■ خبراء: «الأصفر» سلاح الأفراد للتحوط من ارتفاع مخاطر العملة والتضخم
■ عصام خليفة: الفرصة مواتية لشرائه قبل نشاط المضاربة عليه
■ هانى توفيق: ضوابط «المركزى» تعوق إطلاق صناديق استثمار بالمعدن النفيس
■ علياء جمعة: نبحث هيكلًا تنظيميًا لصندوق يسمح بالتأسيس دون تحويل الأموال للخارج
أمانى زاهر – نيرمين عباس:
يبدو أن المعدن الأصفر فى طريقه لاستعادة بريقه هذا العام فى ظل ندرة «العملة الخضراء» بالسوق المحلية وخمود الجنيه المصرى، ليعيد للأذهان مرة أخرى التوجه التقليدى للاستثمار الذى اعتادته الأمهات المصرية على مر العصور الماضية.
ويتزايد بحث المواطنين هذه الأيام عن سبل لتحويل ما تبقى لديهم من مدخرات لأى أوعية استثمارية، قبل أن تتبخر قيمتها مع الخفض المحتمل للجنيه، والزيادة المطردة بمعدلات التضخم، ليأتى بزوغ نجم «المعدن الأصفر» من جديد، والذى يلجأ له البعض كملاذ آمن للتحوط قبل موجات هبوط العملة.
يُذكر أن مصر تعانى أزمة نتيجة نقص العملة الأجنبية خلال الفترة الراهنة الأمر الذى قفز بأسعار العملة الخضراء لمستويات غير مسبوقة ليقترب من 10 جنيهات بالسوق الموازية بالتزامن مع ثباته بالرسمية عند 7.83 جنيه، ووسط مطالب من اقتصاديين بخفض قيمته لتشجيع الاستثمار، وسد الفجوة بين السعرين الرسمى والموازى.
وارتفع سعر الذهب صوب أعلى مستوى له فى 13 شهرا أمس الأول الثلاثاء مدعوماً بضعف الدولار وهبوط الأسهم الأوروبية بعد صدور بيانات تجارية صينية أججت المخاوف بشأن حالة الطلب العالمى، فضلاً عن ظهور مؤشرات لإرجاء الولايات المتحدة الأمريكية خطوة رفع الفائدة على الدولار، الأمر الذى يعزز من مواصلة الارتفاع هذا العام.
وووفقا لوكالة «رويترز» ارتفع الذهب فى المعاملات الفورية إلى 1274.10 دولار للأوقية مقترباً من أعلى مستوى له منذ الثالث من فبراير 2015 الذى سجله عند 1279.60 دولار للأوقية ، كما صعد المعدن الأصفر فى العقود الامريكية الآجلة تسليم أبريل 0.9 % إلى 1275.70 دولار للأوقية.
استطلعت « المال « آراء عدد من مديرى الأصول والخبراء الاقتصاديين حول مستقبل الطلب على الذهب وتوقعات إقبال الأفراد عليه الفترة المقبلة، بالإضافة إلى التعرف على أسباب غياب صناديق الاستثمار بالمعادن النفيسة داخل السوق المحلية.
وأوضح الخبراء أن الطلب على المعدن النفيس يتزايد بالدول النامية والأسواق الناشئة التى تراجعت قيمة عملاتها المحلية أمام الدولار بشكل ملحوظ ، مشيرين إلى أن مصر من الدول المرشحة لتراجع عملاتها الأمر الذى يرجح ارتفاع الطلب على الذهب من قبل الأفراد لاسيما التى ليس فى متناول يدها شراء العقارات المرتفعة الثمن بالسوق المحلية.
وقد اتخذت أسعار المعدن الأصفر مساراً صاعداً محليا لترتفع بمتوسط أسعار الصاغة بنسب تتراوح بين 24.9 و %25 دفعة واحدة ليصعد الجنيه الذهب من 2046 جنيها مطلع يناير الماضى ، ليصل إلى 2556 جنيها أمس الأول الثلاثاء وبزيادة تتعدى 500 جنيه.
