الفرق بين المؤرخ والكاتب عن التاريخ

لفت نظرى فيما كتبه عن العقاد الأستاذ محمد عبد الغنى حسن، وشيخ المؤرخين الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى، أنهما تناولا تراجمه ومنافحته عن الإسلام، من زاوية أنه «مؤرخ»، فاختار الأستاذ


لفت نظرى فيما كتبه عن العقاد الأستاذ محمد عبد الغنى حسن، وشيخ المؤرخين الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى، أنهما تناولا تراجمه ومنافحته عن الإسلام، من زاوية أنه «مؤرخ»، فاختار الأستاذ محمد عبد الغنى حسن الذى يتحمس بشدة للأستاذ العقاد اختار عنوانًا لمقاله بالعدد الخاص لمجلة الهـلال (أبريل 1967) عن العقـاد- عنوان: «العقاد مؤرخ الإسلام»، وكتب الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى بـذات العدد تحت عنوان: «عباس العقاد مؤرخًا».

وظنى أن المدخل هنا للتقويم، فى التأييد أو فى الانتقاد، ليس صحيحًا، حالة كون الأستاذ العقاد لم يقم «بالتأريخ» فى هذه العبقريات والتراجم عمومًا، حتى يُدرج ولو تجاوزًا فى باب «المؤرخين»، بينما هو يصرح فى مقدمات العبقريات التى تشهد بذلك، أنه لا يكتب سيرًا بالمعنى المفهوم أو الإصطلاحى، بل ولا تعنيه الوقائع والأخبار إلاَّ بمقدار ما تؤديه لرسم الصورة النفسية التى يتغيا أن يجلو بها خلائق الشخصية وبواعث أعمالها وملامـح صورته.

وأفصح الأستاذ العقاد عن هذا المعنى بوضوح فى كتاباته، وفى مقدمات عبقرياته المعروفة، وفى بعض تراجمه، فقال فى تقديمه «لعبقرية عمر»: «كتابى هذا ليس بسيرة لعمر ولا بتاريخ لعصره على نمط التواريخ التى نقصد بها الحوادث والأنباء. ولكنه وصف له ودراسة لأطواره ودلائل على خصائص عظمته واستفادة من هذه الخصائص لعلم النفس وعلم الأخلاق وحقائق الحياة» وقال فى تقديمه لترجمة «غاندى» إنه لا يقصد إلى كتابة سجل الحوادث ولا تقـديم أيام، ولكنه يقـدم «مرآة صغيرة يبدو فيها منـاط العظمة من «مهاتما الهند» وهو الروح العظيم».

وما استوقفنى ليس مسألة شكلية، ذلك أن النقد ينصب على «التوصيف» الذى ينصرف إليه، فما يقال لنقد الكاتب بعامة أو الأديب أو الروائى، غير ما يقال لنقد المؤرخ، فالمقاييس تختلف تبعًا لكل زاوية.

فكاتب الرواية التاريخية لا يصنف كمؤرخ، ولا يقدم كمؤرخ، لأن الرواية التاريخية يمتزج فيها «خيال» الروائى مع المادة التاريخية، ويشكلان مزيجًا هو الذى يكون محلاًّ للنقد من زواياه الأدبية والروائية والفنية، ولذلك لا يُدرج فى عداد المؤرخين الأستاذ العريان أو الأستاذ جورجى زيدان وغيرهما ممن كتبوا الروايات التاريخية.

ومدرس وأستاذ التاريخ غير المؤرخ، فلم يكن الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى نفسه، وهو شيخ أساتذة التاريخ مؤرخًا، ولا كان الأستاذ الكبير «سليم حسن» مؤرخًا، ولا كان الأستاذ الكبير الدكتور حسن إبراهيم حسن- مؤرخًا، وإنما كانوا أساتذة كبار للتاريخ، قاموا بتدريس التاريخ، وكتبوا المؤلفات الشارحة والمبينة والموضحة.

وإنما يُطلق لقب المؤرخ على الطبرى وابن الأثير وابن كثير، وعلى النويرى والمقريزى والتلقشندى وابن تغرى بردى والسخاوى والسيوطى وابن إياس والجبرتى والرافعى ومن جرى مجراهم فى رصد وقائع التاريخ والتأريخ لها، بل ويجرى التمييز فى وصفهم إذا تعددت مجالاتهم كما هو حاصل مثلاً بالنسبة للطبرى وابن كثير اللذين عملا أيضًا بتفسير القرآن وألفا فيه، وغيرهما ممن عملوا بالفقه أو الأدب فتعددت صفاتهم تبعًا لذلك، إلى جوار وصف المؤرخ الذى وصفوا به.

ولا خلاف على أن الأستاذ العقاد بتراجمه وبعض مؤلفاته، قد كتب فى التاريخ، فهو قد كتب ولا شك فى التاريخ، ولكن كتاباته امتزجت بفكره ورؤيته وموقفه وأسلوبه وأدبه، وهى بذلك ليست «تأريخًا» بالمعنى الاصطلاحى للتأريخ، وإنما هى صور مطبوعة بانطباعاته، ومن ثم لا يستقيم قياس أعماله على المعايير والقياسات التى يقوم بها عمل المؤرخ.

ومن اللافت أن من وجهوا انتقادات لمنهجه فى كتابة التراجم بعامة، والعبقريات بخاصة، من زاوية أنها يجب أن تتضمن المحاسن والعيوب، والثناء والملام، إنما اعتمدوا فى هذه الانتقادات على «المنهج العلمى» للتأريخ وعمل المؤرخ، بينما خرجوا- كما أسلفنا- عن ذات هذا المنهج العلمى فى «توصيف» الأستاذ العقاد وعمله- وإدراجه فى باب التأريخ و«المؤرخين» !

