الهجرة غير الشرعية بعيون السينما
للفن والإبداع طريقتهما فى الوصول للجمهور من خلال تقديم أعمال حية من أرض الواقع بمزيد من الحِليات الفنية التى تُضفى على العمل رونقًا وتضعه فى قالَبٍ شائق يُوصل رسالةً مغزاها أن الأزمات هى التى تصنع إبداعًا ناجحًا يدخل إلى البيوت ويتغلغل فى أعماق قارئ لقصيدة أو مستمعٍ لأغنية أو مُشاهدٍ لعمل سينمائى أو درامى، وعلى مدار عصور وأزمنة كانت أزمات الشارع المصرى والوطن العربى حاضرة فى الفن لتحكى وتؤرِّخ وتسهم فى تصحيح مفاهيم أو وضع أسس انطلاق جديدة للمواطن ليثور على حال بلاده.
أنظمة سياسية مختلفة طالها النقد من خلال الفن، كما طالها النفاق والرياء، إلا أن النقد باقٍ، والرياءُ إلى الهاوية، فالفن يطرد كل ما لا يشعر به الناس والمواطن، ولعل السجون كانت مصير كثيرين ممن قدّموا إبداعًا أو رأيًا مخالفًا للدولة فى الكثير من العصور، لكنْ ظلّ وجودهم فى المعتقلات شرفًا على رءوسهم طيلة حياتهم، وحتى بعد أن رحلوا.
ونظرًا لأن الأزمات تتكرر ولا تنتهى، وآخرها كارثة «مركب رشيد» التى يُنتظر أن تكون محورًا لإبداعٍ ما، بعد أن تتشرب المياه رائحة الموت، ترصد «المال» خلال هذا الملف العديد من الإبداعات على مستوى الأدب والموسيقى والسينما، أبرز الأعمال التى خرجت من رحم المعاناة.
شاب عاطل عن العمل وعمره 25 عامًا، وأخته هى التى تقوم بالإنفاق عليه فيشعر دائمًا بالخجل من ذلك فيُضطرّ للسفر عبر الهجرة غير الشرعية، وحينما بدأ المركب يغرق تحدَّث مع أخته بأنه سافر دون علمهم من أجل تحقيق ما لم يحققه فى بلده، لكنْ راح ضحية المركب، المشهد الذى صوّر الغرق وانتظار الأهالى على الشاطئ لتسلم جثث ذويهم، وإن كان الفيلم تم إنتاجه فى عام 2010 إلا أن تلك المشاهد لا تختلف كثيرًا عن المركب الذى غرق فى رشيد مؤخرًا وراح ضحيته ما يزيد على الـ200 غريق، مشهد انتظار الأهالى ليلًا ونهارًا وعويل السيدات فى انتظار الجثث هو نفسه ما حدث فى رشيد كذلك، وإن كان هذا الشاب فى النهاية تنتهى قصته بالعيش لكن على كرسي متحرك، وذلك كان خلال فيلم «بنتين من مصر».
هكذا عبّرت السينما عن الأزمات، وعن هذا تقول الناقدة ماجدة خير الله إن هناك العديد من الأعمال السينمائية التى تناولت الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية فقدّمت العديد من الأعمال عقب نكسة 1967، وإن كانت فى الأصل روايات، مثل «الكرنك» و«ثرثرة فوق النيل» وغيرها من الأعمال.
أما بعد عام 2000 فأشارت ماجدة إلى أن السينما لم تصبح كما كانت كقِيمة، لكن هناك بعض الأفلام التى ظهرت مثل «مواطن ومخبر وحرامى» الذى تناول سيطرة الفكر المتخلف حِينها، وكذلك فيلم «هي فوضى»، ومؤخرًا «اشتباك»، وكان أيضًا فيلم «بنتين من مصر» الذى تناول الهجرة غير الشرعية، وهو أول فيلم تَحدَّث عن هذا الموضوع.
