أعد الملف: على راشد
«القوة الناعمة» مصطلح طالما تم ذكره على مدى سنوات طويلة فى مصر، وكان الجميع يتباهى بامتلاك مصر تلك القوة المتمثلة فى فنونها وثقافتها على مدى سنوات طويلة، وكانت مصر هى قبلة الوطن العربى كله للفنون والثقافة، بينما تلاشت هذه القوة بمرور الزمن، ولعل ذلك بسبب الاعتماد على التراث الثقافى والفنى القديم، وعدم وجود محاولات جادة للتطوير، كما أن الدولة والجهة المختصة بهذه القوة والمتمثلة فى وزارة الثقافة المصرية لم تقدم شيئًا على مدار ما يقرب من ثلاثين عامًّا وهى فترة وزارة فاروق حسنى ومجموعته التى كانت مراعاتها للمصالح الشخصية أكثر اهتمامًا، بينما كانت الثقافة على الهامش من خلال بعض المهرجانات والكرنفالات الاحتفالية الإعلامية التى لا تقدم شيئًا حقيقيًّا.
وخلال هذا الملف نرصد المراحل التى مرت بها أهم محاور القوة الناعمة فى مصر والمتمثلة فى السينما والدراما والموسيقى والكتابة الإبداعية، ومقارنة مراحلها فى البداية وما وصلت إليه مؤخرًا مقارنة بالدول العربية.
قبيل إتمامها القرن الأول.. السينما فى أدنى مستوياتها
سنوات قليلة وتتم السينما المصرية قرنها الأول على قيد الحياة، إذ تم إنتاج أول فيلم مصرى فى عام 1927، هذا القرن الذى كانت بداياته ساخنة إلى حد كبير مرت السينما المصرية خلالها بمراحل متعددة من التفوق والتطور إلى أن وصلت إلى حالة من الخمول المفاجئ على مستوى عدد الأفلام التى يتم إنتاجها سنويًّا، وكذلك على مستوى القيمة الفنية التى تقدم من خلال تلك الأعمال السينمائية.
وما زالت أفلام الأبيض والأسود هى العلامة البيضاء المهمة فى تاريخ السينما المصرية، والتى كانت تستحق بجدارة أن تكون قوة مصر الناعمة التى تنير العقول وتبعث بالعديد من الرسائل المهمة على جميع المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية، كما كانت إيرادات السينما بمراحل البداية تتفوق كثيرًا عن الإيرادات فى الوقت الراهن بالمقارنة بتكلفة العمل السينمائى، وعلى مدار تلك المراحل كان عدد الأفلام التى يتم إنتاجها سنويا يتراوح بين 40 و 60 فيلما سنويا، إلى أن تراجع هذا العدد فى مطلع الألفية الثالثة إلى حد ما وخلال الخمس سنوات الأخيرة أصبح عدد الأفلام يعد على أصابع اليد، وخلال مهرجان القاهرة السينمائى الدولى فى دورته الأخيرة لم يتقدم سوى فيلمين مصريين فقط وهما "الليلة الكبيرة" و"من ضهر راجل" من إنتاج أحمد السبكى الذى يرى العديد من النقاد السينمائيين أن أعماله كانت سببًا فى انهيار السينما المصرية، رغم أن السبكى يعتبر هو الأكثر إنتاجا فى الفترة الأخيرة.
أما مهرجان القاهرة السينمائى الدولى الذى بدأت الدورة الأولى له فى 1976 وكان أول مهرجان سينمائى دولى فى المنطقة العربية، فتراجع دوره أمام العديد من المهرجانات الوليدة مثل مهرجان دبى السينمائى، وكذلك بعض المهرجانات الأخرى كأيام قرطاج السينمائية بتونس ومهرجان مراكش بالمغرب وغيرها.
أما عن الجمهور نفسه فأصبحت هناك وسائل تكنولوجية أخرى تجعله يبتعد عن السينما وينتظر النسخ المسروقة للأفلام ويشاهدها عبر الإنترنت أو عبر قنوات البث التى أنشأت لهذا الغرض، بينما يقبل عدد لا بأس به من الجمهور على الأفلام التجارية التى تنجح فى جذبه من خلال "التريلر" الخاص بالفيلم، والذى قد يكون به مشاهد جنسية أو أغنية شعبية أو الأفلام التى تتحدث عن البيئات الشعبية وتشارك بالعمل إحدى الراقصات.
أما جمهور فاتن حمامة وتحية كاريوكا وإسماعيل يس وعمر الشريف فهؤلاء فضلوا البحث عن الأفلام القديمة لمشاهدتها لاستعادة الذكريات مصحوبة بانتقاد أحوال السينما الراهنة.
وقارن جان أليكسان فى دراسته «السينما فى الوطن العربى» فى عدد 51 لسلسلة عالم المعرفة- مارس 1982- بين نشأة وتطور السينما فى الوطن العربى، مؤكدا أن لمصر الفضل فى السبق والتفوق فى الفترة الزمنية التى تحدثت عنها الدراسة منذ أواخر عشرينيات القرن الماضى حتى بداية السبعينيات، وفى الفصل الخاص بالسينما فى مصر أكد أن صناعة السينما فى مصر كانت أكبر صناعة من نوعها فى الوطن العربى وأكثرها تأثيرًا بسبب تعاظم دور الحركة الوطنية والحجم الكبير للسوق المصرية، وكذلك ارتباط مصر بالحضارة الأوروبية.
وعن بدايات السينما فى الوطن العربى كان السبق لمصر عام 1927 من خلال الفيلم الصامت «قبلة فى الصحراء» تلاه فيلم «ليلى» الذى يعتقد الكثيرون أنه أول فيلم مصرى، أما سوريا فبدأت فى 1928 بفيلم «المتهم البرىء» ووصل عدد الأفلام فى نصف قرن إلى 100 فيلم بينما كانت مصر أنتجت 1500، أما لبنان التى بدأت فى 1929 فكانت الظروف الاقتصادية والاجتماعية بها وتناقضات تدخل فرنسا فى السينما تحدث حالة من توتر الإنتاج السينمائى فى مقابل عدد من الشباب حاولوا صناعة حقيقية للسينما بها، أما الجزائر فبدأت فى الإنتاج السينمائى فى مرحلة متأخرة عام 1947 وقدمت عددا من الأفلام الوثائقية والثقافية والتى تتعلق بالدعاية السياسية والآداب، كما كانت محاولات التجارب السينمائية فى تونس وليبيا والمغرب العربى مختلفة ومتنوعة لكنها لم تكن بالكم والكيف الذى كانت عليه السينما المصرية.