غلاة المادحين !

وفى اعتقادى أن الحماس الشديد للأستاذ العقاد ممن أغرقوا فى محبته والتشيع له، قد ساهم بغير قصد فى التوصيف الخاطئ لعبقريات وتراجم العقاد، وتصنيفها على وجه واحد هو بيان العظمة ودلائلها والثناء عليها.

من ذلك أن الأستاذ محمد خليفة التونسى، رحمه الله، وهو من غلاة محبى الأستاذ العقاد المتشيعين له بشدة، كتب مقالا فى الكتاب الذى صدر تحت رعايته واشرافه عن مكتبة الأنجلو بمناسبة بلوغ الأستاذ العقاد سن السبعين فى (28/6/1959) ووضع عنوانًا للمقال: «العقاد محامى العظماء» أفاض فيه تحمسًا فى ذكر أن جل تراجم الأستاذ العقاد التى زادت كما يقول عن المائة، فى العظمة التى يشعر بمعانيها ويدركها إنسان من صميم معدن هذه العظمة، وأن العظمة التى يحامى عنها العقاد «بإلهام الشاعر ونخوة الكريم وبأس الشجاع وبصيرة الحكيم هى عظمة الكفايات النفسية الخلقية والفكرية والذوقية التى تحلم الأحلام وتحققها بعزيمة جبارة مثابرة»..، ويقول فى موضع آخر بهذا الفيض من الحماس: «وهذه العظمة تمد أسبابها للمتورطين فى الأغوار، ليصعدوا عليها إلى آفاق الأعلياء بالفضيلة والحكمة، ولا تقطع سببًا واحدًا يرتفع به الأعلياء لتهبط بهم إلى مدارك الدهماء والأدنياء وهى تجتذب المتخلفين فى المؤخرة ليكونوا مع السابقين بالقوة والأمانة، ولا تعطل هؤلاء السابقين أو تعتاق سبيلهم حتى يكونوا مع العجزة المتخلفين فى سباق الحياة ؛ وهى تقيم الرءوس المنكوسة وتزيد الرءوس العالية علوًّا وجلالاً، ولا تنكس الرءوس القائمة كى تقف هى وحدها مرتفعة الرأس بين رءوس ذليلة ورقاب ضارعة....»

وعلى هذه الوتيرة يمضى فيقول: «ولهذا كانت تراجم العقاد عنوان عظمته الشخصية والعبقرية التى تقارب العظماء الأكفاء على اختلاف أنماطهم وحظوظهم من العظمة...».. «ونحن نقرر هذه الحقائق ونكررها حتى الموت وإن رغمت أنوف الساسة والمربين والفلاسفة وأدعياء الإصلاح وانبرى لإنكارها أشدهم جبروتًا وكبرياءً وأضراهم بالشر والبغض للإنسان..»

ويضيف: «والعقاد حين يؤدى عن عظمائه ما يعرف من آيات عظماتهم لا يكتفى بالعرض الفوضى أو المنظم تنظيمًا آليًا أو شبة آلى، بل ينسق الملامح البارزة فى كل صورة وينفخ فيها من روحه وهى روح عظيمه فيحببها فى نفوس قرائه حتى يعاطفوا عظمته فيجدوا فى نفوسهم آثار فضل كفضلها».

وليس فى وسعى أن أنقل إليك أمثال هذه العبارات الحماسية التى نطقت بها محبة الأستاذ التونسى- رحمه الله- وعشقه للأستاذ العقاد، والتى حفل بها المقال الذى زاد على عشرين صفحة على هذا النمط الذى يلتقى مع عنوان المقال: «محامى العظماء»، ليعطى انطباعًا غير صحيح بأن الأستاذ العقاد «محامٍ» فى تراجمه يهتمه بالعظمة وينفخ فيها من روحه، ولا يهتم بسواها:

● العقاد. دراسة وتحية بمناسبة بلوغه السبعين. بأقلام طائفة من الكتاب ص 164 185.

ولم يكن الأستاذ التونسى وحيدًا فى محبته العاشقة للأستاذ العقاد، أو فى مغالاته فى كيل المديح له، وإن كان فريدًا بينهم فى حجم عشقه وحجم تشيعه. وظنى أن هذه الكتابات غمطت الأستاذ العقاد كثيرًا من حقه وهى تفرط فى مدحه إفراطًا لا يتفق مع موضوعية التناول، وربما أعطى لناقديه- وهم كثرٌ- المادة والحافز لكيل نقدٍ كثيرًا ما ابتعد بدوره عن الموضوعية. وإلى هذا كنت أرمز فى مقدمة المجلد الأول للمدينة، بأن من دوافعى للكتابة عن الأستاذ العقاد أن «صورته» ربما ابتعدت حقيقتها عن الموضوعية بين محبيه ومبغضيه، فالغلو من هؤلاء وأولاء قد ابتعد عن الموضوعية، مدحًا ومغالاة فى المديح، أو قدحًا ومغالاةً فى القدح إن لم يكن فى الهجاء».

وبين هؤلاء وأولاء، وعند العارفين المنصفين، سيظل الأستاذ العقاد صاحب مدرسة خاصة فى كتابة التراجم والعبقريات، وسيظل ما كتبه فى هذا الباب نفيس القيمة، نادر النظير !Email: [email protected]
www.ragai2009.com