وعن القيمة الفنية لتلك النوعية من الأفلام أكدت أن لكل فيلم حالته الخاصة، فقد تكون القضية مهمة، إلا أن البناء الدرامى ضعيف وغير مقبول، مشيرة إلى أن العديد من الأحداث التى مرت كان من الممكن أن تقدم لها أفلام، والمبدعون فكّروا فى ذلك، لكن فى الكثير من الأحيان تكون الرقابة عقبة تحول دون حدوث ذلك.
الكاتبة غادة عبد العال، مؤلفة مسلسل «إمبراطورية مين؟» الذى تناول بعض الأحداث السياسية والاجتماعية عقب الثورة وفى عهد جماعة الإخوان المسلمين، لفتت إلى أن المسلسل فى البداية جاءت المبادرة لكتابته من جانب الشركة المنتِجة التى طلبت منها كتابة عمل عن الآثار الاجتماعية بعد الثورة، خاصة ما يتعلق بمن جاءوا من الخارج إلى مصر عقب الثورة وكانوا مترقبين أن يروا تغييرًا شاملًا.
وأضافت أنها حاولت أن تكون حيادية خلال أحداث العمل وشخصياته التى تنوعت باتجاهات مختلفة، فكان هناك الثوريّ والفلول وحزب الكنبة والاشتراكى واليمين، وكل شخصية كانت تتحدث من منطلق أفكارها ووجهات نظرها الخاصة.
المسلسل الذى أثار ضجة ورد فعل كبير من جانب بعض الشخصيات التى رأت أنه يشوِّه سُمعة مصر ولا يقدم الصورة الحقيقية له، تقول غادة عن ذلك: «كنا متوقعين رد الفعل ومقاومة بعض الناس؛ لأننا تحدثنا عن الأزمات بشكل صريح ومباشر أكثر من اللازم، وكنا فى انتظار حالة الجدل إلا أنها فاقت توقعاتنا، والمسلسل كان يضغط على الجرح، والعديد من الناس حِينها كانوا لا يريدون الاعتراف بما وصلنا إليه».
الأغانى.. من «الدرس انتهى» لـ«عيش سكر وطن»!
ولعل مِن أبرز الأغانى التى خرجت من رحم الأزمات، والتى كان لها وجودها الكبير، أغنية «الدرس انتهى لمُّوا الكراريس» وكانت فى عام 1970 حيث قصف العدوان الإسرائيلى فى إحدى غاراته مدرسة بحر البقر الابتدائية بالشرقية، وهى الضربة التى كانت وما زال لها صدى صعب على كل مَن يتذكرها ويتذكر استشهاد أكثر من 70 شخصًا، من بينهم 30 تلميذًا، الأمر الذى جعل الشاعر الراحل صلاح جاهين يؤرخ للأمر من خلال قصيدة كانت بمثابة رسالة موجَّهة للأمم المتحدة عن هذه الحادثة البشعة، ولحّن القصيدة سيد مكاوى، وغنَّتها الفنانة شادية.
الأغنية التى عاد ترديدها فى عام 2012 بعد حادث أتوبيس أطفال أسيوط، الذى راح ضحيته ما يزيد على 50 تلميذًا، وفى نفس العام كان الفنان محمد منير قد أصدر ألبوم «أهل العرب والطرب»، وبه كانت أغنية «افتحوا يا حمام كراريس الرسم» من كلمات نبيل خلف، وألحان أحمد منيب، والأغنيتان أصبح لهما ارتباط بتلك الحادثة للأطفال.
