د. أحمد درويش: حياته زاخرة بجوانب الأدب الأندلسي والقديم والحديث
د. حسام عقل: أول من فتح جسورًا مع الفكر النقدي الجديد
د. سيد فضل: نموذج فريد في الأدب والنقد
إبراهيم عبد المجيد: أحد عمالقة النقد الأدبي
علي راشد
د. حسام عقل: أول من فتح جسورًا مع الفكر النقدي الجديد
د. سيد فضل: نموذج فريد في الأدب والنقد
إبراهيم عبد المجيد: أحد عمالقة النقد الأدبي
علي راشد
"راهب العلم" هكذا أطلق عليه تلامذته وكبار النقاد والأدباء هذا اللقب فور رحيله، إنه الناقد الدكتور الطاهر أحمد مكي الذي ترك عالمنا، اليوم، ليكمل وحدته بين الكتب والعلم ولكن في مكان آخر، وهذا اللقب جاء لأنه سخّر حياته للكتابة في النقد العربي، سواء القديم أو الحديث منه، بالإضافة إلى تطلعه على الأدب الإسباني حينما عاش فترة دراسته هناك ليدخل إلى الأدب العربي ترجمات ومؤلفات من الأدب الإسباني.
ولد مكي عام 1924 بمركز إسنا بالأقصر، وتخرَّج في كلية دار العلوم وحصل على دكتوراه الدولة في الأدب والفلسفة من كلية الآداب بالجامعة المركزية بمدريد، وكان رئيسًا لقسم الدراسات الأدبية ثم وكيلًا لكلية دار العلوم للدراسات العليا والبحوث، وعمل بأكثر من جامعة دولية في كولومبيا وتونس ومدريد والإمارات والجزائر والمغرب، وأصدر العديد من الدراسات الأدبية والنقدية، كما حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى وجائزة التميز من جامعة القاهرة.
من جهته أكد الدكتور أحمد درويش، رئيس لجنة الدراسات الأدبية بالمجلس الأعلى للثقافة، وأستاذ الأدب والنقد بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، أن الدكتور الطاهر مكي كان قيمة من القيم العلمية والأكاديمية والإنسانية المهمة في تاريخ الجامعات المصرية، وكان مكي أحد الرواد الذين أكملوا دراستهم العليا في الخارج بإسبانيا، واستطاع أن ينقل خلال دراسته روحًا جديدة في التأليف والترجمة والتحقيق في مجالات كثيرة، خاصة في الأدب الأندلسي الذي كان محورًا لنشاطه الرئيسي.
وأوضح درويش أن مكي لم يقتصر في حياته الأدبية على جانب الأدب الأندلسي، رغم أهمية هذا المجال واتساعه ترجمة وتأليفًا، ليمد اهتمامه إلى مجالات أخرى مثل الأدب القديم والحديث، ليترك مجموعة من الدراسات المهمة عن الأدب الجاهلي القديم ودراسات فى الأدب الحديث وخاصة القصة القصيرة، لكنه استطاع أن ينقل نشاطه من الناحية الأكاديمية البحتة إلى الجهات الثقافية العامة فشارك في العديد من المحافل الأدبية وكتب في العديد من الصحف، كما أنه كان رئيسًا لتحرير مجلة "أدب ونقد" والتي كانت تمثل وجهة نظر اليسار المصري في فترة مهمة من التاريخ السياسي الحديث، وبالإضافة إلى ذلك فقد تمتَّع مكي بروح إنسانية عالية مع طلابه من مختلف البلاد والأعمار، فترك آلاف التلاميذ الذين تتلمذوا على يديه، وما زال حاضرًا بعلمه وإنسانيته في ذاكرتهم.
