■ ثانى أهم مصدر للنقد الأجنبى مرشح للتراجع 5 - %10 فى 2016
■ محمد بدرة: يمكن استيعاب النقص بعد دعم السعودية الأخير
■ هانى توفيق: السوق السوداء بالخارج تقلل «الحصيلة الوافدة»
■ محمد متولى: زيادة متوقعة فى الفجوة التمويلية
■ تامر يوسف: إرجاء الخليج خططه التوسعية والأزمة الليبية يعوقان نموها
■ هيثم عبدالفتاح: لم نصل لمرحلة النزوح الجماعى.. والتراجع فى أضيق الحدود
أمانى زاهر_ نيرمين عباس
اقتصر الحديث طوال الأشهر الماضية بشأن تداعيات تهاوى أسعار النفط عالميًا محليًا على أمرين، هما انخفاض فاتورة استيراد الواردات – مما يعد أمرًا إيجابيًا-، وتراجع قدرة دول الخليج على تقديم المزيد من المساعدات لمصر، غير أن هناك خطرًا أكبر لم يتطرق له أحد يتمثل فى الضغط على رافد رئيسى للدخل الأجنبى، «تحويلات المصريين فى الخارج».
وتهاوت أسعار النفط بشكل عنيف لتبلغ أقل مستوياتها فى 11 عامًا، لتدور حاليًا حول 37 دولارا للبرميل، ليترتب على ذلك إرجاء عدد من الدول الخليجية لخططها التوسعية وتقليص النفقات الاستثمارية، بسبب تراجع إيراداتها، وتسجيل بعضها عجزًا فى الموازنة لأول مرة، إذ بدأت شكاوى مؤخرًا من تسريح شركات بدول خليجية لجزء من العمالة لديها لتقليص النفقات.
وبلغت تحويلات المصريين بالخارج 19.3 مليار دولار بنهاية العام المالى الماضى لتأتى فى المرتبة الثانية من مصادر النقد الأجنبى، بعد حصيلة الصادرات التى سجلت 22 مليار دولار، يليها إيرادات السياحة بنحو 7.4 مليار دولار، ثم الاستثمارات الأجنبية المباشرة بقيمة 6.4 مليار دولار وأخيرا إيرادات قناة السويس التى سجلت 5.3 مليار دولار.
وتشير الإحصائيات إلى وجود نحو 8 ملايين مصرى يعملون فى الخارج، يتواجد %70 منهم فى دول الخليج، بينهم %50 فى السعودية، و%20 فى باقى الدول، مقابل %30 فى أوروبا ودول أمريكا الشمالية.
ومعروف أن دول الخليج داعم أساسى لمصر خلال العامين الأخيرين، إذ ضخت نقدا أجنبيا لإنعاش الاحتياطى النقدى آخرها ودائع بقيمة 6 مليارات دولار خلال أبريل الماضى، كما تجرى الحكومة مفاوضات حاليًا مع السعودية والكويت للحصول على حزمة مساعدات جديدة، إذ وجه العاهل السعودى الملك سلمان بن عبدالعزيز الأسبوع الماضى بزيادة استثمارات المملكة فى مصر لأكثر من 30 مليار ريال أى حوالى 8 مليارات دولار، بالإضافة إلى توفير احتياجات مصر من النفط خلال السنوات الخمس المقبلة.
وتوقع عدد من الخبراء الاقتصاديين والمصرفيين تراجع تحويلات المصريين بالخارج بمعدلات تترواح بين 5 و%10 لاسيما مع استمرار المسار الهابط لأسعار النفط وانعكاسات ذلك على الخطط التوسعية والإنفاقات الاستثمارية للقطاعات الاقتصادية المختلفة بدول الخليج.
ورغم توقعاتهم بتراجع التحويلات فإن البعض يؤكد أن الأمر لم يصل بعد لمرحلة الخطورة، لاسيما أن التداعيات السلبية لم تمتد لفكرة النزوح الجماعى أو تسريح عدد كبير من العمالة على غرار ما حدث فى أزمة ليبيا، مشيرين إلى إمكانية استيعاب التراجع المحدود، خاصة مع استمرار الدعم القوى الذى تقدمه دول الخليج لمصر من خلال المساعدات والمنح النقدية والبترولية.