ومن الأغانى التى تضمنت العديد من حوادث الفساد فى عهد مبارك، وإنْ كانت مضمّنة لفيلم «دكان شحاتة»، هى أغنية «مش باقى منى»، والتى كتب كلماتها جمال بخيت، ولحّنها يحيى الموجى، وغنّاها أحمد سعد، والأغنية كانت معبرة حِينها عن الأوضاع الاجتماعية السيئة وحادثة قطار الصعيد، وأيضًا كانت أغنية «بالورقة والقلم» من فيلم «عسل إسود» من العلامات المهمة فى الأغانى التى خرجت من رحم معاناة المصريين فى بلادهم، وهى من كلمات الشاعرة نور عبد الله، ومن تأثيرها كان الفنان فتحى عبد الوهاب يهتف من مقاطعها فى ثورة 25 يناير.
كذلك كانت «ضحكة المساجين» من أشهر الأغانى التى قدّمها الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودى بعد الثورة، تحدَّث فيها عن المعتقلات بعد الثورة، وكيف أن السجّان لا يفهم لغة المعتقل السياسى، والذى يضحك رغم ما فيه، وقدَّم لها جزءًا ثانيًا تناول محاولات اختطاف الثورة من جانب الإخوان والسلفيين والمجلس العسكرى، وغنَّى القصيدتين الفنان على الحجار الذى قدَّم ألبومًا كاملًا فى عام 2012 بعنوان «ضحكة وطن» تضمَّن أغنيات تحدثت عن مينا دانيال ومَجزرة ماسبيرو وكذلك الشيخ عماد عفت شهيد مجلس الوزراء، وأيضًا أحمد حرارة وخالد سعيد، كما قدَّم أغنية «ست الناس» لست البنات التى سُحلت بمجلس الوزراء، وكل تلك الأعمال أرّخت لفترة ثورية وتميزت بقيمتها الفنية العالية فى ردٍّ جرىء وقتها على كلِّ مَن حاول تشويه الثورة والثوار، مما جعلها مجموعة خاصة من الأغانى التى قُدِّمت بشكل راقٍ ومحترم.
ورغم أنه خرجت الكثير من الأغانى عقب ثورة 25 يناير، لكن لا يستطيع أحد أن يشير إلى أغنية معينة بأنها تمثل الثورة؛ نظرًا لأنه حِينها كانت هناك موجة من الأغانى التى قُدِّمت لأجل التواجد فقط دون قيمة فنية عالية، كما أن الأكثر تأثيرًا دائمًا يكون لمشاعر الوجع الثورى وليس الفرح بما تمّ، وعقب الثورة انتشر فنانو وفِرق الأندر جراوند التى حقّقت نجاحًا كبيرًا عبر الثورة، ومِن بينهم دينا الوديدى التى قدّمت أول أغنية خاصة بها بعنوان «الحرام»، وانتقدت خلالها آراء الإخوان والسلفيين حول تحريمهم الغناء والحب، كما قدّمت أيضًا أغنية «كفاية غش» تنديدًا بما قام به المجلس العسكرى فى ذلك الوقت، والعديد من الأعمال الأخرى.
أما مشروع كورال فقدَّم هو الآخر مجموعة من الورش الفنية التى أخرجت فى النهاية مجموعة من الأعمال عن الثورة، أبرزها أغنية «إيه العبارة» عن مجزرة ماسبيرو، لكن مِن بين تلك الفِرق كان التفوق لفرقة «إسكندريلا» التى تواجدت بكامل قوتها داخل ميدان التحرير لتقدم أعمالها القديمة، وخلال الأحداث تولدت أغانٍ جديدة أو تغيرت بعض الأغانى المتشائمة إلى التفاؤل، ومع مرور السنين والأحداث عاد الوجع إلى أغانيهم مثل «بشويس» و«الدباديب والدببة» و«هنفضل ثورجية»، وغيرها الكثير.
وأشار الفنان حازم شاهين، مدير فرقة «إسكندريلا»، إلى أن الفرقة قدّمت عددًا من الأغانى التى خرجت من رحم الأحداث فى ثورة 25 يناير خلال الثمانية عشر يومًا، وما مرّ من أحداث بعدها حتى الآن، لتظهر فى صورة مختلفة عن الأعمال التى قدّموها من قبل.
