المؤتمر الثانى لقصيدة النثر يطرح تساؤلات حول مستقبلها

المؤتمر الثانى لقصيدة النثر يطرح تساؤلات حول مستقبلها


على راشد

تعتبر قصيدة النثر من أكثر الأنماط الشعرية التى قُتلت بحثًا، فحينًا يُقال إنها شِعر، وحينًا آخر يرفضها الرافضون، وظلّ ذلك الأمر لسنوات طويلة، وما زالت بعض الأصوات تتحدث عن تلك القضية، ومنهم من ملّ الحديث عنها، لتبقى قصيدة النثر وتَفرض نفسها على أرض الواقع الثقافى من خلال الدواوين الشعرية التى تصدر بكثافة من حينٍ لآخر، وبعض الندوات والمؤتمرات التى تُقام لأجل هذا النمط الشعرى.

وبعد أن خفَتَ صراع النقاد لها، أصبح الصراع كما يقال "منها فيها"، فالشعراء أنفسهم أصبحت بينهم صراعات جلية أحيانًا، وخفية فى أوقات أخرى، وتتمثل الصراعات فى رفضهم القائمين على الملتقيات والمؤتمرات الخاصة بقصيدة النثر، ولعل تلك الأزمات تظهر بشكل واضح على الصفحة الشخصية للشاعر عادل جلال المنسق العام لمؤتمر قصيدة النثر، المقرَّر عقده الأحد المقبل 17 يناير حتى 19 يناير، حيث يسرد من حين لآخر بعض تفاصيل هذا الصراع.

ويُعقَد المؤتمر فى دورته الثانية بإتيليه القاهرة، برعاية الشعراء المشاركين فيه، ويتضمن عددًا من الأمسيات الشعرية والجلسات النقدية، منها "نماذج الوعى واستراتيجيات التشكيل الفنى فى قصيدة النثر مطلع الألفية الجديدة"، و"تجليات الفقد فى قصيدة النثر المصرية"، و"قصيدة النثر المصرية ومشهدها الراهن"، و"فكرة الموت فى قصيدة النثر"، و"التقنية الأدبية ووظائفها فى قصيدة النثر"، و"مستقبل قصيدة النثر فى ضوء الإنتاج الثقافى المكرر"، و"الرومانسية فى قصيدة النثر"، و"تحول النوع الشعرى من الصياغة إلى الدلالة".

ويشارك بالمؤتمر عددٌ كبير من الشعراء، منهم محمود شرف، ود.سهير المصادفة، وفاطمة ناعوت، وجمال القصاص، وعاطف عبد العزيز، وأحمد المريخي، وشوكت المصري، وعزمي عبد الوهاب، وإبراهيم داود، وفتحي عبد السميع، وغيرهم.

الشاعر عادل جلال، المنسق العام لمؤتمر قصيدة النثر فى دورته الثانية، تحدَّث عن العديد من الأزمات التى واجهته والصراعات التى صُوِّبت تجاهه، بداية من عودته إلى مصر، ليعلم أن هناك ملتقى لقصيدة النثر، فحاول دعمه دون أن يعلم خلفيات الصراع القائمة بين بعض الشعراء، ثم تبرَّع بجائزة فى شعر الفصحى عن الملتقى، وتبرعت زوجته بجائزة أخرى لشعر العامية، وفى تلك الفترة لم يقرر أصحاب الملتقى ما إذا كانوا سيقدمون دورة جديدة أم لا، وهو ما دفع بعض الشعراء للحديث معه حول إمكانية عمل مؤتمر لقصيدة النثر، وكان ذلك فى 2014، وبالفعل أقيمت الدورة الأولى فى ديسمبر من العام نفسه، إلا أن ضيق الوقت لم يسعفهم لتقديم كل ما يتمنون.

يقول جلال: "خلال تلك الفترة اتصل بى صديق لعمل المؤتمر، وكان ذلك فى شهر أكتوبر، وأصرَّ على إقامة المؤتمر فى شهر ديسمبر، وهي فترة قصيرة جدًّا، وقلت له إننى لا أستطيع ذلك، ولا علاقة لى بالتنظيم، وبعد فترة اختفى هذا الشخص، ووقفت وحدى، لكننى عملت على إقامة المؤتمر، خاصة أنه كان قد تم إعلان موعده، وأقيم فعليًّا لكن كانت هناك بعض السلبيات حاولت تداركها فى الدورة الثانية التى ستنطلق خلال أيام، وفى الدورة الثانية أيضًا كان من المقرر أن يكون هناك عدد من الشعراء معه، إلا أن العديد منهم تنصَّل ليقع فى نفس الموقف مرة أخرى، وكان من المقرر أن يقام المؤتمر فى سبتمبر الماضى، وتمّ تأجيله إلى ديسمبر ليأتى الموعد الأخير فى يناير، وكل هذه التأجيلات بسبب عدم اكتمال الأبحاث النقدية وغيرها من الأمور التنظيمية، كل هذا أيضًا سيؤدى إلى بعض السلبيات، لكن من المؤكد تدارك ذلك فى الدورة الثالثة التى ستُقام فى سبتمبر المقبل".