يأتى ذلك فى الوقت الذى تعانى فيه الدولة من تحديات جمة فى توفير العملة الأجنبية، لاسيما بعد حادث سقوط الطائرة الروسية فى شمال سيناء وتكبد القطاع السياحى خسائر شهرية مباشرة بنحو 2 مليار جنيه شهريًا، بالإضافة إلى خسائر غير مباشرة تقدر بنحو 700 مليون إلى مليار جنيه، تبعًا لتصريحات سابقة لهشام زعزوع وزير السياحة.
كما تتراجع فى الوقت نفسه إيرادات قناة السويس منذ أشهر، على خلفية تباطؤ التجارة العالمية، وأظهرت بيانات هيئة قناة السويس الأربعاء الماضى، انخفاض إيراداتها فى نوفمبر بنحو %4، لتصل إلى 408.4 مليون دولار فى نوفمبر مقابل 449.2 مليون دولار فى أكتوبر، لتسجل بذلك أدنى مستوياتها منذ فبراير عندما بلغت 382 مليون دولار.
من جهته، قال تامر يوسف، رئيس قطاع الخزانة بأحد البنوك الأجنبية، إن تحويلات المصريين بالخارج مهددة بالتراجع خلال الفترة المقبلة إثر استمرار تدهور أسعار النفط ووصولها لأقل مستوى منذ عام 2008 واتجاه دول الخليج لتقليص نفقاتها وإرجاء توسعاتها، فضلا عن تأثير عدم الاستقرار السياسى فى ليبيا التى كانت من أهم الأسواق للعمالة المصرية.
وتوقع تراجع تحويلات المصريين بالخارج بمعدل يترواح بين 5 و%10 خلال العام المقبل، مستندًا إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادى المتوقعة بدول الخليج واضطراراهم مؤخرًا إلى تأجيل عدد من الخطط التوسعية التى كان من المزمع تنفيذها خلال الأجلين القصير والمتوسط، علاوة على بدء بعض القطاعات فى تنفيذ خطط تقشفية بسبب تراجع التدفقات النقدية من البترول.
واستبعد اقتراب تحويلات المصريين بالخارج من أعلى نقطة سجلتها خلال السنوات الماضية والبالغة 20 مليار دولار، إذ ترجح المؤشرات استمرار المسار الهابط لأسعار النفط خلال الأجلين القصير والمتوسط، وهو ما يلقى بظلاله على التدفقات النقدية لدول الخليج وقدرتها على استقطاب عمالة جديدة، خاصة مع دخول العمالة الأسيوية كمنافس قوى لنظيرتها المصرية خلال السنوات الماضية.
وأضاف أن تحويلات المصريين بالخارج المتدفقة للسوق المحلية تأثرت بعوامل أخرى خلال الفترة الماضية مثل نشاط السوق الموازية فى أسواق خارجية أبرزها دبى، مشيرًا إلى أن بيع بعض المصريين ما فى حوزتهم من عملات أجنبية خارجيًا انعكس على تراجع حصيلة التدفقات الواردة إلى مصر، مبديًا صعوبة قياس قيمة تلك الأموال، لاسيما أن البنك المركزى لم يفصح عن أرقام التحويلات الخارجية خلال النصف الأول من العام المالى الحكومى الجارى.
ولفت إلى أن حصيلة بيع تحويلات المصريين بالخارج فى البنوك المحلية كانت تحسنت فى أواخر العام المالى الماضى، إثر تنفيذ قرار الحد الأقصى للإيداع الدولارى بواقع 10 آلاف دولار يوميا و50 ألف شهريا فى فبراير الماضى، وما تبعه من القضاء على التعاملات فى السوق الموازية إلى أن بدأ المتعاملون الالتفاف على القرار عبر تدشين أسواق موازية خارجية، وعاودت السوق السوداء المحلية النشاط مرة أخرى.
وأكد أن المشكلة الآن هى أن معظم حصيلة تحويلات المصريين بالخارج المتدفقة إلى الداخل، يتم بيعها بالسوق الموازية وليس داخل البنوك المحلية وذلك للاستفادة من فارق السعر مع إشارته إلى أن البنوك الحكومية، مثل الأهلى ومصر لايزالان يستحوذان على النسبة الأكبر من الحصيلة التى تباع داخل القطاع المصرفى، والتى ارتفعت حاليًا مقارنة بنفس الفترة من العام الماضى.
