تقليل الواردات سلاح الحكومة لإنقاذ « ميزان المدفوعات »

تقليل الواردات سلاح الحكومة لإنقاذ &laquo; ميزان المدفوعات &raquo;<br />

■ %8.9 نسبة الاستيراد من الناتج المحلى خلال 2014
■ فريد: أثر القرارات يظهر فى الربع الثانى وجنينة: عمرها قصير
■ أبوباشا: تراجع المدخلات الدولارية يفرض التحجيم.. وخفض الجنيه لن يجدى

نيرمين عباس:

بين الارتفاع المستمر فى فاتورة الواردات، وتراجع مصادر العملة الأجنبية، يقع ميزان المدفوعات فى ورطة كبيرة، إذ يتسع العجز بوتيرة مستمرة، لتصبح الحكومة أمام خيارين لا ثالث لهما ؛ إما تحفيز موارد النقد الأجنبى أو الحد من الاستيراد، ويبدو أن الاختيار وقع بالفعل على البديل الأخير عبر إجراءات تم اتخاذها فى الأسابيع الأخيرة.

وميزان المدفوعات هو خلاصة للعمليات المالية التى تتمّ، خلال فترة معينة من الزمن، بين بلدٍ ما ومختلف البلدان الأجنبية.

وأعلن البنك المركزى المصرى الأسبوع الماضى تحقيق المعاملات الاقتصادية مع العام الخارجى خلال الربع الأول من السنة المالية 2016-2015 عجزا كليا بميزان المدفوعات بلغ 3.7 مليار دولار، مقابل فائض 410 ملايين دولار خلال الفترة المقابلة من السنة المالية السابقة، بالتزامن مع تصاعد العجز فى حساب المعاملات الجارية، ليصل إلى 4 مليارات دولار مقابل 1.6 مليار فى فترة المقارنة، بينما حقق حساب المعاملات الرأسمالية والمالية صافى تدفق للداخل بلغ 1.5 مليار دولار، مقابل 387 مليون دولار خلال الفترة المقابلة من العام المالى السابق.

وأصدر وزير التجارة والصناعة قرارا بتاريخ 31 ديسمبر الماضى، نص على وجوب قيد المصانع الأجنبية المصدرة لمصر فى سجل لدى الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات المصرية خلال 60 يومًا من تاريخ نشر القرار.

وضمت القائمة 23 سلعة من بينها الألبان ومنتجاتها المعدة للبيع بالتجزئة، والمياه الطبيعية والمعدنية والغازية، ومستحضرات التجميل والزينة، والصابون، وعصائر الفاكهة، والزيوت والدهون المؤهلة للبيع بالتجزئة، والأجهزة المنزلية من مواقد وأجهزة تكييف ومراوح، والدراجات العادية والنارية والمزودة بمحرك، والساعات، ولعب الأطفال، وغيرها من السلع.

كما أصدر البنك المركزى منذ أسابيع ضوابط جديدة لتنظيم تمويل الاستيراد، حظرت على البنوك المحلية، تنفيذ العمليات التى تتم على قوة مستندات التحصيل إلا من خلال المستندات الواردة للبنوك مباشرة عن طريق بنوك فى الخارج مع عدم قبول تلك الواردة مباشرة للعملاء، وتضمنت زيادة غطاء التأمين النقدى للسلع غير الأساسية إلى %100 بدلًا من %50 فى السابق مع عدم السماح بإعادة تمويل العمليات الاستيرادية لأغراض التجارة التى تخضع لتأمين نقدى بواقع %100 من خلال منح تسهيلات مؤقتة بالعملة الأجنبية.

وحدثّ «المركزى» أيضًا قائمة السلع الأساسية المستنثاه من حد التأمين النقدى، لتشمل الشاى، واللحوم، والدواجن، والأسماك، والقمح، والزيت، ولبن بودرة وألبان الأطفال، والفول، والعدس والزبدة، والذرة، وكذلك الآلات ومعدات الإنتاج وقطع الغيار، والأدوية، والأمصال والكيماويات، والسلع الوسيطة ومستلزمات الإنتاج والخامات بقطاعات مثل الحديد والصلب والسيارات والبترول والغاز الطبيعى والبلاستيك وغيرها.