ومن المعروف أن هناك علاقة عكسية بين أسعار الذهب والدولار إلا أن تراجع قيمة العملة المحلية أمام نظيرتها الأمريكية تدفع «المعدن النفيس « للارتفاع محلياً.
وقال هانى توفيق، خبير سوق المال والاستثمار المباشر، إن قيمة الدولار ترتفع أمام الجنيه وتزداد معها أسعار الذهب لأنه مقوم بالعملة الخضراء، مضيفاً فى الوقت نفسه أنه انخفض عالمياً منذ فترة لمستويات 1250 دولارا للأوقية مقارنة بـ 1900 فى السابق، ومن ثم فقد هبط سعره لكن ما أنقذه هو صعود الدولار أمام الجنيه.
وأكد «توفيق» أن الذهب يعتبر ملاذا استثماريا اَمنا، وكذلك الفضة أيضاً، وذلك على مدار سنة مقبلة وحتى يقدم الفيدرالى الأمريكى مرة أخرى على رفع الفائدة على الدولار.
ويشار إلى أن الفيدرالى الأمريكى قرر ديسمبر الماضى رفع الفائدة على الدولار بواقع ربع نقطة مئوية، ليصبح بين %0.25 و%0.5، بعد أن كانت فى نطاق صفر-%0.25. لمدة قاربت العشر سنوات، وسط توقعات بموجات رفع أخرى العام الحالى.
وأضاف «توفيق» أن إطلاق صناديق استثمار فى الذهب يواجه عوائق تتعلق بقيود تحويل الدولار التى يضعها البنك المركزى منذ ثورة يناير 2011، متابعاً أنه عكف على إنشاء أحدها منذ فترة، وكان قد انتهى بالفعل من وضع الهيكل والاتفاق على التجهيزات اللازمة مع البورصة وغيرها من الجهات المختصة، غير أن ضوابط «المركزى» أوقفت الخطط.
وشرح توفيق فكرة «صناديق الذهب» بطريقة مبسطة، وقال إنه إذا رغبت جهة ما فى إطلاق صندوق برأسمال 50 مليون دولار، فينبغى فى تلك الحالة أن يتم الاتفاق مع بنك أجنبى ليتم تحويل النقود إليه، ومن ثم يتولى هو مسئولية شراء الذهب، وتكون مهمة مدير الصندوق بمصر إصدار الوثائق واستردادها، وإيداعها بشركة مصر للمقاصة، وهو أمر يتطلب وجود تواصل دائم مع البنك لتحويل قيمة أى وثيقة جديدة أو تقليل قيمة الذهب حال وجود استردادات.
وأوضح أن تلك العملية تتطلب تحويل دولار خارج مصر، وكما يعلم الجميع فقد وضعت مصر ضوابط مشددة على تحويل العملة الأجنبية للخارج منذ 5 سنوات، كما تعانى السوق حالياً من شح شديد بالدولار.
يشار إلى أن البنك المركزى المصرى فرض حدا أقصى على تحويلات المصريين بالخارج تبلغ 100 ألف دولار سنوياً.
وأوضح « توفيق « أن وثائق ذلك الصندوق كان من المفترض أن يتم تداولها بالبورصة، ويكون لكل حامل وثيقة وحدات معينة حسب قيمة استثماراته، ويكون السعر مُحدداً على شاشة التداول حسب العرض والطلب والأسعار العالمية.
ولفت خبير سوق المال والاستثمار المباشر، إلى أن صناديق الذهب لا تعتبر باباً خلفياً لتهريب الدولار، لأن عمليات البيع والشراء تتم محلياً، وقال إنه لا يمكن تفعيلها فى الوقت الراهن مع وجود سعرين له بالسوق الرسمية والموازية، وفى ظل وجود قيود على حركة دخول وخروج رؤوس الأموال.
واعتبر أن العقار من الملاذات الاستثمارية الآمنة إلى حد ما حاليا، لكن ليس كل العقارات وإنما وحدات منتقاة لأن هناك توقعات بتباطؤ القطاع خلال العام الحالى.