وأوضح أن بعض الأفراد ذوى التحويلات الصغيرة بقيمة 100 أو 200 دولار لا يفرق كثيرًا لهم الفرق بين أسعار السوقين الرسمية والموازية كونها بضعة من الجنيهات، مشيرًا إلى أن أصحاب المبالغ الكبيرة نسبيًا هم الأكثر نشاطًا فى السوق الموازية للعملة.
ومن جانبه، قال هيثم عبدالفتاح، رئيس قطاع الخزانة ببنك التنمية الصناعية والعمال، إنه سيكون هناك تأثير على تحويلات المصريين بالخارج جراء تداعيات تراجع أسعار النفط على دول الخليج، مع توقعه أن تكون التأثيرات فى أضيق الحدود سواء هبوطًا أو صعودًا، مشيرا إلى أن معظم العاملين بدول الخليج لاسيما السعودية يعملون فى قطاعات غير نفطية كالطب والمقاولات والمحاسبة، والتى تعد أقل ضررًا من قطاع البترول، متابعًا أن الإنفاق الاستثمارى للمجالات غير البترولية سيتأثر بوتيرة أقل.
وأوضح أن الأمر لم يصل بعد لمرحلة النزوح الجماعى كما حدث عقب أزمة ليبيا رغم أن هناك عددا من الحالات الفردية والقليلة لتقليص النفقات عبر تسريح العمالة، لافتا إلى أن انعكاسات أزمة النفط ستظهر بوضوح فى عدد العمالة المستقبلية وليس الحالية الأمر الذى يرشح قيمة تحويلات المصريين بالخارج للتحرك عرضيًا الفترة المقبلة.
واستبعد تسريح عدد كبير من العمالة المصرية من السوق السعودية التى تستحوذ على النسبة الأكبر من العمالة، لاسيما بعد المساندة الأخيرة التى أعلنتها المملكة لمصر ووعدها بتوفير الاحتياجات البترولية لها خلال السنوات الخمس المقبلة إلى جانب مضاعفة استثماراتها محليًا.
وقال محمد متولى، نائب رئيس مجلس إدارة شركة «إتش سى للاستثمارات المالية»، إن أهم ما يجب التطرق إليه حاليًا هو تحويلات المصريين فى الخارج، ومدى تأثرها بما يحدث بدول الخليج جراء التراجعات العنيفة لأسعار البترول، مضيفا مصر تتحصل على نحو 20 مليار دولار سنويًا من تحويلات المصريين فى الخارج، وبذلك تعد تلك التحويلات المصدر الأول للنقد الأجنبى، وتسبق السياحة التى تأثرت مؤخرًا بكارثة طائرة الركاب الروسية، ودخل قناة السويس.
وأوضح أن بيانات البنك المركزى لا تُفصّل مصادر التحويلات، وإنما تكتفى بذكر الرقم إجمالًا، غير أن هناك اعتقادًا بأن أغلبها وافد من دول الخليج، وهو أمر إن صح قد يعنى هبوطًا محتملًا فى تلك التحويلات.
وتابع: إذا قلت التحويلات لمستوى ما قبل 2011 عند 10 مليارات دولار، فذلك الأمر قد يعنى اتساع الفجوة التمويلية من 6 إلى 16 مليار دولار، وذلك فى الوقت الذى تعانى فيه مصادر الدخل الأجنبى الأخرى، مما قد يفاقم من أزمة الدولار.
ويرى هانى توفيق، الخبير الاقتصادى، أن ما تعانيه دول الخليج من انخفاضات متتالية بأسعار البترول سينعكس على مصر بأكثر من صورة، أولها تراجع الاستثمارات الخليجية، فضلًا عن أن نسب تشغيل المصريين بالدول الخليجية ستقل، وبالتبعية ستتراجع معها التحويلات النقدية الأجنبية من قبل العاملين فى الخارج.
وأشار إلى أن نشاط السوق السوداء للعملة خارج مصر وتحديدا فى دبى، والتى يلجأ لها المصريون للحصول على نقد أجنبى من العاملين بالخارج، بدلًا من السوق المحلية، سيكون له دور أيضًا فى تقليل التدفقات النقدية الوافدة من التحويلات، لأن جزءًا كبيرًا من النقد لن يدخل بالأساس، وإنما سيستبدل من الخارج.