وأكد شاهين أن مِن أبرز هذه الأعمال قصيدة «الحرية من الشهداء» التى كتب كلماتها الشاعر أمين حداد، وقام شاهين بتلحينها، وقاموا بغنائها للمرة الأولى فى اعتصام مجلس الوزراء أمام الجمهور، كذلك كانت معها أغنية أخرى فى نفس الحفل هى أغنية «الدباديبس، وهى أيضًا من كلمات أمين حداد، وألحان شاهين، والتى تناولت فكرة فض التظاهرات وتأييد بعض الناس لذلك فى طريقة ساخرة.
أما عن أيام الثورة نفسها فأوضح أنهم كانوا قد قدّموا أغنية «يُحكَى أن» قبل الثورة على طريقة الأزمة المستمرة، والتى حكت عن النظام الفاسد، وأثناء الثورة أضافوا لها مقطعًا أكثر تفاؤلًا ليتناسب مع أحداث الثمانية عشر يومًا المُبهِجة، وعلى نفس الطريقة المُبهجة قدّموا أغنية «صفحة جديدة» من قلب الأحداث، وهى من كلمات الشاعر أحمد حداد.
وذكر أن الأغانى التى قدّموها كانت تستهدف الأحداث، وفى نفس الوقت كانت بعض الأعمال تخرج تلقائية، مشيرًا إلى أن الأزمات الراهنة بمصر يجهِّزون لها فى أعمال مقبلة ستُقدَّم فى حفلات قريبة.
«الأيقونة».. إمام وفؤاد وزين
وعلى الرغم من أن هذا الثنائى قدَّم العديد من الأعمال القيِّمة والناجحة فإن إمام اختار أن يؤدى بعض الأعمال للشاعر زين العابدين فؤاد، وعن ذلك يقول فؤاد فى قصة كتابة قصيدة «اتجمعوا العشاق»: «القصيدة مكتوبة فى النصف الثانى من عام 1972، وفى تلك الفترة كنتُ أنا والشاعر أحمد فؤاد نجم فى السجن، وكان الشيخ إمام خارج السجن، وكان إمام قدَّم لى أغانى من قبل، إلا أن هذه هى المرة الأولى التى أكتب فيها قصيدة بهدف أن تُغنَّى، فقمتُ بكتابتها فى السجن، وحِينها كنتُ فى سجن القلعة فلم أستطع تهريبها فانتظرتُ حتى دخلتُ سجن الاستئناف، وهو سجن باب الخلق، وقمتُ بتهريبها وكانت بداية كلمات القصيدة.. اتجمعوا العشاق فى سجن القلعة.. اتجمعوا العشاق فى باب الخلق».
وأضاف فؤاد أنه كان من المهم أن يكون هناك شخص يقرأ القصيدة أكثر من مرة للشيخ إمام، حتى يحفظها ويغنِّيها، ومن قام بهذا الدور فى ذلك الوقت هو الشاعر محمود الشاذلى.
وحكى زين العابدين عن نصٍّ آخر وهو «الحرب لسة فى أول السكة»، وغنّاها أيضًا الشيخ إمام، وكتب فؤاد الأغنية أثناء حرب 6 أكتوبر، وكان حِينها مجنَّدًا فى الجيش المصرى، وكتب القصيدة فى 7 أكتوبر 1973، وحِينها كانت علاقته قوية بقائد الوحدة العسكرية فسمَح له فى ظروف صعبة أن يستخدم تليفون الوحدة ليُملِى القصيدة لصديق له فى جريدة الجمهورية، ونُشرت القصيدة بالجريدة فى 8 أكتوبر، وقرأها أحد أصدقائه على الشيخ إمام فلحّنها كما لحّنها أيضًا عدلى فخرى، لذلك فللأغنية أكثر من لحن.