الناقد الدكتور حسام عقل قال: إني مَدينٌ للدكتور الطاهر مكي بوجودي في جامعة عين شمس فقد كان من أكثر الناس الذين دعّموا تجربتي الأدبية والعلمية وضمن اللجنة التي اختبرتني لشغل بعض المواقع في العمل الجامعي وزكّاني في هذا الإطار وقدّم لي دعمًا كبيرًا، ولا يستطيع أحدٌ أن ينكر الجانب الإنساني الشخصي مع تلاميذه وقد احتككت به كثيرًا وكان دائم السؤال عني متواصلًا معي متتبعًا الجديد من كتبي وأخباري وكانت تدور بيننا العديد من الحوارات وكنت أستشيره قبل نشر أي كتاب لي ليقدم النصح وكانت اللقاءات في منزله أو مكتبه لقاءات متعددة كانت سببًا في تجديد معرفتي النقدية والفنية، وأسهمت في إدارة احتفالية كبيرة لتكريمه بمتحف طه حسين وجلس بتواضع وردّ على كل الأسئلة التي طُرحت عليه، وليس سرًّا يُذاع أنه عاش راهبًا للكتابة ولمكتبته ولم يتزوج وأصبح متبتلًا ومترهبنًا في بلاط الأدب العربي والفكر العربي والنقد العربي الحديث، ورحيله مُصاب جلل وخسارة كبيرة للثقافة العربية، ويبقى الأمل معقودًا لتلاميذه لأن يطيلوا فكره ويستمر وجوده".
وعلى الجانب النقدي لفت عقل إلى أن مكي كان أول من فتح وأمدّ جسورًا للتعرف على الفكر النقدي الجديد مثل البنيوية والتفكيك، وحتى النظريات التي ظهرت فترة ما قبل الحداثة ولم يتم استيعابها كالرمزية وغيرها من النظريات نجح مكي في التعريف بها وأقلمتها بالروح العربية، كما كان له وجود في مجال التعريف بعلم الأدب المقارن من خلال عدد متواتر من الدراسات النقدية المهمة التي تدرس التأثير والتأثر بين الأدب العربي والعالمي نقدًا وعطاء، ولا ينبغي أن ننسى أن مكي أحد أبرز الأعلام الكبار في مسيرة الحياة الأكاديمية العربية والنقد العربي في التعريف بالأندلس حضارة وفكرًا، وكان أول من عرف بعطاءات المستشرفين الإسبان ليبرز أسماء أدبية إسبانية أشاعها عربيًّا والتعريف بها وبأدوارها الثقافية والأدبية، وكان له باعٌ طويل في مجال الكتابة عن اللغة العربية ورصد أزماتها المعاصرة والدفاع عنها في كل المنتديات والمجالات.
وأشار إلى أن مكي أسهم بقلمه الرصين في التعريف بالأصول الفنية للأجناس الأدبية الكبرى، وله كتابات كثيرة في القصة القصيرة وأصوها ونشأتها وتطورها، وكان كتابه حول القصة ومختارات من القصص العربية منفذًا إلى الكثير للتعرف على أدب القصة القصيرة والوقوف على أسسها ومنشئها وجذورها.
وأعرب الناقد الدكتور سيد فضل عن حزنه لرحيل الطاهر مكي الذي أكد أنه كان راهبًا للعلم ودرّس له في الجامعة وكان له الكثير من الأفضال عليه وعلى أبناء جيله، فلم يكن مجرد أستاذ بل كان والدًا لكل تلميذ لديه وصاحَبَه مدة 40 عامًا وكان مكي نموذجًا فريدًا للعلم والأدب اللذين منح حياته لهما ليخرج بعدد تلامذته أبناء رغم أنه لم ينجب ولم يتزوج في الأصل.
أما الروائي إبراهيم عبد المجيد فلفت إلى أن رحيل مكي مسلسل لرحيل الكبار والعمالقة بداية من عام 2017 ليرحل، اليوم، أحد عمالقة الأدب والنقد العربي، مؤكدًا أن مكي كان أستاذًا للجميع وكان ناقدًا عظيمًا، وله باعٌ طويل في الأدب الإسباني وأرشد تلاميذه إلى الأدب الحديث والعالمي وكان علمه غزيرًا.