وتوقفت هذه الدراسة عند حقبة السبعينيات، ولكن كانت السينما المصرية فى الثمانيات لها طابع خاص وازدهرت السينما فى هذا الوقت ليصبح عدد الأفلام المنتجة سنويا 63 فيلما، وظهر جيل من المخرجين الشباب فى تلك الفترة مثل عاطف الطيب ورأفت الميهى وخيرى بشارة ومحمد خان وغيرهم الكثير من المخرجين الذين قدموا مجموعة كبيرة من الأعمال السينمائية لجيل كبار الفنانين مثل لأحمد زكى وعادل إمام ويسرا وغيرهم، أما فى التسعينيات وبظهور جيل آخر قدم الأفلام الكوميدية وكان فيلم "إسماعيلة رايح جاي" هو بداية هذه المرحلة التى بدأت بعدها السينما فى الدخول فى منعطف آخر لتنحدر بعد ذلك إلى ما هى عليه الآن.
وأكدت الناقدة السينمائية خيرية البشلاوى، أنه إذا اعتبرت السينما المصرية حاليًّا من القوة الناعمة فإنها تلعب دورًا سلبيًّا لا يسهم فى أى نوع من التنمية البشرية، ويغيب الوعى، ويقتل أى إحساس ثقافى مستنير، لأن السينما حاليًّا تروج للثقافة الشعبية فى حالات التدنى والانحطاط، ولكن هناك نسبة بسيطة من الإنتاج السينمائى المستنير تتناول الأحداث والهموم بصدق، إلا أنها تختفى فى ظل كمية الإنتاج المشوه.
وأشارت البشلاوى إلى أن هناك إنتاجًا سينمائيًّا جيدًا على مستوى الوطن العربى فى السعودية والإمارات، كذلك يوجد إنتاج سينمائى قوى فى تونس والمغرب والجزائر، وسيطرت الدولة على السينما فى الجزائر لفترة طويلة، وكذلك سوريا وتفوقت السينما كثيرًا هناك.
وأضافت أن القوة الناعمة سلاح ذو حدين، فمن الممكن أن تساعد فى الرقى ومن الممكن أن تكون فى منتهى الشراسة مثل السينما الأمريكية التى تحاول دائما إظهار الدولة الأمريكية بأنها لا تقهر، لذلك يجب التركيز على المصطلح بشكل إيجابى، وكان لمصر الريادة السينمائية على مدار فترات طويلة وانتهت هذه الريادة فى السبعينيات وبدأت تظهر على السطح جهات إنتاجية لا علاقة لها بالسينما.
رغم بداياتها الملحمية الفارقة.. الدراما المصرية بنكهة تركية وهندية
المسلسل التليفزيونى فى فترة الثمانينيات كان حالة فريدة من نوعها فى تلك الحقبة، وكان بمثابة الحالة التى تجمع كل أفراد الأسرة فى وقت واحد لمشاهدة المسلسل بتأنٍ، ليتحدث عنه الجميع فى اليوم الثانى فى العمل والشارع والمدرسة، فكان يعتبر هو وسيلة الترفيه الوحيدة فى تلك الفترة التى لم تكن قنوات التلفزيون حينها تتعدى القناتين، كما كانت حقبة السبعينيات تتميز بعدد من المسلسلات التى كانت تتميز بالجودة الكبيرة على مستوى النص والأداء مثل «الساقية»، و«اللص والكلاب»، و«زينب والعرش» وغيرها من الأعمال التى كان ينتظرها المشاهد المصرى بكل أطيافه.
قدمت الدراما المصرية منذ بدايتها ملاحم درامية فارقة لتجعلها فى مقدمة الوطن العربى لفترات طويلة فى تقديم أفضل الأعمال الدرامية التى كان يخدم عليها نخبة من المبدعين من سيناريو وحوار وإخراج وتمثيل، حتى تترات المسلسلات كان الاهتمام بها كبيرًا، ومن أبرز تلك الملاحم مسلسل «ليالى الحلمية» بأجزائه الخمسة الذى كتبه عملاق الدراما المصرية أسامة أنور عكاشة، وأخرجه إسماعيل عبدالحافظ، وكتب كلمات المقدمة الشاعر الكبير سيد حجاب، وغناه الفنان محمد الحلو، كما تميز العمل بجمع عدد كبير من نجوم الفن والمسلسل الذى يكتب حاليا سيناريو الجزء السادس له ولا أحد يعرف كيف سيكون هذا العمل بدون أبطاله الحقيقيين بعد رحيل الكثير منهم، واعتذار الموجودين على الساحة من المشاركة فيه.
«ليالى الحلمية» لم يكن وحده بل كانت هناك العديد من الأعمال المتميزة مثل «بوابة الحلوانى»، «المال والبنون»، «دموع فى عيون وقحة»، «أرابيسك»، «ضمير أبلة حكمت» وغيرها العديد من الأعمال التى استمرت فى الإبداع حتى فترات قليلة مضت، ومع ظهور الدراما السورية بقوة وسيطرتها لفترة طويلة قبل ثورات الربيع العربى أثر ذلك على الدراما المصرية، وبدأت الأضواء تسلط على سوريا التى قدمت عددًا من المسلسلات القوية أهمها "باب الحارة"، ومؤخرًا أصبح للبنان دور رائد فى الإنتاج الدرامى من خلال مجموعة من المسلسلات التى أنتجت إنتاجًا خاصًّا لها كمسلسل «سيرة حب»، وكذلك المشاركة فى الإنتاج المصرى اللبنانى بعدد من الأعمال.
كما ظهر مؤخرًا على الساحة التأثر بالدراما التركية والهندية لنجد العديد من المسلسلات التى تزيد حلقاتها عن الـ60 أو الـ90 فى أحيان كثيرة، وفى الأغلب تكون هناك تفاصيل مكررة وليست ذات أهمية، إلا أن هناك منها أعمال لها قيمة فنية جيدة.