وأضاف أن هذه القصيدة تسببت له فى أزمة، حيث كانت هناك أمسية شعرية فى 16 أكتوبر بمقر الاتحاد الاشتراكى الذى أصبح فيما بعد مقرًّا للحزب الوطنى، وحِينها سمَح له القائد أيضًا أن يذهب لحضور الأمسية، وذهب بسيارة عسكرية إلى الأمسية وعادت به، وحينما كان يقرأ القصيدة ووصل إلى المقطع الذى يقول فيه: «اتفجرى يا مصر.. اتفجرى بالحرب ينطلق النهار.. اتفجرى بالحرب ضد الجوع
وضد القهر ..ضد التتار!» وجد سيدة تصرخ «مفيش جوع فى مصر»، وهى السيدة جيهان السادات، لكن الجمهور أصرَّ على إعادة القصيدة مرة أخرى وقرأها 15 مرة، وفى نفس اليوم صدَر قرارٌ بمنعه من النشر، وكانت هذه آخر قصيدة نُشرت له حتى 1990.
وقدَّم فؤاد العديد من الأعمال بعد الثورة، مشيرًا إلى أنه قدَّم قصيدة «جرح البدن» عن مُصابى الثورة، وذلك بعد أن تحدثت معه أو أمامه كثيرًا راندا سامى، إحدى مصابات الثورة والتى استنكرت وجود قصائد للشهداء وعدم وجود قصائد للمصابين.
واقعية أدب المأساة
أدبُ الأزمات نجده فى الوطن العربى، ومصر بشكل كبير، عبر الشعر والرواية منذ عهود الاحتلال، مرورًا بالأنظمة السياسية المختلفة، وهذا ما يحلله الناقد الدكتور صلاح السروى الذى التقته «المال» للحديث عن تلك الحالات وأبرزها.
أكد السروى أن العالم العربى منذ مائة عام وهو يكتب على طريقة أدب أزمة، وذلك منذ بزوغ النهضة الحضارية فى نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وحتى الآن، فمع الاحتلال الانجليزى جاء معظم الشعر الذى قِيل تحت وطأة تأزُّم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وفكرة الاحتلال والاستبداد الملكى إذ كانت تمثل موضوعات مهمة وكبيرة، وبدايتها كانت مع الشعراء محمود سامى البارودى وحافظ إبراهيم وأحمد شوقى وأحمد محرم وغيرهم، حتى أهم قصائد حافظ إبراهيم وهى «مصر تتحدث عن نفسها» كانت قصيدة شكوى وأنين ومحاولة استرجاع عوامل النهوض، وإنْ بدا مطلعها وهو «وقف الخلق ينظرون جميعًا كيف أبنى قواعد المجد وحدى» بشكل تفاخرى، لكنها فى الحقيقة فيها نوع من أنواع اللوم والتشكِّى من هيمنة الاستعمار، كذلك الأمر فى قصائد شوقى فى رثاء مصطفى كامل وخلال منفاه، فمنذ بدايات النهضة الحديثة للشعر صنع ذلك كله تحت وطأة الأزمة والمعاناة الاجتماعية العامة، لكن هناك معاناة شخصية قُدِّمت فى أعمال حافظ إبراهيم وعبد الحميد الديب وبيرم التونسى والتى كان فيها الكثير من التأذى من الأوضاع الاجتماعية الخاصة.
أما فى مجال الرواية فيشير السروى إلى أن أهم هذه الروايات فى تلك المرحلة رواية «عودة الروح» لتوفيق الحكيم، وكُتبت فى خلفيتها ثورة 1919 فهى رواية أزمة بلا شك، وفى فترة الخمسينيات والستينيات كان الرأى الاجتماعى والسياسى هو العنصر الأكثر تحريكًا، ليكتب الشاعر أمل دنقل تحت وطأة عنصرين هما خيبة الرجاء فى النظام السياسى القائم، خاصة موقفه لم يكن على مستوى الشاعر فى موقفه مع القضية الفلسطينة، والاستبداد وذلك ظهر فى أعماله مثل قصيدة «لا تُصالحْ» وغيرها، وأيضًا قصائده للمناضلين الفلسطينيين فكانت فلسطين والاستبداد هما العنصرين المحركين له.
