مها أبوودن:
علمت «المال» أن الهيئة العامة لقناة السويس أنشأت وحدة محاسبية للرقابة المالية قبل الصرف، بعد مخاطبات استمرت طيلة عامين من وزارة المالية، لكن الوحدة لا تزال معطلة بسبب عدم استجابة الهيئة لمطالبات المديرية المالية المركزية بمحافظة الأسماعيلية بإيفاد مندوب مالى، للقيام بعملية الرقابة المالية قبل الصرف، حتى اللحظة الراهنة.
ومن اللافت أن وزارة المالية أدرجت الوحدة المحاسبية الخاصة بالهيئة فى دليلها الشامل للمراجعة والمحاسبة الحكومية، منذ ما يقرب من العامين، وهو ما يعنى أن أموال قناة السويس لا تزال خارج رقابة وزارة المالية قبل الصرف، وهى الرقابة التى تخضع لها كل الجهات الداخلة فى الموازنة العامة، سواء فى ذلك وحدات الجهاز الإدارى، أو المحليات، أو الهيئات الاقتصادية، بما فيها الوحدات الإدارية التابعة لوزارة المالية نفسها.
وبحسب مصادر وثيقة الصلة بالملف، فإن الوحدة المحاسبية المدرجة بالدليل معطلة، ولا يوجد بها مندوب مالى حتى اللحظة، كما أن أذون الصرف التى تستخرجها الهيئة لا تتم مراجعتها من قبل وزارة المالية، مما يجعل هناك استحالة فى تدقيق الحسابات أيضا من قبل الجهاز المركزى للمحاسبات كجهة مسئولة عن الرقابة المالية بعد الصرف.
وبحسب المصادر أيضا، فإن الوحدة ليس لها أى صلة بالمديرية المالية المركزية بمحافظة الإسماعيلية، وهى المديرية المالية المركزية التى من شأنها تجميع كل ما يرد من مديريات فرعية، والتى تشرف بشكل مباشر على عمليات الرقابة المالية على كل الوحدات الحسابية فى نطاقها، بما فيها الوحدة المحاسبية بقناة السويس.
وبحسب المصادر فإن وزارة المالية طلبت عدة مرات أن توفد مندوبا ماليا للعمل بالوحدة المحاسبية، إلا أن الهيئة لا تستجيب.
وترجع أهمية خضوع أجهزة الدولة للرقابة المالية قبل الصرف إلى عدم إنفاق أى مخصص مالى قبل أن تتم مراجعته من قبل مندوب من وزارة المالية، يكون عمله الأساسى المراقبة على الوحدة الخاصة بكل جهاز، وهو ما يكفل عملية مراجعة لاحقة من جانب الجهاز المركزى للمحاسبات ويضمن عدم وجود مخالفات مالية فى الصرف.
وتعود الأهمية القصوى، لإخضاع الهيئة العامة لقناة السويس حاليا للرقابة المالية قبل الصرف، إلى ما تم صرفه من تمويل ذاتى فى حفر قناة السويس الجديدة، والذى يبلغ نحو 27 مليار جنيه، جمعها المصريون للاستثمار فى حفر القناة من خارج الجهاز المصرفى، بحسب تقديرات وزارة المالية والبنك المركزى الرسمية، مما يحتم إطلاع المستثمرين فى شهادات استثمار قناة السويس على استخدامات أموالهم، لا سيما مع وجود ضمانة للخزانة العامة لهذه الأموال وهو ما يعنى أن وجود أى تقصير فى توفير فوائد هذه الشهادات سيتم تدبيره من الخزانة العامة.
ويرجع التاريخ القريب لأحداث قضية الوحدة المحاسبية لهيئة قناة السويس إلى عام 2013، عندما فجّر أحد المواقع الإلكترونية عدم وجود وحدة محاسبية بالهيئة، رغم مخاطبة وزارة المالية لها.
وعقب هذا التاريخ، أصدرت وزارة المالية فى نفس العام دليلها الموحد للمحاسبة الحكومية وأرفقت به فهرسا شاملا للوحدات المحاسبية على مستوى الجمهورية، والتى تضم 3500 وحدة محاسبية، من بينها وحدة لهيئة قناة السويس.
أما التاريخ القديم للقضية فيعود إلى عام 1981، عندما صدر قانون المحاسبة والمراجعة الحكومية رقم 27، والذى أخضع كل أجهزة الدولة للرقابة المالية قبل الصرف، لتظل الهيئة مخالفة لهذا القانون حتى صدور الحكم القضائى بإخضاعها عام 1994، لتصبح الهيئة منذ ذلك الحين متهربة من تنفيذ حكم قضائى أيضا.
ولفهم كيفية حصول الهيئة على مخصصاتها المالية من الخزانة العامة، يجب ذكر أن الهيئات الاقتصادية بشكل عام لا تسحب مخصصاتها المالية بصفة منتظمة من حساب الخزانة الموحد لدى البنك المركزى، لأنها جهات تحقق فوائض مالية يتم الصرف منها طوال العام، وعند اختتام السنة المالية تقوم باحتجاز نصيب الخزانة العامة من الفوائض مقابل الحصول على مصروفاتها.
وعلى سبيل المثال، فإن جملة المصروفات التى أدرجتها هيئة قناة السويس فى موازنة العام المالى الحالى 2015 /2016 بلغت 24.6 مليار جنيه، بينما بلغت جملة الأرباح المحتجزة كفائض للحكومة نحو 19.8 مليار، كما أن الهيئة قدرت الضرائب المستحقة عليها بنحو 2.4 مليار.
وقد حاولت «المال» التواصل مع كارم محمود، رئيس قطاع الحسابات والمديريات الحكومية بوزارة المالية، على مدار شهر كامل، لكنه أكد أنه لا يستطيع الإدلاء بأى تفصيلات دون الرجوع للسفير أيمن القفاص المتحدث الرسمى باسم وزارة المالية، مساعد الوزير.
كما حاولت «المال» التواصل مع القفاص، الذى أبدى عدم اكتراث بتوضيح أبعاد القضية، ولماذا أدرجت الوزارة الوحدة فى الدليل ولم تفعلها، قائلا: «اسألى الوزير وأنا مالى».
وقد حاولت «المال» أيضا التواصل مع الوزير هاتفيا، وعن طريق مكتب الإعلام، كما باءت محاولات الحصول على إيضاحات من هيئة قناة السويس أيضا بالفشل، حيث كرر المحرر الاتصال بالمستشار الإعلامى للهيئة للحصول على إجابات دون جدوى.