ولفت جلال إلى أنه واجه بعض الصعوبات خلال تلك الدورة، منها اعتذار بعض الباحثين واستخفاف البعض بتقديم أبحاث غير لائقة، كما كان من المقرر استضافة "المغرب" كدولة عربية، إلا أنها اعتذرت، لذلك فإن الدورة الثالثة سيكون هناك تنسيق مع دولتى فلسطين وسوريا لاستضافتهما.

وأكد الشاعر صبحى موسى، رئيس تحرير مجلة "الثقافة الجديدة"– وكان المنسق العام للملتقى العربى لقصيدة النثر عام 2010– أن الملتقى كان شيئًا، والمؤتمر شىء آخر، حيث عقدت الدورة الأولى للملتقى عام 2010 ولم يستطع القائمون عليه إقامة دورة جديدة فى عام 2011 بسبب أحداث الثورة، وتمّ التأجيل لأكثر من مرة؛ لأن الظروف غير مناسبة.

وأضاف أن الشاعر عادل جلال هو الذى طرح فكرة المؤتمر، وهو الذى يقوم بالتنسيق له، وهى فكرة جيدة وجهدٌ مشكور له، متمنيًا للمؤتمر التوفيق.

وأكد الشاعر جمال القصاص، أحد المشاركين بالمؤتمر، أن الدورة الثانية يحكمها برنامج واضح ومجموعة من الدراسات النقدية التى تتوجه مباشرة إلى مشاكل قصيدة النثر، وما يواجه القصيدة من أزمات يتقاطع مع تراثها المصرى الخاص، وكذلك التراث العام لها.

ولفت إلى أن القائمين على برنامج المؤتمر يُحسَب لهم الجهد المبذول فى تنسيق الدراسات النقدية والندوات الشعرية، ليخرج المؤتمر كأنه عُرسٌ شعرى لقصيدة النثر المصرية، مؤكدًا أن اختيار الشعراء المشاركين تمّ بشكل موضوعى وجيد؛ لأن هؤلاء الشعراء هم مَن يمثلون الأشكال المختلفة من التعاطى مع القصيدة، سواء على مستوى الرؤية أو التكنيك الكتابى أو مستوى النظر الشعرى بشكل عام.

وعن قصيدة النثر يقول القصاص: "لقد أصبحت الآن هى متن الشعر، ليس فى مصر فقط، بل فى معظم البلدان العربية والعالم؛ لأنها تعيد الشعر إلى الذات وتفتح فضاء واسعًا أمام الشاعر بكل حيوية ودون أى تعقيدات، سواء على مستوى اللغة الشعرية أو رؤية العالم، لكن القصيدة لم تكتسب خصوصية ما حتى الآن، فهناك بعض الملامح ما زالت عامة ويجب الاهتمام بها ، ويجب أيضًا أن تكون قصيدة النثر المصرية التى لها تاريخ طويل حتى من زمن الفراعنة، يجب أن تكون لها سماتها الخاصة".

أما الشاعر محمود شرف فأكد أن ما يتعلق بقصيدة النثر من أزمات واجهتها وعدم الاعتراف بوجودها، أمرٌ تمّ تجاوزه وفرضت نفسها وقدرتها على البقاء، حيث أصبحت جزءًا من التعبير الشعرى، وربما الأشكال الشعرية الأخرى تبحث عن مكان ما فى الساحة حاليًا، ولا يوجد حاليًا احتياج لتأكيد شعرية قصيدة النثر؛ لأن ذلك متحقق فعليًّا، ويظهر جليًّا من خلال مساحات نشرها الواسعة بسلاسل الإبداع والمنابر الإعلامية.

ولفت إلى أن الفارق بين ملتقى قصيدة النثر والمؤتمر، يتمثل فقط فى الأشخاص القائمين عليه، والملتقى يكون عبارة عن مجموعة من الأمسيات الشعرية دون ندوات، أما المؤتمر فيتحتم أن تكون هناك بعض الجلسات النقاشية المتعلقة بالمشهد الشعرى لقصيدة النثر، بالإضافة إلى الأمسيات.

وعما يجب أن يتم طرحه خلال المؤتمر، أشار شرف إلى أهمية الحديث عن التطور الطبيعى للقصيدة العربية الراهنة، وكيف سيتم التعامل إذا ظهرت أشكال جديدة من الشعر، فهل ستصارع قصيدة النثر أى نوع شعرى جديد أم أنها ستمنحه المساحة اللائقة به، نظرًا لأنها واجهت العديد من الصراعات لتحجز لنفسها المساحة الخاصة بها خلال سنوات طويلة؟