محللون: إجراءات خفض الأسعار «مسكنات» لمرض مزمن

<div><span style="line-height: 18.5714px;">محللون: إجراءات خفض الأسعار &laquo;مسكنات&raquo; لمرض مزمن<br /> </span></div> <br /> <div><span style="line-height: 18.5714px;"><br /> </span></div

■ أثرها قصير الأجل.. ولدينا مشاكل هيكلية مثل ضعف المنظومة وقلة المنافسة

نيرمين عباس

يومان فقط وينقضى شهر نوفمبر، الذى وعد الرئيس بخفض الأسعار بنهايته، حيث ينتظر المصريون بكل شرائحهم بصبر بالغ تحقق ذلك الوعد، بعد أن حرقتهم نار الأسعار التى خرجت عن السيطرة تماماً على مدار الأشهر الماضية.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسى قد قال فى كلمة له مطلع الشهر الحالى، إن مشكلة الأسعار لم تغب عنه طوال الفترة الماضية، مضيفا: «إوعوا تتصوروا إنه يغيب عنى ارتفاع الأسعار.. أنا واحد منكم أعرف كويس الظروف الصعبة للناس، وعارف عايشين إزاى، وإن شاء الله آخر هذا الشهر هتكون الدولة خلصت تدخلها لخفض الأسعار بشكل مناسب، واللى هيوفر طلبات الناس من السلع الأساسية، هو الدولة والقوات المسلحة التى ستفتح منافذ للسلع الأساسية.. واللى عنده حاجة يصرفها.. لأننا لن نسمح بزيادة الأسعار.. وهنشوف تحسن ملحوظ إن شاء الله».

وأضاف السيسى: «يمكن أن تكون مشكلة الدولار خلال الشهور الماضية ساهمت فى ارتفاع أسعار بعض السلع خاصة الأساسية، لكن إن شاء الله خلال الفترة القادمة، سيتم توفير السلع بنفقات مخفضة».

وجدد الرئيس وعده أمس خلال كلمته بإفتتاح مشروع شرق القناة حيث قال: إنه مازال عند وعده بإنهاء أزمة الأسعار خلال ديسمبر، موضحاً أن هناك عدة منافذ ثابتة ومتحركة تباع بها السلع، كما تعهد بتوزيع 1٫5 مليون صندوق السلع الأساسية على المناطق الأقل دخلاً فى أقرب وقت.

وكشف البنك المركزى مطلع الشهر الحالى عن ارتفاع معدل التضخم الأساسى السنوى إلى 6.26% نهاية أكتوبر مقابل %5.55 فى سبتمبر، وذلك على الرغم من استقرار أسعار معظم السلع الغذائية دون تغيير، وفقاً للتحليل الشهرى للتضخم الصادر عن المركزى، كما صعد المعدل الشهرى للمؤشر %1.23 مقارنةً بزيادة %0.79 خلال نفس الفترة.

وقال «المركزي» إن الرقم القياسى العام لأسعار المستهليكن والمعد من جانب الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء ارتفع أيضاً بنحو %2.17 مقابل زيادة بـ %2.47 نهاية سبتمبر الماضى، كما وصل التضخم السنوى العام إلى %9.70 نهاية أكتوبر، مقارنةً بـ%9.21، ويعتبر ذلك أعلى من متوسط المعدلات الشهرية خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2015.

واستنفرت عدة وزارات مثل التموين والزراعة جهودها على مدار الأسابيع الماضية لتنفيذ تعليمات الرئيس، حيث طُرحت وجبات بسعر 30 جنيهًا بالمجمعات الاستهلاكية، كما افتتحت القوات المسلحة منافذ عدة لبيع منتجات بأسعار أقل، فضلاً عن الإعلان طرح لحوم بسعر منخفض لمواجهة الغلاء.

وتستطلع «المال» آراء عدد من محللى الاقتصاد الكلى بشأن جدوى الإجراءات التى تتخذها الحكومة على معدلات التضخم خلال الفترة المقبلة، ومدى إمكانية انخفاض الأسعار بنهاية الشهر، فضلاً عن أثر رفع الجنيه الذى تم منذ أسابيع على التضخم، وتداعياته على الشركات أيضاً.