وقالت علياء جمعة، مدير الاستثمار بشركة بلتون لصناديق المؤشرات، إن شركتها تسعى لتنفيذ أفكار جديدة لصناديق المؤشرات بينها «سلع» مثل الذهب والفضة، فضلاً عن الأسهم والعملات وأدوات الدخل الثابت.
وأوضحت أن الذهب من أكثر المنتجات جاذبية، فوجود صندوق مؤشرات له سيفتح الباب أمام المؤسسات والشركات والأفراد للاستثمار فى ذلك المعدن النفيس بطريقة سهلة وسعر جيد.
وأشارت إلى أن تلك الآلية متاحة بأسواق كثيرة خارجيًا، بينما على الصعيد المحلى يواجه المستثمرون صعوبات بالاستثمار بالذهب، وتكون المؤسسات الكبرى أكثر قدرة على الاستفادة من ارتفاع أسعاره.
ولم تنف جمعة وجود عقبات تتمثل فى صعوبة تحويل العملة الخضراء للخارج، لكنها قالت إن الشركة تبحث عن هيكل تنظيمى يسمح بالتأسيس دون أن يكون هناك خروج للأموال، لكن لم يتم الاستقرار على أمر معين بعد، موضحة أنه لم يستقر على حجم الصندوق المرتقب بعد، أو شكله، إذ إن الأمر لا يزال فى طور الدراسة المبدئية.
وأطلقت بلتون المالية أول صندوق مؤشرات بالسوق المحلية على المؤشر الرئيسى للبورصة egx30 خلال يناير 2014، ويقترب رأسماله حالياً من 20 مليون جنيه، وتسعى لقيد وثائقه ببورصة ناسداك دبى لجذب شريحة جديدة من المستثمرين.
وتعرف صناديق المؤشرات (ETFs) بأنها استثمارية مفتوحة تتبع حركة مؤشر معين ولكن يتم قيد وتداول الوثائق المكونة لها فى سوق الأوراق المالية مثل الأسهم والسندات.
وتتميز صناديق المؤشرات بما تمنحه للمستثمرين من فرص تغطية أسواق كاملة فى دول أو قطاعات مختلفة وذلك بتكلفة أقل من وسائل الاستثمار الأخرى.
ورجحت أن تلقى وثائق صناديق الذهب رواجاً فى السوق المحلية، فى ظل وجود ثقافة شرائه لدى المصريين، مستشهدة بتجربة الهند فى ذلك الصدد، حيث يقبلون على الذهب للزينة أو التخزين.
يشار إلى أن الهند أحد أهم الأسواق الناشئة وارتفع الإقبال على اقتناء الذهب من المستهلكين بها ليبلغ 654.3 طن بنهاية 2015 فيما ارتفع طلب المستهلك ليسجل أعلى معدلات عالمية تبلغ 848.9 طن.
من جهته قال عصام خليفة، العضو المنتدب لشركة الأهلى لإدارة الأصول، إن تراجع القوة الشرائية للجنيه بالتزامن مع ندرة النقد الأجنبى محليا يدفع الأفراد للبحث عن أدوات للتحوط من تراجع قيمة العملة لتتمثل فى الاستثمار بالعقارات أو شراء الذهب كمخزن للقيمة.
وأضاف أن أسعار العقارات المرتفعة والتى تتطلب مبالغ مالية ضخمة تدفع غالبية الأفراد لشراء المعدن الأصفر ، معتبره فرصة جيدة فى الشراء خلال الوقت الحالى لاسيما أن معظم التوقعات ترجح زيادة أسعاره تدريجيا الفترة المقبلة، وأوصى الأفراد بشرائه قبل اشتعال المضاربات عليه خاصة أن مصر شأن الدول النامية والناشئة المعرضة عملتها للهبوط خلال الأجل القصير.
