إيمان عوف
بعد خمس سنوات، ورغم الاستقرار الظاهرى فى الأوضاع العامة بتونس، ورفع شعار الحرب على الإرهاب، تَواصلَ تدهور الوضع الاقتصادى وتعالت الأصوات الناقمة على الثورة، ورغم حالة الموات الاحتجاجى وحصول تونس على جائزة نوبل للسلام والتنمية، انهارت فجأة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعب التونسى، وكانت النار المشتعلة تحت رماد محاربة الإرهاب..
16 يناير الماضى،ولاية القصرين، اندلعت شرارة الغضب اعتراضًا على تدنى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع نسبة البطالة، توسعت الاحتجاجات فى الأيام التالية، وهى متواصلة حتى كتابة هذه السطور. وانطلقت عشرات المسيرات فى العديد من الولايات؛ تضامنًا مع القصرين واحتجاجًا ضد سياسة التفقير والتهميش، وتنديدًا بالفساد فى ملفات التشغيل. تزايدت وتيرة الاحتجاجات بعد مصرع الشاب رضا اليحياوى مصعوقًا بالكهرباء عند تسلُّقه أحد الأعمدة احتجاجًا على حذف اسمه من قائمة المرشحين للوظيفة العمومية والإصرار على إطالة فترة بطالته من قِبل المسئولين المحليين.
18 يناير: الاحتجاجات تصل إلى شارع الحبيب بورقيبة بتونس العاصمة، فقد كان القمع رد الدولة الأول، ما أدى إلى تطور الاحتجاجات إلى مواجهات مع البوليس، أدّت إلى ما يزيد على 14 جريحًا حتى الآن، وكانالصوت الأقوى للشباب الذى خرج من باب الخضراء، إحدى المناطق بالعاصمة التونسية، ليتوجه إلى قلب العاصمة مطالبًا بحقه فى التشغيل، ذلك الشعار الأهم والأبرز الذى رُفع فى وجه بن على وشحَذ الهِمم لإسقاطه. هؤلاء الشباب الذين طغى حضورهم وعلا صوتهم فى الذكرى الخامسة للثورة، سجّلوا حضورهم فى شارع الحبيب بورقيبة، بعد أن دخل مجموعة من قدماء اتحاد الطلبة المسجلين أمنيًّا، أسبوعهم الرابع من إضرابهم عن الطعام طلبًا لإنصافهم وتمكينهم من حقهم فى الحياة والعمل.
وكأن البدايات تعيد أنفسها، فقد غاب حزب نداء تونس الذى أعيته الصراعاتالداخلية وفشل الحكومة التى شكّلها فى تنفيذ جزء يسير من الوعود الانتخابية. اختار قواعد الحزب فى الذكرى الخامسة أن ينكفئوا على أنفسهم تاركين الساحة هذه المرة لروّاده الأوائل. حركة النهضة الحليف الأبرز للحزب الحاكم، لم تغب عن هذه المناسبة، وسجّلت حضورها فى مربعها المعهود عبر حفل غنائى، رافعةً شعاراتها القديمة التى تخلّت عنها منذ سنة 2011. أحزاب المعارضة بدورها لم تترك فضاءها التقليدى واختارت مواصلة التشبث بمطالبها الأولى التى لم تتحقّق على مرِّ السنوات الماضية رغم تعاقب ستّ حكومات منذ 2011. العائد الجديد لشارع الحبيب بورقيبة، كان حزب التحرير الذى حاول إثبات وجوده رغم المناخ العام المناهض للحركات الإسلامية المتشددة، وليثبت ربما تمسكه بالعملية الديمقراطية والعمل السلمى، فى تمايز عن نظرائه من التنظيمات الإسلامية الجهادية.
التمدد الجغرافى السريع للحراك الاحتجاجى
البطالة وتدنى الأوضاع الاقتصادية كانا سببًا قويًّا فىاتساع الاحتجاجات التونسية، التى رافقتها اشتباكات بين قوات الأمن والشباب المتمرد على واقع التهميش والبطالة. وكعادتها التقطت الجهات الرسمية مشاهد إحراق العجلات المطاطية واقتحام مراكز السلطة وقذف رجال الأمن بالحجارة، لتعيد تشكيل صورة رسمية، مِن شأنها أن تضع حدًّا لحُمَّى الالتهاب الاحتجاجى، وتفتح للطبقة الحاكمة منافذ للخروج من هذا المأزق الذى عمّقه غياب إجابة سياسية مقنعة على المطالب القديمة الجديدة.
