■ خبراء: الشركات غير المتخصصة السبب
■ رئيس القطاع: ليس لدينا تمويل.. والترميم يتم ذاتياً
■ أمين الأثريين العرب: غياب المساءلة يكرر الأخطاء.. والحل إجراء تحقيقات واسعة
علاء مدبولى ـ آية رمزى:
«ليلى وإسلام»، «محمد- قلب وسهم- سماح» لم يكن يعرف بالطبع كبار ملوك مصر القديمة الذين نقشوا تاريخهم على جدران معبد الكرنك أنه سيأتى يومًا يشاركه أحد الشباب فى ألفيات القرن الحادى والعشرين فى نشر قصة حبه على جدران المعبد الذى خصص لعبادة أهم الآلهة بمصر العليا منذ آلاف السنين «آمون»، رمز الشمس.
وجهت الاتهامات من قبل عدد من الأثريين نحو وزارة الآثار بسبب ما وصل إليه حال المعابد فى الوقت الحالى، بدءًا من غياب الرقابة التى سمحت بالسلوكيات الخاطئة من الكتابة على جدرانها وصولًا إلى الترميم الخاطئ.
ويرى الأثريون وخبراء الترميم، أن إسناد الترميمات لعمال غير متخصصين، وتهاون الوزارة فى استخدام مواد ضارة بعمر الآثار التى صمدت لآلاف السنوات، هو السبب فى إخراج ترميم عدد من جدران وحوائط وأعمدة معبد الكرنك بالتحديد بمادة تشبه الأسمنت، واستمر الإهمال ليسمح للزائرين بالكتابة على الجدران.
من جانبهم، رفض مسئولى وزارة الآثار تلك الاتهامات برمتها مفسرين استخدام مواد ممنوعة فى ترميم الآثار بأنها وقائع حدثت منذ سنوات قبل تحريم تلك المواد، وذلك بالرغم من تعدد حالات الترميم الخاطئ التى وقعت على مدار السنوات القليلة الماضية بدءًا بهرم سقارة مرورًا بتحطيم تمثال سيتى الأول والتى اعترفت الوزارة بأنه «خطأ أعمى»، وترميم ذقن قناع الملك توت عنخ آمون الذهبى.
لم يجد الدكتور محمد عبدالهادى، أستاذ ترميم بكلية الآثار جامعة القاهرة وصفًا أدق للأخطاء التى يرتكبها المرممون فى المعابد والآثار المصرية القديمة سوى أنها « كارثة»، قائلًا إنها سلسلة لأخطاء لا حصر لها حدثت من قبل فى معبد دندرة والذى تم ترميمه بمواد كيميائية ضارة بالآثار الملونة، فضلًا عما حدث بقناع الملك توت عنخ آمون، والذى استخدم به المرممين مادة لاصقة ممنوع استخدامها من الأساس.
وأضاف لم يقتصر الترميم الخاطئ وفقًا لحديث عبدالهادى على الآثار الفرعونية وكفى، بل إنه طال عدد كبير من الآثار الإسلامية التى تقع فى القاهرة، كنتيجة طبيعية لاستمرار غياب الرقابة والإشراف من الخبراء المتخصصين على عمليات الترميم.
واقترح تشكيل مجلس أعلى لترميم الآثار يجمع الخبراء المتخصصين فى الترميم بجميع القطاعات سواء جيولوجيًا أو أثريًا، لدراسة أى قرار ترميمى من جميع الجوانب الفنية جيدًا قبل الشروع فى تنفيذه، ووضع سياسة موحدة وآلية معروفة وخطوات محسوبة لذلك.
وقال ترميم المعابد سيشوبه أخطاء طالما يصدر منفردًا من جهة واحدة، غير مهتمة بآراء خبراء مختلفين معنيين بترميم الآثار قد يكون لهم آراء أخرى من جهات تخصصهم.
ويرى محمد الكحلاوى، أمين عام اتحاد الأثريين العرب وأستاذ الآثار الإسلامية، أن الأخطاء المرتكبة فى الآثار لابد ألا تمر مرور الكرام كما يحدث حاليًا، وفتح تحقيقات واسعة للعثور على المسئول عن عمليات الترميم الخاطئ ومحاسبته، لما تحدثه غياب المسائلة من تكرار للأخطاء - من وجهة نظره.
وأشار إلى أن الوزارة هى المسئول الأول عن حوادث الترميم الخاطئ، نظرًا لما تعهد إليه من شركات غير متخصصة تقوم بتوكيل مقاولين من الباطن يقوموا بدورهم بتنفيذ الترميمات بشكل خاطئ لعدم امتلاكهم الخبرة الكافية.
واتفق معه عبدالحليم نور الدين، خبير الآثار ورئيس هيئة الآثار الأسبق فى أن اعتماد الوزارة على شركات مقاولات غير متخصصة لترميم الآثار أدى لتدميرها، مؤكدًا أن ما حدث فى معابد الأقصر وأسوان تكرر من قبل فى كثير من الأماكن الأثرية الإسلامية والقبطية ومن ضمنها سور مجرى العيون.
ووصف إدارة عمليات الترميم فى وزارة الآثار بأنها تتم «فى غاية الاستهتار»، إذ أنه يدمر الأثر فى بعض الأحيان إلى غير رجعة لحالته الأصلية.
وقال إن الأزمة الحقيقية فى عدم وجود ضمير وخوف حقيقى على آثار البلاد التى تعد تاريخ عريق يعتز به المصريون، مضيفًا«لابد من البداية العمل على ترميم الضمير حتى نحافظ على ماضينا وحاضرنا».