من جهتها، لفتت الناقدة ماجدة خير الله، إلى أن الدراما فى الوطن العربى حاليا ليست أفضل حالا من مصر رغم التراجع الواضح للدراما المصرية، وكانت قديما تتصدر الساحة العربية ليس فقط بعدد الأعمال وإنما بالقيمة الفنية للعديد من المسلسلات ، والآن فقدنا هذا التميز وأصبح أغلب الإنتاج استهلاكيا.
وأشارت إلى أن الإنتاج الدرامى المصرى غزير لكنه غير مؤثر، ورغم التطور الكبير فى أدوات التصوير والإبداع البصرى إلا أن هذا لم يواكبه تطور على مستوى النص المقدم للشاشة مع تراجع جيل الكتاب والمخرجين الكبار.
وأكدت أن الإنتاج المشترك بين مصر ودول عربية يصب فى صالح العمل الفنى، وهو أمر مطلوب وليس سلبيًّا، أما التأثر بالدراما التركية فى زيادة عدد حلقات المسلسل فهو أمر سيئ إذا كان هدفه حشو الحلقات بتفاصيل ليست لها أهمية.
الكتابة.. آخر القاطرات
رغم أزمات النشر فى مصر والاتجاه إلى دور النشر الخاصة من جانب أغلب الكتاب، إلا أن الكتابة الإبداعية المتمثلة فى الشعر والرواية والمسرح فى مصر ما زالت متصدرة للساحة العربية إلى حد كبير، ويظهر ذلك جليًّا من خلال الجوائز الأدبية العربية التى فى الأغلب ما يكون ضمن الفائزين فيها كاتب مصرى.
للكتابة الأدبية مراحل متعددة وأجيال مختلفة، وكانت البداية مع الشعر الذى تربع على عرش الكتابة الأدبية فى ظل وجود كبار الشعراء كمحمود سامى البارودى، وأحمد شوقى، وحافظ إبراهيم، وبعد هذا بدأت الرواية والقصة تأخذ مكانتها على أرض الكتابة مع أديب نوبل نجيب محفوظ، ويوسف السباعى، ويوسف إدريس، وإحسان عبدالقدوس، ومع هذا الجيل كانت بداية لظهور جيل الشباب فى هذا الوقت وهو جيل السبعينيات مثل جمال الغيطانى، ويوسف القعيد، وفؤاد قنديل، لتتطور الرواية وتصل إلى ذروتها فى الألفية الثالثة لتسيطر على الأجواء ويتراجع الشعر تدريجيًّا عن الساحة.
ومن جانبه، أكد الروائى صبحى موسى، رئيس تحرير مجلة "الثقافة الجديدة"، أنه لم يعد هناك شكل محدد للكتابة، وليس هناك إطار معين يلفت من الذى يكتب أفضل من غيره، فالمشهد الإبداعى ملىء بالزخم والقوة والتدفق المذهل، ولدينا العديد من أجيال الكتابة من الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات وحتى ما بعد الألفية الثانية، وما زال حضور الأدباء المصريين ضخما بين الأسماء الإبداعية فى الوطن العربى، وهذا لا يعنى أن مصر هى الأذكى، ولكن يرجع الأمر إلى أن لدينا 90 مليون مواطن ومن الطبيعى أن يكون لدينا عدد مناسب من الكتاب.
وأضاف موسى أن الرواية هى المسيطرة حاليًّا على المشهد الإبداعى، وذلك بسبب الحضور الإعلامى لها وبحكم رغبة الناس فى المعرفة السهلة والبسيطة والرواية تلبى هذا الغرض، كما أن الشعر يمر بمرحلة من الخمول فى العالم كله وليس فى مصر فقط ودواوين الشعر فى أوروبا قليلة جدا وتوزيعها محدود، لكن الرواية دائما هى الأكثر مبيعا.
وأكد أن كثافة المشهد الإبداعى فى مصر أحدث حالة من الحرج لكل الجوائز فى العالم العربى بسبب وجود المصريين ضمن قوائم كل هذه الجوائز، وجائزة البوكر العربية عاقبت دور النشر المصرية فى هذه الدورة ولم تأخذ سوى إصدارات دار الشروق إلا أنها لم تستطع تجاهل الكتاب المصريين، وقد تكون نتائج العديد من الجوائز غير مرضية للمصريين لأن هناك عددًا كبيرًا من المبدعين يستحقون التكريم.
مع انحدار الكلمة والصوت.. لبنان تعتلى عرش الغناء
«أسطوانة.. شريط كاسيت.. سى دى» تلك الأدوات الثلاث تمثل مراحل مختلفة من الموسيقى والغناء فى مصر، ولكل مرحلة مذاقها الخاص، لكن يبقى الصوت هو وسيلة التعبير الحقيقية أيا ما كانت الأداة المستخدمة للتسجيل والسماع، فكما استمع جيل أم كلثوم إلى أغانيها على الجرامافون من خلال الأسطوانات القديمة.. استمعت أجيال الثمانينيات والتسعينيات إلى صوت كوكب الشرق عبر شرائط الكاسيت.. وها هم الآن يستمعون إليها عبر السيديهات والهواتف ومواقع الإنترنت المتنوعة، لكن هذا التطور التكنولوجى لم يصاحبه التطور على المستوى الفنى أو العددى فى المطربين المصريين الذين قل صيتهم وعددهم إلى حد كبير.
فقد كان محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ ونجاة وشادية ومحمد فوزى وغيرهم الكثير من عمالقة الغناء العربى هم قوة مصر الناعمة الحقيقية فى تاريخ الغناء المصرى، قدموا مئات الأغنيات التى تنوعت بين الرومانسى والاجتماعى وكذلك قصائد الفصحى التى برع فيها بعضهم، وتم تقديمها للجمهور الذى كان يحفظها عن ظهر قلب، حتى وإن لم يفهم بعض التعبيرات، لكن الإحساس كان يصله بسهولة.
وإن وراء هؤلاء الفنانين جيلا من المبدعين يتمثل فى ملحنين مثل محمد الموجى ورياض السنباطى وكمال الطويل وبليغ حمدى وغيرهم الكثير، بالإضافة إلى كبار الشعراء أمثال أحمد رامى وأحمد شوقى وصلاح جاهين ومأمون الشناوى وكامل الشناوى ومرسى جميل عزيز وغيرهم، وكان كل هؤلاء يلتقون لتقديم ما أصبح أهم العلامات فى تاريخ الغناء المصرى، ورغم أن الأغانى فى تلك الفترة كانت مدتها تتعدى الساعة فى الكثير من الأحيان إلا أن الجمهور كان يسمعها دون أن يمل منها، ونظرًا لأن الأسطوانات كانت مساحتها 5 دقائق فقط فكان يسجل عليها أدوارا من الأغانى، وكان الجمهور يذهب لسماع نجمه المفضل فى الحفلات.