التشكيك فى تركيبة المحتجين
انطلق أول مؤشرات التشكيك فى التركيبة الاجتماعية للمحتجين عندما أعلنوالى القصرين،يوم الإثنين الماضى، أن هناك مجموعة من «المندسِّين» انتشرت فى صفوف المعتصمين، ولا علاقة لها بمطالب التشغيل والتنمية. ورغم أن تصريحات والى القصرين جاءت محمَّلة بالكثير من المسكوت عنه، خصوصًا أنه لم يذكر هوية هذه المجموعة وأهدافها وخلفياتها، لكن التدفق السريع للحركة جعل الخطاب الرسمى يتغير باتجاه الحل السياسى من خلال إعلان جملة منالإجراءات الموجَّهة لولاية القصرينوبقية المناطق الداخلية التى أعلن أنها سيشملها التمييز الإيجابى، لكن يبدو أن هذا الحل لم يفلح فى خفض منسوب التوتر الاحتجاجى.
خارطة الاحتجاجات: بعد القصرين 16 ولاية تنتفض
تصاعدُ وتيرة الاحتجاجات رافقته بعض أحداث الحرق والتدمير التى اتخذت طابعًا شِبه منظَّم فى أحياء العاصمة، على غرار عمليات النهب التى عرفها حى التضامن، ليلة الجمعة 22 يناير 2016، فى ظل انسحاب أمنى منظم أيضًا.
وهو ما أَطلق العِنان من جديد للدعاية الرسمية المضادة حتى تُوصَمَ الأحداث بالعنف والفوضى واللّصوصية، وقد بلغ الأمر بالمكلَّف بالإعلام فى وزارة الداخلية، حد التأكيد على أن الأجهزة ترصد تركيبة المحتجين وتلاحظ وجود عناصر معروفة بانحدارها من وسط الجريمة، وبانتماء بعضها الآخر للتيارات الدينية المتشددة، لكنه لم يقدمتفاصيل واضحة عن هوية هؤلاء وارتباطاتهم وخلفياتهم، وفى تصعيد مفاجئ تحدثت وسائل الإعلام المهيمن، عندخول تنظيم الدولة «داعش» على خط الاحتجاجات، وكان المصدر الوحيد لهذه الأخبار بعض التدوينات التى نشرتها صفحات فيسبوكية تابعة للتنظيم المذكور.
مناطق الاحتجاج بين خطَّى الفقر والإرهاب
تشيرخارطة الاحتجاجات إلى أن المناطق الحاضنة للحراك الاجتماعى- علاوة علىاشتراكها فى التهميش والهشاشة الاقتصاديةوالاجتماعية- ترتبط بشكل أو بآخر بظاهرة الإرهاب الجهادى، إذ تقع منطقة القصرين بين المثلث الجبلى، الشعانبى وسمامة والمغيلة، الذى يمثل معقلًا تتحصّن به الجماعات الجهادية المسلَّحة منذ سنوات، وترتبط هذه الجماعات المُتموقِعة فى الجبال بشبكات ناشطة فى القرى والمدن تؤمِّن لها الدعم المادى واللوجيستى.
اليسار التونسى بين محاربة الإرهاب ودعم الاحتجاجات الاجتماعية
من الواضح أن سياسات الإفقار وعدم اكتراث الحكومة لمطالب التشغيل والقمع الممنهج الذى تعيشه تونس منذ أشهر، هو السبب الرئيسى فى انتشار الاحتجاجات وتحولها لانتفاضة. ورغم مشاركة العديد من الشباب اليساريين والمنتمين للجبهة الشعبية فى الاحتجاجات، فإن العديد من الشباب المنتفض لا يرغب فى «تسييس» الاحتجاجات، بل يريد الحفاظ على جوهرها الاجتماعى، على حد تعبيرهم، أى المطالبة بالتشغيل.