وكانت "المال" كشفت خلال أكتوبر الماضى أن تطبيق قرار الحد الأقصى للإيداع الدولارى دفع عددًا من المستوردين والمتعاملين فى أسواق الصرف لتلبيلة احتياجاتهم عبر خلق سوق سوداء للعملة بدول عديدة، أبرزها الإمارات العربية المتحدة ، والصين وتركيا، اعتمادًا على أموال المصريين بالخارج.
وينص قرار الحد الأقصى للإيداعات الأجنبية، على عدم السماح بإدخال "كاش" للجهاز المصرفى يتعدى 10 آلاف دولار يوميًّا، و50 ألفًا شهريًّا.
وفى ظل بحث المستوردين عن منفذ جديد للحصول على النقد الأجنبى، توسعت بعض شركات الصرافة بالخارج، لا سيما فى دبى، باستقطاب أموال المصريين فى الخارج، عبر الحصول على الدولار والعملات الأجنبية الأخرى، بقيمة تصل إلى 8.25 أو 8.5 جنيه، على أن يتم بيع الحصيلة الدولارية للشركات والمستوردين، كما نشطت الفكرة نفسها فى الصين وتركيا، على خلفية زيادة حجم التبادل التجارى مع البلدين، إذ يصل عجز الميزان التجارى مع الصين إلى 10 مليارات دولار.
فى المقابل، يؤكد محمد بدرة، الخبير المصرفى، أن تداعيات تراجع أسعار النفط محدودة على تحويلات المصريين بالخارج، لاسيما أنها لن تؤثر على العمالة القائمة بشكل كبير، وإنما قد تظهر انعكاساتها فى تراجع الطلب المستقبلى على العمالة، الأمر الذى يشير إلى أن التحويلات قد تستمر عند مستوياتها الحالية، مشيرا إلى أن معظم العاملين بالخارج يقومون بتحويل أموال لذويهم فى مصر بغرض الإنفاق الاستهلاكى وليس للادخار، وهو ما يشير إلى أن هذه التحويلات ضرورية.
وقال إن تراجع أسعار النفط له انعكاسات سلبية أخرى عالميا، لا سيما فيما يتعلق بالسندات الأمريكية، والتى تهدد الاقتصاد العالمى بموجة من الانكماش، مرجحًا أن يكون هذا دافع الفيدرالى الأمريكى لرفع أسعار الفائدة.
وأضاف أنه حتى فى حالة حدوث تراجع طفيف فى تحويلات المصريين، فهناك إيجابيات أخرى تعوض ذلك الانخفاض، ومنها تراجع قيمة الواردات البترولية، فضلا عن إعلان المملكة السعودية عن تقديم دعم جديد لمصر.
فى سياق موازٍ، توقع صندوق النقد الدولى حدوث تأثير سلبى محدود لتراجع أسعار النفط على تحويلات العاملين فى بلدان مجلس التعاون الخليجى، وذلك على المدى القريب، مشيرا فى أحدث تقرير من سلسلة «آفاق الاقتصاد الإقليمى»: من الممكن أن يؤثر تباطؤ النمو فى بلدان مجلس التعاون الخليجى على تحويلات العاملين فى الخارج والودائع المصرفية لعدد من البلدان المستوردة للنفط، ومن بينها مصر، بجانب تأثيره على أسواق الائتمان المصرفى والنقد الأجنبى.
وأضاف الصندوق أن تحويلات العاملين تشكل مصدرا مهما للدخل فى مصر والأردن، وأن منطقة الخليج واحدة من أكبر مصادر تحويلات الوافدين على مستوى العالم، مشيرا إلى أن نحو 29 مليون عامل أجنبى فى الخليج، أرسلوا إلى أوطانهم العام الماضى أكثر من 100 مليار دولار.
وأوضح الصندوق أن %70 من تلك التحويلات تذهب إلى مصر والأردن، ما يعادل من 5 إلى %7.5 من إجمالى الناتج المحلى للبلدين، لافتًا إلى أن تباطؤ تدفقات تحويلات العاملين مرهون بإجراء الخليج عمليات تصحيح للأوضاع المالية العامة، أو حال فرضها ضريبة خاصة على تحويلات العاملين الأجانب.