ويقول رئيس مجلس إدارة شركة «دى كود» للاستشارات المالية، إن ما حدث بكل بساطة هو طلب تسجيل المصانع المصدرة لمصر بقائمة لضمان كفاءة المنتج المستورد، موضحًا أن ذلك يحقق هدفين رئيسيين أولهما ؛ التحكم من اتباع تلك الجهات لعوامل جودة، مثل الالتزام بالاتفاقيات الدولية، وعدم تشغيل عمالة أو الإضرار بالبيئة، وثانيهما ؛ ضمان إمكانية الرجوع لتلك الجهات للتأكد من صحة الفواتير التى يقدمها المستوردون بما يحد من التهرب الجمركى.

وأوضح أن هناك مصانع تورّد لمصر منتجات غير مطابقة للمواصفات وخاصة من «الصين»، بينما يقوم تجار بتقديم فواتير بأقل من القيمة الحقيقية لوارداتهم لدفع جمارك أقل، متابعًا: تسجيل الجهات الموردة لدى جهات حكومية يضمن وجود كيانات يمكن الرجوع إليها للتأكد من الأمر.

وأشار إلى هدف آخر أبعد وهو السيطرة على الواردات لتقليل الفجوة فى ميزان المدفوعات، بعدما بلغت قيمة الواردات العام الماضى نحو 60 مليار دولار، مقارنة بصادرات بنحو 24 مليار دولار، بما يشير إلى عجز ضخم.

وكشف عن أنه وفقًا لبيانات البنك الدولى خلال 2014، بلغ العجز التجارى لمصر كنسبة من إجمالى الناتج المحلى %8.9، مقارنة بالجزائر %1.5، والبرازيل %2.8، والمكسيك %1.1، وجنوب أفريقيا %1.1، وأوكرانيا %4.1.

وتعتبر تلك النسبة فى مصر ضمن الأعلى بالعالم، يفوقها دول قليلة مثل المغرب التى بلغت نسبة العجز التجارى من إجمالى ناتجها الإجمالى العام %12.4، وتونس %10.8، وغانا %9.4.

ورأى أن ارتفاع نسبة العجز التجارى لإجمالى الناتج المحلى بمصر يؤكد أن التركيز على زيادة الصادرات، وتقليل الواردات من المصانع غير المعروفة أمر جيد ومطلوب كاتجاه عام، لكن إذا كان الهدف المُراد من القرارات التى اتخذتها وزارة الصناعة تنظيم الاستيراد وليس إعاقته أو محاربته لأن ذلك سيخلق تشوهات فى السوق.

وأكد أن تأثير القرارات الأخيرة للصناعة لن تظهر فورًا على ميزان المدفوعات، وإنما قد ينعكس أثرها فى الربع الثانى من العام.

وقال هانى جنينة رئيس قسم البحوث بشركة فاروس القابضة للاستثمارات المالية، إن الضوابط التى صدرت مؤخرًا من الصناعة تدخل تحت مسمى «معوقات غير جمركية Non-Tariff Barriers «، والتى تعنى وضع عقبات أمام المستورد دون رفع الجمارك أو المنع المباشر، وهى إجراءات تُحذّر منها منظمة التجارة الدولية.

وأوضح أن أثر تلك الخطوات يتمثل فى تخفيف الضغط على ميزان المدفوعات، غير أنه استبعد فى الوقت نفسه أن تؤدى إلى منع واردات مثل الحديد، فالمصانع التركية التى تصدر لمصر على سبيل المثال أغلبها كبرى، ولن يكون طلب التسجيل سدًا منيعًا أمامها، قائلًا: نظريًا استيفاء الأوراق سهل، إلا إذا كان هناك نية لفرض إجراءات بيروقراطية تُعطّل الشركات.