فى تلك الحقبة ظهر عدد من المطربين العرب وجاءوا مصر بلد الثقافة والفن التى طالما احتضنت النجوم، وكانت سببًا فى شهرتهم، وأصبحوا جزءا أصيلا من الغناء المصرى لدرجة أن العديد لا يعرف جنسياتهم الأصلية، فمن سوريا جاءت فايزة أحمد وفريد الأطرش وشقيقته أسمهان، ومن الجزائر كانت وردة، ومن لبنان جاءت صباح لينخرطوا جميعا فى الغناء المصرى وكذلك السينما.
وفى بداية الثمانينات بدأ شريط الكاسيت يظهر وتشتهر أصوات جديدة كمحمد منير وعمرو دياب وهانى شاكر ومحمد محيى ومدحت صالح وإيهاب توفيق ومحمد فؤاد وأنغام، ومن المغرب سميرة سعيد، ومن سوريا أصالة ليتخذوا مكانتهم فى الغناء وما زالوا موجودين على الساحة الفنية حتى الآن إلا أن بعضهم تراجع دوره فى الغناء ولم يقدم جديدًا من فترة طويلة، ويعتبر هذا الجيل هو الذى قدم أغنياته فى فيديو كليبات كانت بدائية إلى حد ما ولكنها تطورت بمرور الوقت.
بعد هذين الجيلين قل ظهور المطربين المصريين على الساحة ولم يتخذ أحد منهم مكانة كبيرة سوى بعض من فرضوا أنفسهم من خلال صوتهم القوى أو من خلال الجمهور الذى انجذب إليهم، فلم يسيطر من جيل الألفية الثالثة سوى شيرين عبدالوهاب وتامر حسنى اللذين ظهرا فى وقت واحد وتلاهما آمال ماهر ومحمد حماقى ورامى صبرى وخالد سليم وهيثم شاكر، وبعض الأصوات التى ظهرت من خلال برامج المواهب مؤخرا.
وفى الخمس سنوات الماضية انتشر نوع من الغناء انتقده البعض كثيرًا ورأوا أنه أداء وليس طربا وهو «المهرجانات» التى انطلقت من العشوائيات وانتشرت فى شوارع مصر بسرعة كبيرة، ومن أبرز من قدموها أوكا وأورتيجا والسادات وفيفتى وغيرهم.
وبعد أن كانت مصر هى التى تجلب كل النجوم من كل مكان إليها، احتضنت لبنان النجوم خلال الفترة الأخيرة، وكانت البداية من خلال برامج المواهب التى كشفت الوجه الحقيقى للغناء المصرى، ففى كل برنامج مواهب يشارك فى لجان تحكيمه فنان مصرى واحد، ومن شارك بهذه البرامج هم شيرين عبدالوهاب وتامر حسنى ودنيا سمير غانم– التى تعتبر ممثلة أكثر من كونها مغنية–، وهذا ليس مؤشرا حقيقيا، فهناك نجوم يرفضون الاشتراك بتلك البرامج، لكن من المؤشرات التى تدل على عدم الانحياز إلى مصر كدولة تحتضن الغناء والموسيقى هو أن اللهجة اللبنانية أصبحت حاضرة وبقوة على الساحة الفنية، وكذلك الأغنية الخليجية، بل إن الفنانين المصريين أصبحوا يقدمون أغنيات باللهجة اللبنانية مثل أغنية «بكره الموسيقى» لأنغام ضمن ألبومها الأخير «أحلام بريئة»، بالإضافة إلى نجوم لبنان الذين لا يتخلون عن لهجتهم إلا قليلا.
وعن الموسيقى والغناء باعتبارها أحد مقومات القوة الناعمة يقول الملحن الكبير حلمى بكر: «انظر كيف الطعام أصبح فاسدا؟ سترى أن الغناء أفسد منه، فهناك مؤامرة عالمية على مصر فى كل شىء، جربوا المؤامرة عسكريا ففشلوا فاتجهوا إلى الموسيقى التى تعتبر مرآة الشعوب، وبدأ الأمر باختفاء ريادة مصر فى مجال الغناء، واختفى النجوم الحقيقيون ليظهر على السطح من يقدمون المهرجانات التى اعتبرها حالة مرضية يجب التخلص منها».
ولفت بكر إلى أن هناك ملحنين ومطربين جيدين جدًّا، لكن من يتحكم فى سوق الغناء يسعى وراء الغناء العارى لفظيا لنجد حالة من الركود فى الموسيقى فى مصر، وفى المقابل نجد لبنان رغم ما يحدث لها من إرهاب إلا أنها تعيش حالة فنية متقدمة، والدليل كمية برامج الفن والمهرجانات والاحتفالات التى تقدم بها، كذلك بدأت دبى من خلال مهرجاناتها الفنية الوليدة أن تظهر بشكل راقٍ، وبالنسبة لجودة الكلمات فإنها تظهر بوضوح فى دول الخليج العربى، فى حين أن الكلمات المصرية الجيدة اختفت تقريبا.
وانتقد بكر تحول بعض الفنانين المصريين إلى الغناء بغير اللهجة المصرية، مؤكدا أن ذلك يمحى الهوية المصرية إذا قدم الفنان أكثر من أغنية بغير لهجته، وأن من يقوم بذلك كل غرضه الحصول على المال.
أما عن بداية انهيار الأغنية المصرية، فلفت إلى أن ذلك حدث بعد النكسة، وبدأ الكذب الغنائى بأغانٍ قدمها الفنانون لانتصارات أكتوبر لم يصدقها الجمهور الذى انصرف عن كبار الفنانين بسبب ما قدموه، كما أن هناك أسبابًا أخرى فى انهيار الأغنية المصرية تتمثل فى الأدوات الحديثة لضبط الصوت، والتى جعلت أى شخص يغنى وتباع شرائطه ولا يستطيع الغناء «لايف» أمام جمهور، كما أصبحت ألفاظ الأغانى تأتى من العشوائيات لتدمر الغناء.
