد تتغير في المستقبل.

أكثر الاحتمالات فوضوية، هو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في شهر مارس القادم بدون صفقة أو اتفاق، وهو احتمال واراد رغم كل شئ وبوسعه تدمير التجارة وزلزلة الأسواق البريطانية وقد يقود إلى نقص في كل شيء من الغذاء إلى الأدوية ومستلزمات الإنتاج والتصنيع.

ورغم ذلك، لازال هناك هناك سيناريو آخر، وهو عودة تيريزا ماي إلى بروكسل لمحاولة الحصول على ما قد لا يكون أكثر من "تنازلات رمزية"، ثم إعادة طرح الاتفاق على البرلمان مع أمل أن يوافقوا عليه تحت وطأة انهيار الأسواق وفقدان الوظائف ونقص الغذاء.

يعزز من هذا السيناريو، أن ماي عندما سُئلت عما إذا ما كانت ستستقيل إذا رفض البرلمان دعم خطتها، رفضت مرتين تقديم إجابة مباشرة، ثم قالت إنها تركز على "الفوز" وأضافت إن القضية تدور حول تمرير بريكست وليس مستقبلها.

ويعني هذا أن ماي لا تعتبر رفض الاتفاقية نهاية لمشوارها في مجلس الوزراء أو لمحاولتها التوصل إلى اتفاق.

أوروبا لبريطانيا: لا تحلموا بصفقة أفضل

بعد الاتفاق على شروط الطلاق في قمة بروكسل، حذر القادة الأوروبيون السياسيين البريطانيين من أنهم لن يحصلوا على صفقة أفضل إذا رفضوا العرض الموجود على الطاولة لأنه لا يوجد خطة بي (خطة بديلة)، وأكدوا أن هذه هي الصفقة الوحيدة المعروضة.

وقال مارك روتا رئيس الوزراء الهولندي للصحفيين: "إذا كان هناك أي شيء أفضل يمكنني أن أخبرك أن تيريزا ماي كانت ستفعل ذلك .. لقد حاربت بشدة وكانت عنيدة جداً وهي دائماً عنيدة جداً".

في حين قال جان كلود يونكر رئيس المفوضية الأوروبية إن أي شخص يأمل في إجراء مفاوضات جديدة سيصاب بخيبة أمل في غضون "ثوان" إذا رفض البرلمان الصفقة.

وقال سيباستيان كورز المستشار النمساوي إن الوضع الحالي ينطبق عليه مقولة take-it-or-leave-it "اقبلها بالكامل أو ارفضها بالكامل".

5 أسباب وراء المعارضة البريطانية للاتفاق

تواجه اتفاقية بريكست التي تبشر بها تيريزا ماي عدة انتقادات من بريطانيا، على رأسها ما أسماه البعض "خيانة وتفريط" في السيادة على جبل طارق.

وجبل طارق هي منطقة حكم ذاتي شديدة القرب من إسبانيا لكنها تابعة للتاج البريطاني، وكانت إسبانيا قد خسرت الإقليم أمام القوات الإنجليزية والهولندية عام 1704 وسلمتها رسميا للندن عام 1713 ومنذ ذلك الحين ومدريد تطالب بها.

في استفتائين أجريا عامي 1968 و2002 اختار سكان الإقليم الحكم البريطاني على الحكم الإسباني، لكن في 2016 صوت السكان بنسبة 96% لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي.

كانت اتفاقية بريكست تنص على أن الإقليم سيغادر الاتحاد الأوروبي مع بقية بريطانيا، لكن إسبانيا هددت برفض الاتفاقية والتسبب بإلغاء قمة بروكسل إذا لم تحصل على ضمانات مكتوبة حول مصير جبل طارق، وبعد مفاوضات شاقة، أكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز السبت الماضي أنه تمت تلبية طلبه، الذي تمثل في أن أي اتفاق بينالاتحاد الأوروبي وبريطانيا لن يطبق على أراضي جبل طارق" بدون ضوء أخضر من إسبانيا".

ثاني أبزر أسباب الرفض هو إلزام بريطانيا بدفع حصتها في موازنة الاتحاد حتى نهاية الفترة الانتقالية (تبدأ وفقا للاتفاق في 30 مارس 2019، وتنتهي في 31 ديسمبر 2020، ويمكن تمديدها لعام أو عامين بحد أقصى حتى 2022) ولم يحدد النص أي أرقام لهذه الفاتورة ولا طريقة حسابها. وتقدر الحكومة البريطانية المبلغ بما بين 40 إلى 45 مليار يورو، وقد يزيد حال تمديد الفترة الانتقالية إلى 2022.

كما تواجه عدة بنود أخرى معارضة البريطانيين، وعلى وجه الخصوص الحزب الوحدوي الديموقراطي المحافظ في إيرلندا الشمالية وهو حليف أساسي لحكومة الأقلية التي تترأسها ماي، لكن الحزب يرفض بالكامل ما تضمنه اتفاق بريكست حول تطبيق إيرلندا للقواعد الأوروبية بعد انتهاء المرحلة الانتقالية إذا لم تسفر المفاوضات حول العلاقة التجارية المستقبلية بين الجانبين عن نتيجة حتى ذلك الوقت.

يتضمن الاتفاق عدة بنود جدلية أخرى مثل احتفاظ الصيادين الأوروبيين بإمكانية دخول المياه الإقليمية البريطانية وخضوع البريطانيين لحصص الصيد الأوروبية خلال المرحلة الانتقالية، وأن تكون محكمة العدل الأوروبية هي الجهة المخولة النظر في أي خلاف مستقبلي مرتبط بتفسير قانون الاتحاد الأوروبي.