وأشار إلى أن حجم الأثر المرتقب من الضوابط الأخيرة يعتمد بالأساس على مدى سلاسة الإجراءات، فضلًا عن أن المشكلة الأساسية لن تّحل بتلك الطريقة، فالأسعار خارج مصر منخفضة للغاية، وحتى مع وجود عوائق فالتكلفة ستظل قليلة مقارنة بسعر المنتج المحلى، علاوة على أن ارتفاع العملة المحلية عن قيمتها الحقيقة أمام الدولار يعد معرقلًا إضافيًا أمام التصدير.

ورأى أن قرارات تحجيم الاستيراد مؤقتة، ولن تنجح فى الأجل الطويل، لأن المُصّدر إذا ما واجه أزمات سيلجأ بالضرورة إلى سفارته بمصر، والتى ستتوجه بدورها لمسئولى الحكومة، وإذا لم يتحسن الوضع سيتم اتخاذ إجراءات مشابهة لعرقلة الصادرات المصرية فى إطار مبدأ المعاملة بالمثل.

وتوقع أن تكون الإجراءات الأخيرة ممثلة فى رفع الفائدة، وضبط الأسعار، وتحجيم الواردات، مقدمة لإصلاحات هيكلية تشمل تغيير قيمة الجنيه أمام الدولار تمامًا وتقليص الدعم، إذ أنها ستقلل من فرص حدوث مضاربات وارتفاع التضخم فيما بعد، مرجحًا أن يتم الحصول بعد ذلك على قرض صندوق النقد الدولى.

ولفت إلى أنه إذا لم يكن الوضع الحالى، تمهيدًا لإصلاح مستقبلى فسيواجه الاقتصاد مشكلة كبرى للغاية، خاصة أن أغلب عملات العالم تراجعت، وقال: إذا هبط اليوان الصينى مرة أخرى وتبعته عملات أخرى دون أى تحريك للجنيه فيمكن القول إن مصر ستمحى تمامًا من خارطة الصادرات لأن الأسعار حينها ستكون انخفضت بعنف فى جميع الأسواق الخارجية.

وأوضح أن ما يزيد الوضع سوءًا أن الداعم الرئيسى المتمثل فى دول الخليج، أصبح فى ورطة كبرى إثر تراجعات أسعار البترول،إذ سجل أغلبها عجزًا بموازانات 2016 مثل السعودية وقطر والكويت، كما بات اللجوء للسندات الدولية أمرًا صعبًا حاليًا.

وقال محمد أبوباشا محلل الاقتصاد الكلى بشركة المجموعة المالية «هيرميس»، إن مصر تواجه عجزًا فى الحساب الجارى رغم تراجع أسعار المواد الأولية ووفورات فروق العملة بعد تراجع اليورو، وهو أمر يرجع جزئيًا لبدء استيراد الغاز والفحم مؤخرًا.

وتابع: المصادر الأساسية للعملة الأجنبية متراجعة فى المجمل منها السياحة، والصادرات، وتحويلات المصريين فى الخارج، فضلًا عن أن قيمة الجنيه تحدّ من تنافسية مصر، وهو ما يفٌاقم الأزمة، إذ ترتفع الواردات مقارنة بهبوط واضح فى المدخلات الدولارية.

وأوضح أنه كان لابد من تحجيم الاستيراد، لأنه حتى إذا حدث خفض للجنيه، فلن يكون الأمر ذا جدوى كبيرة، بل العكس ستزيد الواردات لأن الأسعار ستقل، وبالتالى سيزداد الضغط على ميزان المدفوعات، كما أن روافد النقد الأجنبى الأخرى لن تتعافى مثل السياحة.

ولفت إلى أن الضوابط الأخيرة تهدف إلى تقليل العجز فى ميزان المدفوعات من جهة، ودعم الصناعة الوطنية من جهة أخرى، والهدف الأخير تحديدًا جاء ضمن مستهدفات السياسة النقدية المُراد تحقيقها خلال الفترة المقبلة.

وأوضح أن السؤال الأبرز هو: هل ستسير الإجراءات المطلوبة لتسجيل المصدرين بسلاسة ويسر أم تواجه بمعوقات بيروقراطية؟

ورجح أن تسعى الحكومة للحصول على موارد لتمويل العجز خلال الفترة المقبلة وأهمها قرض صندوق النقد الدولى.