«القوة الناعمة» مصطلح طالما تم ذكره على مدى سنوات طويلة فى مصر، وكان الجميع يتباهى بامتلاك مصر تلك القوة المتمثلة فى فنونها وثقافتها على مدى سنوات طويلة، وكانت مصر هى قبلة الوطن العربى كله للفنون والثقافة، بينما تلاشت هذه القوة بمرور الزمن، ولعل ذلك بسبب الاعتماد على التراث الثقافى والفنى القديم، وعدم وجود محاولات جادة للتطوير، كما أن الدولة والجهة المختصة بهذه القوة والمتمثلة فى وزارة الثقافة المصرية لم تقدم شيئًا على مدار ما يقرب من ثلاثين عامًّا وهى فترة وزارة فاروق حسنى ومجموعته التى كانت مراعاتها للمصالح الشخصية أكثر اهتمامًا، بينما كانت الثقافة على الهامش من خلال بعض المهرجانات والكرنفالات الاحتفالية الإعلامية التى لا تقدم شيئًا حقيقيًّا.
وخلال هذا الملف نرصد المراحل التى مرت بها أهم محاور القوة الناعمة فى مصر والمتمثلة فى السينما والدراما والموسيقى والكتابة الإبداعية، ومقارنة مراحلها فى البداية وما وصلت إليه مؤخرًا مقارنة بالدول العربية.
قبيل إتمامها القرن الأول.. السينما فى أدنى مستوياتها
سنوات قليلة وتتم السينما المصرية قرنها الأول على قيد الحياة، إذ تم إنتاج أول فيلم مصرى فى عام 1927، هذا القرن الذى كانت بداياته ساخنة إلى حد كبير مرت السينما المصرية خلالها بمراحل متعددة من التفوق والتطور إلى أن وصلت إلى حالة من الخمول المفاجئ على مستوى عدد الأفلام التى يتم إنتاجها سنويًّا، وكذلك على مستوى القيمة الفنية التى تقدم من خلال تلك الأعمال السينمائية.
وما زالت أفلام الأبيض والأسود هى العلامة البيضاء المهمة فى تاريخ السينما المصرية، والتى كانت تستحق بجدارة أن تكون قوة مصر الناعمة التى تنير العقول وتبعث بالعديد من الرسائل المهمة على جميع المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية، كما كانت إيرادات السينما بمراحل البداية تتفوق كثيرًا عن الإيرادات فى الوقت الراهن بالمقارنة بتكلفة العمل السينمائى، وعلى مدار تلك المراحل كان عدد الأفلام التى يتم إنتاجها سنويا يتراوح بين 40 و 60 فيلما سنويا، إلى أن تراجع هذا العدد فى مطلع الألفية الثالثة إلى حد ما وخلال الخمس سنوات الأخيرة أصبح عدد الأفلام يعد على أصابع اليد، وخلال مهرجان القاهرة السينمائى الدولى فى دورته الأخيرة لم يتقدم سوى فيلمين مصريين فقط وهما "الليلة الكبيرة" و"من ضهر راجل" من إنتاج أحمد السبكى الذى يرى العديد من النقاد السينمائيين أن أعماله كانت سببًا فى انهيار السينما المصرية، رغم أن السبكى يعتبر هو الأكثر إنتاجا فى الفترة الأخيرة.
أما مهرجان القاهرة السينمائى الدولى الذى بدأت الدورة الأولى له فى 1976 وكان أول مهرجان سينمائى دولى فى المنطقة العربية، فتراجع دوره أمام العديد من المهرجانات الوليدة مثل مهرجان دبى السينمائى، وكذلك بعض المهرجانات الأخرى كأيام قرطاج السينمائية بتونس ومهرجان مراكش بالمغرب وغيرها.
أما عن الجمهور نفسه فأصبحت هناك وسائل تكنولوجية أخرى تجعله يبتعد عن السينما وينتظر النسخ المسروقة للأفلام ويشاهدها عبر الإنترنت أو عبر قنوات البث التى أنشأت لهذا الغرض، بينما يقبل عدد لا بأس به من الجمهور على الأفلام التجارية التى تنجح فى جذبه من خلال "التريلر" الخاص بالفيلم، والذى قد يكون به مشاهد جنسية أو أغنية شعبية أو الأفلام التى تتحدث عن البيئات الشعبية وتشارك بالعمل إحدى الراقصات.
أما جمهور فاتن حمامة وتحية كاريوكا وإسماعيل يس وعمر الشريف فهؤلاء فضلوا البحث عن الأفلام القديمة لمشاهدتها لاستعادة الذكريات مصحوبة بانتقاد أحوال السينما الراهنة.
وقارن جان أليكسان فى دراسته «السينما فى الوطن العربى» فى عدد 51 لسلسلة عالم المعرفة- مارس 1982- بين نشأة وتطور السينما فى الوطن العربى، مؤكدا أن لمصر الفضل فى السبق والتفوق فى الفترة الزمنية التى تحدثت عنها الدراسة منذ أواخر عشرينيات القرن الماضى حتى بداية السبعينيات، وفى الفصل الخاص بالسينما فى مصر أكد أن صناعة السينما فى مصر كانت أكبر صناعة من نوعها فى الوطن العربى وأكثرها تأثيرًا بسبب تعاظم دور الحركة الوطنية والحجم الكبير للسوق المصرية، وكذلك ارتباط مصر بالحضارة الأوروبية.
وعن بدايات السينما فى الوطن العربى كان السبق لمصر عام 1927 من خلال الفيلم الصامت «قبلة فى الصحراء» تلاه فيلم «ليلى» الذى يعتقد الكثيرون أنه أول فيلم مصرى، أما سوريا فبدأت فى 1928 بفيلم «المتهم البرىء» ووصل عدد الأفلام فى نصف قرن إلى 100 فيلم بينما كانت مصر أنتجت 1500، أما لبنان التى بدأت فى 1929 فكانت الظروف الاقتصادية والاجتماعية بها وتناقضات تدخل فرنسا فى السينما تحدث حالة من توتر الإنتاج السينمائى فى مقابل عدد من الشباب حاولوا صناعة حقيقية للسينما بها، أما الجزائر فبدأت فى الإنتاج السينمائى فى مرحلة متأخرة عام 1947 وقدمت عددا من الأفلام الوثائقية والثقافية والتى تتعلق بالدعاية السياسية والآداب، كما كانت محاولات التجارب السينمائية فى تونس وليبيا والمغرب العربى مختلفة ومتنوعة لكنها لم تكن بالكم والكيف الذى كانت عليه السينما المصرية.