ولفت إلى أن معظم البلاد التى تراجعت عملتها العام الماضى كتركيا وروسيا ارتفع الطلب على الذهب فيهما للتحوط من انخفاض العملات، قائلاً: إن معظم الأفراد بدأت تلهث وراء الدولار دون أن تجد ما يدفعها للتوجه للذهب طالما لم تتوافر لديها القدرة على الاستثمار العقارى.
وأكد أن ضعف فرص الاستثمار بالعملة المحلية يعيد للأذهان مرة أخرى اللجوء للذهب كملاذ آمن للمدخرات والتحوط من مخاطر ارتفاع الأسعار المتوقعة وتراجع القوة الشرائية للجنيه.
ومن جهته قال أيمن أبوهند، رئيس قطاع الاستثمار المباشر بكارتل كابيتال، إن السياق التاريخى يفرض عادة تزايد الطلب على اقتناء المعدن الأصفر مع أى تراجع فى قيمة العملة وذلك للجوء الأفراد إليه كملاذ.
وحذر من اقتناء الذهب بحثاً عن مكاسب خلال الأجل القصير، مشيراً إلى صعوبة بيعه لدى التجار عند ارتفاع أسعاره ، ناصحاً الراغبين بشرائه بالاحتفاظ به على مدى طويل يزيد عن العام حتى يمكن تحقيق عوائد تراكمية وجيدة.
وأوضح أن ارتفاع الذهب خلال الفترة الراهنة يعبر عن حركة تصحيحية بعد تزايد التوقعات بعدم قيام الفيدرالى الأمريكى برفع الفائدة هذا العام مرة أخرى، مستكملاً أن العلاقة العكسية بين الذهب والدولار تتحكم بشكل كبير فى أسعاره لكن تراجع العملات الأجنبية الأخرى أمام الدولار يرفع من الذهب بتلك الدول.
واستطرد أن العلاقة بين ارتفاع الذهب بالجنيه تعكس تراجع قيمة العملة المحلية أمام الدولار، وبالتالى يزيد الطلب على اقتناء « الأصفر» مع أى انخفاض فى الجنيه.
وعن عدم توافر صناديق استثمار متخصصة فى المعادن محليا، قال «أبو هند» إن مصر حديثة العهد فى صناديق المؤشرات التى تم إطلاق قواعدها العام الماضى، كما أن تدشين صناديق متخصصة للاستثمار بالمعادن النفيسة عموما يتطلب الاعتماد على آليات خاصة بالمشتقات والعقود الآجلة وهى أدوات غائبة وبعيدة عن السوق المحلية.
وتابع أن تلك الصناديق مرتبطة إلى حد كبير بتوفير الدولار لإبرام العقود الآجلة بالسوق العالمية، مستبعداً أن يوافق «المركزى» على تدشينها فى ظل أزمة نقص العملة الصعبة التى تعانى منها مصر.
وأكد أن مديرى الأصول بالفعل بالخارج نشيطون بالاستثمار فى المعادن النفيسة عموما لاسيما الذهب ، الأمر الذى رفع من الطلب العالمى عليه وانعكس ذلك على زيادة أسعاره لأعلى مستوياته فى 13 شهراً.
من جهة أخرى، اختلف خالد أبوهيف، العضو المنتدب لشركة الملتقى العربى للاستثمارات، فى اتجاه الأفراد نحو شراء الذهب خلال الفترة الراهنة، مفضلا الاتجاه للأسهم التى تسجل نصف قيمتها حالياً.
كما أشار إلى أن المخزن الحقيقى للقيمة والملاذ الآمن هى الأرض والعقارات، فيما ينطوى الاستثمار بالذهب على مخاطر أيضا مع أى تغير فى قيمة العملة، كما لفت إلى أن المكاسب الحقيقية تتحقق من شراء السبائك الذهبية التى لا تشمل مصاريف «المصنعية» التى يخسرها المشترى عند بيع المصوغات.
واستبعد إمكانية تدشين صناديق استثمار متخصصة بالذهب فى ظل عدم توافر بورصة للسلع والعقود داخل مصر، كما أن ارتباطها بالدولار الأمريكى يعرقل تدشينها فى ظل أزمة نقص العملة بالسوق المحلية.