كما كان من معاصرى دنقل الشاعر صلاح عبد الصبور الذى اشتهر بقصائده الحزينة ولم تكن مرتبطة بالسياسة أو الحالات الشخصية، وإنما كان الحزن مرتبطًا بما يتعلق بالوضع الإنسانى والوجودية. ومن بين هذه الأعمال «يا صحبتى إنى حزين»، كذلك كان الأمر مع الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى صاحب الفكر الناصرى الذى كتب قصائد لناصر ثم حدثت نكسة 1967 لتتحدث أعماله بعد ذلك عن خيبة الأمل لتعبر عن الأزمة فى ذلك الوقت.
ولفت السروى إلى أنه فى فترة السبعينيات كان الشعر هو شعر أزمة بامتياز، فكان احتجاجًا على الواقع، ولعل مِن الشعراء الذين كانوا فى تلك الحالة رفعت سلام وحلمى سالم وفريد أبو سعدة، وبدرجة أقل كان حسن طلب، إلا أن أشهر أشعار طلب على غرابة عنوانها ومحتواها وهى «الخاز باز» تمثل لوعة كُتبت عن انطباعات مثقف مصرى سافر للخليج، وكيف أن هذا المثقف الملىء بالحضارة يُجابَه بنوع من التعامل غير اللائق فكانت بمثابة هجاء للوضع العربى ورثاء للذات وللمغتربين المصريين.
على نفس شاكلة طلب، جاء من بين الأعمال الروائية رواية «البلد الأخرى» لإبراهيم عبد المجيد التى تعتبر توصيفًا اجتماعيًّا وإنسانيًّا للمصرى الذى ذهب للخليح وما يعانيه من انتهاكات وما دفعه للرحيل وما يدفعه مرة أخرى للعودة لمصر، وعبد المجيد ليس وحده الذى كتب فى ذلك، فهناك الروائى محمد عبد الله الهادى الذى كتب رواية «الجزيرة»، وكذلك فتحى إمبابى وغيرهم.
وأكد السروى أن تلك الفترة أيضًا شهدت أعمالًا وقائعية للتحولات الاجتماعية، مثل أعمال صُنْع الله إبراهيم وهى «اللجنة» و«ذات» الذى تَحوَّل لمسلسل مؤخرًا، وأيضًا كان يوسف القعيد وسلوى بكر على نفس الشاكلة.
«واقعية القاع» هذا هو المصطلح الذى سار فيه الأدب فى الألفية الثالثة وفترة الثورة كما قال السروى الذى أكد أن الأعمال الإبداعية التى كُتبت عن أزمة سكان العشوائيات لكُتاب مثل محمد الفخرانى وصفاء عبد المنعم ويوسف القعيد الذى له رواية «شكاوى المصرى الفصيح»، وخيرى شلبى صاحب أعمال مثل «سارق الفرح» وغيرها، كانت عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية فى مصر، والذى يتجاور مع الغِنى الفاحش، فأعمال خيرى شلبى فى الحقيقة تقع فى واقعية القاع، وأيضًا رواية «حلاوة روح» لصفاء عبد المنعم التى تدور فى منطقة عشوائية، وطرح فى هذا الإطار عددٌ مهم من الأعمال الروائية التى دخلت نطاق واقع الأزمة.
ومِن الأعمال التى يرى أنها خرجت من واقع الأزمة بطريقة رائعة، رواية «أبناء الخطأ الرومانسى» لياسر شعبان، التى تتحدث بشكل مجازىّ عن فكرة القتل المجانى الذى يحدث دون أسباب واضحة.