وتوقفت هذه الدراسة عند حقبة السبعينيات، ولكن كانت السينما المصرية فى الثمانيات لها طابع خاص وازدهرت السينما فى هذا الوقت ليصبح عدد الأفلام المنتجة سنويا 63 فيلما، وظهر جيل من المخرجين الشباب فى تلك الفترة مثل عاطف الطيب ورأفت الميهى وخيرى بشارة ومحمد خان وغيرهم الكثير من المخرجين الذين قدموا مجموعة كبيرة من الأعمال السينمائية لجيل كبار الفنانين مثل لأحمد زكى وعادل إمام ويسرا وغيرهم، أما فى التسعينيات وبظهور جيل آخر قدم الأفلام الكوميدية وكان فيلم "إسماعيلة رايح جاي" هو بداية هذه المرحلة التى بدأت بعدها السينما فى الدخول فى منعطف آخر لتنحدر بعد ذلك إلى ما هى عليه الآن.
وأكدت الناقدة السينمائية خيرية البشلاوى، أنه إذا اعتبرت السينما المصرية حاليًّا من القوة الناعمة فإنها تلعب دورًا سلبيًّا لا يسهم فى أى نوع من التنمية البشرية، ويغيب الوعى، ويقتل أى إحساس ثقافى مستنير، لأن السينما حاليًّا تروج للثقافة الشعبية فى حالات التدنى والانحطاط، ولكن هناك نسبة بسيطة من الإنتاج السينمائى المستنير تتناول الأحداث والهموم بصدق، إلا أنها تختفى فى ظل كمية الإنتاج المشوه.
وأشارت البشلاوى إلى أن هناك إنتاجًا سينمائيًّا جيدًا على مستوى الوطن العربى فى السعودية والإمارات، كذلك يوجد إنتاج سينمائى قوى فى تونس والمغرب والجزائر، وسيطرت الدولة على السينما فى الجزائر لفترة طويلة، وكذلك سوريا وتفوقت السينما كثيرًا هناك.
وأضافت أن القوة الناعمة سلاح ذو حدين، فمن الممكن أن تساعد فى الرقى ومن الممكن أن تكون فى منتهى الشراسة مثل السينما الأمريكية التى تحاول دائما إظهار الدولة الأمريكية بأنها لا تقهر، لذلك يجب التركيز على المصطلح بشكل إيجابى، وكان لمصر الريادة السينمائية على مدار فترات طويلة وانتهت هذه الريادة فى السبعينيات وبدأت تظهر على السطح جهات إنتاجية لا علاقة لها بالسينما.
رغم بداياتها الملحمية الفارقة.. الدراما المصرية بنكهة تركية وهندية
المسلسل التليفزيونى فى فترة الثمانينيات كان حالة فريدة من نوعها فى تلك الحقبة، وكان بمثابة الحالة التى تجمع كل أفراد الأسرة فى وقت واحد لمشاهدة المسلسل بتأنٍ، ليتحدث عنه الجميع فى اليوم الثانى فى العمل والشارع والمدرسة، فكان يعتبر هو وسيلة الترفيه الوحيدة فى تلك الفترة التى لم تكن قنوات التلفزيون حينها تتعدى القناتين، كما كانت حقبة السبعينيات تتميز بعدد من المسلسلات التى كانت تتميز بالجودة الكبيرة على مستوى النص والأداء مثل «الساقية»، و«اللص والكلاب»، و«زينب والعرش» وغيرها من الأعمال التى كان ينتظرها المشاهد المصرى بكل أطيافه.
قدمت الدراما المصرية منذ بدايتها ملاحم درامية فارقة لتجعلها فى مقدمة الوطن العربى لفترات طويلة فى تقديم أفضل الأعمال الدرامية التى كان يخدم عليها نخبة من المبدعين من سيناريو وحوار وإخراج وتمثيل، حتى تترات المسلسلات كان الاهتمام بها كبيرًا، ومن أبرز تلك الملاحم مسلسل «ليالى الحلمية» بأجزائه الخمسة الذى كتبه عملاق الدراما المصرية أسامة أنور عكاشة، وأخرجه إسماعيل عبدالحافظ، وكتب كلمات المقدمة الشاعر الكبير سيد حجاب، وغناه الفنان محمد الحلو، كما تميز العمل بجمع عدد كبير من نجوم الفن والمسلسل الذى يكتب حاليا سيناريو الجزء السادس له ولا أحد يعرف كيف سيكون هذا العمل بدون أبطاله الحقيقيين بعد رحيل الكثير منهم، واعتذار الموجودين على الساحة من المشاركة فيه.
«ليالى الحلمية» لم يكن وحده بل كانت هناك العديد من الأعمال المتميزة مثل «بوابة الحلوانى»، «المال والبنون»، «دموع فى عيون وقحة»، «أرابيسك»، «ضمير أبلة حكمت» وغيرها العديد من الأعمال التى استمرت فى الإبداع حتى فترات قليلة مضت، ومع ظهور الدراما السورية بقوة وسيطرتها لفترة طويلة قبل ثورات الربيع العربى أثر ذلك على الدراما المصرية، وبدأت الأضواء تسلط على سوريا التى قدمت عددًا من المسلسلات القوية أهمها "باب الحارة"، ومؤخرًا أصبح للبنان دور رائد فى الإنتاج الدرامى من خلال مجموعة من المسلسلات التى أنتجت إنتاجًا خاصًّا لها كمسلسل «سيرة حب»، وكذلك المشاركة فى الإنتاج المصرى اللبنانى بعدد من الأعمال.
كما ظهر مؤخرًا على الساحة التأثر بالدراما التركية والهندية لنجد العديد من المسلسلات التى تزيد حلقاتها عن الـ60 أو الـ90 فى أحيان كثيرة، وفى الأغلب تكون هناك تفاصيل مكررة وليست ذات أهمية، إلا أن هناك منها أعمال لها قيمة فنية جيدة.