وحول ما أعلنته الوزارة عن عدم وجود الدعم الكافى لتوفير إمكانيات الترميم الأفضل، نفى نور الدين واقعيته، قائلًا «إيرادات الوزارة بلغت مليار و200 مليون جنيه قبل إندلاع ثورة 25 يناير وكانت قادرة على الحفاظ بشكل كافى على الآثار من خلالهم ولكن الأزمة تكمن فى اختيار أشخاص وجهات غير كفء للترميم أو التعامل مع الأثر الذى يعد حساسًا بشكل كبير».
وكأقرب الشاهدين على الوقائع وتأثيرها على الآثار، أكد حسن النحلة، نقيب المرشدين السياحيين، أن عمليات الترميم كانت ولا تزال فى غاية السوء رغم وجود خبرات كبيرة لدى قطاع الترميم فى وزارة الآثار، إلا أنه يرى أن الاعتماد على شركات من الخارج غير متخصصة فى الترميم تسبب فى تشوه كبير للآثار فى كافة القطاعات الإسلامية والقبطية القديمة.
وقال «نظرًا لتعاملنا المستمر مع الآثار فنحن نشهد على حالات من التعدى والتشويه لعدد كبير من القطع والأماكن النادرة مما يصعب إعادتها إلى حالتها السابقة».
ويأمل النقيب أن يتم استغلال سهولة وصول المعلومة الذى وفرته وسائل التواصل الاجتماعى والسوشيال ميديا، فى لعب دور فعال لفتح تحقيقات واسعة بشأن الترميمات المسكوت عنها.
وردًا على الانتقادات التى شوهدت على أرض الواقع وتحدث عنها الخبراء نفى غريب سنبل، رئيس الإدارة المركزية للترميم فى وزارة الآثار، وخبير الترميم كل الاتهامات الموجهة للوزارة بإفسادها قيمة الآثار المصرية القديمة، عبر استخدام أدوات ترميم ضارة مثل الأسمنت، مشيرًا إلى عدم استخدام جهات الترميم لمادة الأسنمت فى ترميم المعابد منذ ما يقرب من 30 أو 40 عامًا، والحالات التى يتم استخدامها محدودة ولا تتم بعلم الوازرة.
وتابع أن الأجزاء التى تم ترميمها بمعبد الكرنك بالأسمنت تمت فى أوقات سابقة فى خمسينات القرن الماضى، حينها لم يكن الأسمنت مادة محظورة للاستخدام فى الترميم، إلى أن تم منعه بعد ذلك، مضيفًا «علم الآثار علم وليد فى العالم وما كان مسموح باستخدامه قبل سنوات أصبح محظورًا الآن».
وردًا على ما يتردد حول توكيل الوزارة لشركات غير متخصصة لترميم الآثار قال سنبل كان ذلك يحدث فى عهد ما قبل ثورة 25 يناير، مؤكدًا أن الوزارة لم يعد لديها التمويل الكافى من الأساس للاستعانة بعناصر أجنبية أو شركات خارجية فى الترميم وأن جميع عمليات الترميم الحالية تتم بشكل ذاتى من خلال أخصائى الترميم بالوزارة.
وأضاف كل قطاعات الدولة تعانى من تراجع الميزانية الخاصة بها، خاصة قطاع الآثار، نظرًا لارتباطه بالنشاط السياحى الذى انخفض منذ ثورة يناير انخفاضًا لم يتعافى منه بعد، وذلك جعل الوزارة تعمل بحرص وفقًا لما يتم توفيره من تمويل فى ترميم عدد من الآثار.
وعن برنامج الوزارة الحالى فى الترميم، أوضح غريب، أن أعمال الترميم فى معابد الكرنك والأقصر وعدد آخر من الآثار المصرية المختلفة مستمرة، وينقسم الترميم إلى شقين، أولهم إزالة الترميمات الأسمنتية الخاطئة التى حدثت فى عهود سابقة، وثانيها الترميم الجديد للآثار التى تحتاج لذلك، لافتًا إلى أن الوزارة تعانى دائمًا من مواجهة عوامل التعرية التى تطول الآثار المكشوفة، مثل معابد الأقصر، والذى يحتاج معها الأثر لعمليات ترميم مستمرة ودائمة.
وردًا على ما رصدته كاميرا المال فى معبد الكرنك من كتابات على حوائط المعبد المرممة وكيفية مواجهة تلك السلوكيات، قال سنبل إن حوائط المعابد تواجه كتابات خطية ورسومات من بعض الزائرين متكررة، حتى إن أخصائيى الترميم ما يلبثوا أن يرمموها حتى يتم الكتابة عليها مرة أخرى، مما يحصرها فى إطار انخفاض الوعى المجتمعى بتلك الآثار.
وأضاف يعمل قطاع الترميم على تنفيذ بروتوكولات لتوسيع عملية التدريب للأخصائيين التابعين لهم وذلك عبر تنفيذ برامج تدريبية مشتركة، وعقدت الوزارة مع مركز البحوث الأمريكى بروتوكولًا لتدريب 40 أخصائيًا على مدار 3 سنوات، على أحدث أساليب الترميم المتبعة فى العالم.
ووفقًا لسنبل، فإن الوزارة تسعى لتنفيذ برنامج تدريبى يستهدف تدريب 50 خريجًا من جميع جامعات مصر المعنيين بترميم الآثار، بمحافظة قنا، فضلًا عن سعيها لافتتاح مركز علمى لترميم الآثار فى فاقوس بمحافظة الشرقية ليكون أحد منارات تدريب أخصائيى الترميم فى الوجه البحرى.