من جهتها، لفتت الناقدة ماجدة خير الله، إلى أن الدراما فى الوطن العربى حاليا ليست أفضل حالا من مصر رغم التراجع الواضح للدراما المصرية، وكانت قديما تتصدر الساحة العربية ليس فقط بعدد الأعمال وإنما بالقيمة الفنية للعديد من المسلسلات ، والآن فقدنا هذا التميز وأصبح أغلب الإنتاج استهلاكيا.
وأشارت إلى أن الإنتاج الدرامى المصرى غزير لكنه غير مؤثر، ورغم التطور الكبير فى أدوات التصوير والإبداع البصرى إلا أن هذا لم يواكبه تطور على مستوى النص المقدم للشاشة مع تراجع جيل الكتاب والمخرجين الكبار.
وأكدت أن الإنتاج المشترك بين مصر ودول عربية يصب فى صالح العمل الفنى، وهو أمر مطلوب وليس سلبيًّا، أما التأثر بالدراما التركية فى زيادة عدد حلقات المسلسل فهو أمر سيئ إذا كان هدفه حشو الحلقات بتفاصيل ليست لها أهمية.
الكتابة.. آخر القاطرات
رغم أزمات النشر فى مصر والاتجاه إلى دور النشر الخاصة من جانب أغلب الكتاب، إلا أن الكتابة الإبداعية المتمثلة فى الشعر والرواية والمسرح فى مصر ما زالت متصدرة للساحة العربية إلى حد كبير، ويظهر ذلك جليًّا من خلال الجوائز الأدبية العربية التى فى الأغلب ما يكون ضمن الفائزين فيها كاتب مصرى.
للكتابة الأدبية مراحل متعددة وأجيال مختلفة، وكانت البداية مع الشعر الذى تربع على عرش الكتابة الأدبية فى ظل وجود كبار الشعراء كمحمود سامى البارودى، وأحمد شوقى، وحافظ إبراهيم، وبعد هذا بدأت الرواية والقصة تأخذ مكانتها على أرض الكتابة مع أديب نوبل نجيب محفوظ، ويوسف السباعى، ويوسف إدريس، وإحسان عبدالقدوس، ومع هذا الجيل كانت بداية لظهور جيل الشباب فى هذا الوقت وهو جيل السبعينيات مثل جمال الغيطانى، ويوسف القعيد، وفؤاد قنديل، لتتطور الرواية وتصل إلى ذروتها فى الألفية الثالثة لتسيطر على الأجواء ويتراجع الشعر تدريجيًّا عن الساحة.
ومن جانبه، أكد الروائى صبحى موسى، رئيس تحرير مجلة "الثقافة الجديدة"، أنه لم يعد هناك شكل محدد للكتابة، وليس هناك إطار معين يلفت من الذى يكتب أفضل من غيره، فالمشهد الإبداعى ملىء بالزخم والقوة والتدفق المذهل، ولدينا العديد من أجيال الكتابة من الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات وحتى ما بعد الألفية الثانية، وما زال حضور الأدباء المصريين ضخما بين الأسماء الإبداعية فى الوطن العربى، وهذا لا يعنى أن مصر هى الأذكى، ولكن يرجع الأمر إلى أن لدينا 90 مليون مواطن ومن الطبيعى أن يكون لدينا عدد مناسب من الكتاب.
وأضاف موسى أن الرواية هى المسيطرة حاليًّا على المشهد الإبداعى، وذلك بسبب الحضور الإعلامى لها وبحكم رغبة الناس فى المعرفة السهلة والبسيطة والرواية تلبى هذا الغرض، كما أن الشعر يمر بمرحلة من الخمول فى العالم كله وليس فى مصر فقط ودواوين الشعر فى أوروبا قليلة جدا وتوزيعها محدود، لكن الرواية دائما هى الأكثر مبيعا.
وأكد أن كثافة المشهد الإبداعى فى مصر أحدث حالة من الحرج لكل الجوائز فى العالم العربى بسبب وجود المصريين ضمن قوائم كل هذه الجوائز، وجائزة البوكر العربية عاقبت دور النشر المصرية فى هذه الدورة ولم تأخذ سوى إصدارات دار الشروق إلا أنها لم تستطع تجاهل الكتاب المصريين، وقد تكون نتائج العديد من الجوائز غير مرضية للمصريين لأن هناك عددًا كبيرًا من المبدعين يستحقون التكريم.
مع انحدار الكلمة والصوت.. لبنان تعتلى عرش الغناء
«أسطوانة.. شريط كاسيت.. سى دى» تلك الأدوات الثلاث تمثل مراحل مختلفة من الموسيقى والغناء فى مصر، ولكل مرحلة مذاقها الخاص، لكن يبقى الصوت هو وسيلة التعبير الحقيقية أيا ما كانت الأداة المستخدمة للتسجيل والسماع، فكما استمع جيل أم كلثوم إلى أغانيها على الجرامافون من خلال الأسطوانات القديمة.. استمعت أجيال الثمانينيات والتسعينيات إلى صوت كوكب الشرق عبر شرائط الكاسيت.. وها هم الآن يستمعون إليها عبر السيديهات والهواتف ومواقع الإنترنت المتنوعة، لكن هذا التطور التكنولوجى لم يصاحبه التطور على المستوى الفنى أو العددى فى المطربين المصريين الذين قل صيتهم وعددهم إلى حد كبير.
فقد كان محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ ونجاة وشادية ومحمد فوزى وغيرهم الكثير من عمالقة الغناء العربى هم قوة مصر الناعمة الحقيقية فى تاريخ الغناء المصرى، قدموا مئات الأغنيات التى تنوعت بين الرومانسى والاجتماعى وكذلك قصائد الفصحى التى برع فيها بعضهم، وتم تقديمها للجمهور الذى كان يحفظها عن ظهر قلب، حتى وإن لم يفهم بعض التعبيرات، لكن الإحساس كان يصله بسهولة.
وإن وراء هؤلاء الفنانين جيلا من المبدعين يتمثل فى ملحنين مثل محمد الموجى ورياض السنباطى وكمال الطويل وبليغ حمدى وغيرهم الكثير، بالإضافة إلى كبار الشعراء أمثال أحمد رامى وأحمد شوقى وصلاح جاهين ومأمون الشناوى وكامل الشناوى ومرسى جميل عزيز وغيرهم، وكان كل هؤلاء يلتقون لتقديم ما أصبح أهم العلامات فى تاريخ الغناء المصرى، ورغم أن الأغانى فى تلك الفترة كانت مدتها تتعدى الساعة فى الكثير من الأحيان إلا أن الجمهور كان يسمعها دون أن يمل منها، ونظرًا لأن الأسطوانات كانت مساحتها 5 دقائق فقط فكان يسجل عليها أدوارا من الأغانى، وكان الجمهور يذهب لسماع نجمه المفضل فى الحفلات.
فى تلك الحقبة ظهر عدد من المطربين العرب وجاءوا مصر بلد الثقافة والفن التى طالما احتضنت النجوم، وكانت سببًا فى شهرتهم، وأصبحوا جزءا أصيلا من الغناء المصرى لدرجة أن العديد لا يعرف جنسياتهم الأصلية، فمن سوريا جاءت فايزة أحمد وفريد الأطرش وشقيقته أسمهان، ومن الجزائر كانت وردة، ومن لبنان جاءت صباح لينخرطوا جميعا فى الغناء المصرى وكذلك السينما.
وفى بداية الثمانينات بدأ شريط الكاسيت يظهر وتشتهر أصوات جديدة كمحمد منير وعمرو دياب وهانى شاكر ومحمد محيى ومدحت صالح وإيهاب توفيق ومحمد فؤاد وأنغام، ومن المغرب سميرة سعيد، ومن سوريا أصالة ليتخذوا مكانتهم فى الغناء وما زالوا موجودين على الساحة الفنية حتى الآن إلا أن بعضهم تراجع دوره فى الغناء ولم يقدم جديدًا من فترة طويلة، ويعتبر هذا الجيل هو الذى قدم أغنياته فى فيديو كليبات كانت بدائية إلى حد ما ولكنها تطورت بمرور الوقت.
بعد هذين الجيلين قل ظهور المطربين المصريين على الساحة ولم يتخذ أحد منهم مكانة كبيرة سوى بعض من فرضوا أنفسهم من خلال صوتهم القوى أو من خلال الجمهور الذى انجذب إليهم، فلم يسيطر من جيل الألفية الثالثة سوى شيرين عبدالوهاب وتامر حسنى اللذين ظهرا فى وقت واحد وتلاهما آمال ماهر ومحمد حماقى ورامى صبرى وخالد سليم وهيثم شاكر، وبعض الأصوات التى ظهرت من خلال برامج المواهب مؤخرا.
وفى الخمس سنوات الماضية انتشر نوع من الغناء انتقده البعض كثيرًا ورأوا أنه أداء وليس طربا وهو «المهرجانات» التى انطلقت من العشوائيات وانتشرت فى شوارع مصر بسرعة كبيرة، ومن أبرز من قدموها أوكا وأورتيجا والسادات وفيفتى وغيرهم.
وبعد أن كانت مصر هى التى تجلب كل النجوم من كل مكان إليها، احتضنت لبنان النجوم خلال الفترة الأخيرة، وكانت البداية من خلال برامج المواهب التى كشفت الوجه الحقيقى للغناء المصرى، ففى كل برنامج مواهب يشارك فى لجان تحكيمه فنان مصرى واحد، ومن شارك بهذه البرامج هم شيرين عبدالوهاب وتامر حسنى ودنيا سمير غانم– التى تعتبر ممثلة أكثر من كونها مغنية–، وهذا ليس مؤشرا حقيقيا، فهناك نجوم يرفضون الاشتراك بتلك البرامج، لكن من المؤشرات التى تدل على عدم الانحياز إلى مصر كدولة تحتضن الغناء والموسيقى هو أن اللهجة اللبنانية أصبحت حاضرة وبقوة على الساحة الفنية، وكذلك الأغنية الخليجية، بل إن الفنانين المصريين أصبحوا يقدمون أغنيات باللهجة اللبنانية مثل أغنية «بكره الموسيقى» لأنغام ضمن ألبومها الأخير «أحلام بريئة»، بالإضافة إلى نجوم لبنان الذين لا يتخلون عن لهجتهم إلا قليلا.
وعن الموسيقى والغناء باعتبارها أحد مقومات القوة الناعمة يقول الملحن الكبير حلمى بكر: «انظر كيف الطعام أصبح فاسدا؟ سترى أن الغناء أفسد منه، فهناك مؤامرة عالمية على مصر فى كل شىء، جربوا المؤامرة عسكريا ففشلوا فاتجهوا إلى الموسيقى التى تعتبر مرآة الشعوب، وبدأ الأمر باختفاء ريادة مصر فى مجال الغناء، واختفى النجوم الحقيقيون ليظهر على السطح من يقدمون المهرجانات التى اعتبرها حالة مرضية يجب التخلص منها».
ولفت بكر إلى أن هناك ملحنين ومطربين جيدين جدًّا، لكن من يتحكم فى سوق الغناء يسعى وراء الغناء العارى لفظيا لنجد حالة من الركود فى الموسيقى فى مصر، وفى المقابل نجد لبنان رغم ما يحدث لها من إرهاب إلا أنها تعيش حالة فنية متقدمة، والدليل كمية برامج الفن والمهرجانات والاحتفالات التى تقدم بها، كذلك بدأت دبى من خلال مهرجاناتها الفنية الوليدة أن تظهر بشكل راقٍ، وبالنسبة لجودة الكلمات فإنها تظهر بوضوح فى دول الخليج العربى، فى حين أن الكلمات المصرية الجيدة اختفت تقريبا.
وانتقد بكر تحول بعض الفنانين المصريين إلى الغناء بغير اللهجة المصرية، مؤكدا أن ذلك يمحى الهوية المصرية إذا قدم الفنان أكثر من أغنية بغير لهجته، وأن من يقوم بذلك كل غرضه الحصول على المال.
أما عن بداية انهيار الأغنية المصرية، فلفت إلى أن ذلك حدث بعد النكسة، وبدأ الكذب الغنائى بأغانٍ قدمها الفنانون لانتصارات أكتوبر لم يصدقها الجمهور الذى انصرف عن كبار الفنانين بسبب ما قدموه، كما أن هناك أسبابًا أخرى فى انهيار الأغنية المصرية تتمثل فى الأدوات الحديثة لضبط الصوت، والتى جعلت أى شخص يغنى وتباع شرائطه ولا يستطيع الغناء «لايف» أمام جمهور، كما أصبحت ألفاظ الأغانى تأتى من العشوائيات لتدمر الغناء.