أجل الإجراءات يتراوح بين 3 إلى 6 أشهر

بداية، قال هانى جنينة، رئيس قسم البحوث بشركة فاروس المالية القابضة، إن هناك شركات كثيرة كشفت على مدار الأسبوعين الماضيين عن اتجاهها لرفع أسعار منتجاتها مثل السيارات والعقارات، مضيفاً أن هناك من اعتمد موازنته للعام الجديد بناء على سعر صرف للدولار عند 9 جنيهات، بينما ذهب آخرون إلى 9.5 جنيه.

وتابع: شركة مثل «جى بى أوتو» رفعت سعر السيارة «فيرنا»، بينما يستعد آخرون بقطاعات مختلفة لزيادات تتراوح بين 10 إلى %20، الأمر الذى قد يدفع معدلات التضخم لأعلى خلال الفترة المقبلة.

وتطرق جنينة إلى قطاع الأغذية الذى تسعى الدولة لكبح جماح التضخم به، وقال إن ما تقوم به وزارة التموين من إجراءات لضبط الأسعار تأثيره مؤقت، فأجل تلك الإجراءات يتراوح بين 3 إلى 6 أشهر فقط.

وتوقع أن تنخفض معدلات التضخم خلال الشهرين المقبلين، إذا ما قام جهاز التعبئة العامة والإحصاء بحساب التضخم بناء على الأسعار المعلنة من جانب «التموين» بالمجمعات الاستهلاكية، خاصة أن أسعار الأغذية تمثل وحدها نحو %40 من المؤشر.

وأكد أن تدخل الحكومة حالياً مناسب، لكن يجب بعدها إجراء إصلاحات هيكلية تستهدف حل أزمة الأسعار جذرياً، مثل خفض سعر الصرف، وإلغاء الدعم، حتى تتماشى الأسعار محلياً مع مستوى الأسعار بدول العالم، فضلاً عن إلغاء سقف الإيداع اليومى والشهرى للدولار بالبنوك.

وقال إن الوقت الحالى مناسب فى ظل وجود عدة مشاكل أولها نقص الدولار، وكذلك ارتفاع قيمة العملة الخضراء أمام كل العملات الأخرى وضعف اليورو، علاوة على انخفاض أسعار البترول عالمياً، بما سيقلل فى المقابل من تداعيات خطوة رفع الدعم على المواطن.

ولفت رئيس قسم البحوث بفاروس إلى أن السوق المصرية لم تكن متمشية أبداً مع نظيرتها العالمية، فى ظل وجود منظومة الدعم، كما أن هناك عوامل أخرى تحكمها مثل التنافسية، ففتح المنافسة بقطاع منتجات الألبان أدى لتخفيض الأسعار أو عدم رفعها على الأقل، بينما هناك منتجات أخرى يرتفع سعرها عن المستوى العالمى مثل الحديد لتجنب تكبد الشركات المحلية خسائر.

وأوضح جنينة أن الخطوة المفاجئة التى اتخذها البنك المركزى منذ نحو شهر برفع قيمة الجنيه أمام الدولار بقيمة 20 قرشًا لم تحدث أثراً كبيراً، كما أنها لم تؤد لوفرة بالدولار، فالشركات حصلت على حاجتها من العملة من مزادات «المركزى»، وآخرها المليار دولار التى ضخها الشهر الحالى.

وكان البنك المركزى قد قام بإجراء مفاجئ أربك السوق بأكملها منذ عدة أسابيع، حيث رفع قيمة الجنيه أمام الدولار لأول مرة منذ عامين بقيمة 20 قرشًا، ليصل الدولار إلى 7.83 جنيه بالبنوك مقابل 8.3 جنيه، وهو ما أرجعه محللون وقتها إلى رغبة المركزى فى إرباك المضاربين، ودفعهم للتخلى عما بحوزتهم من دولار، فضلاً عن وقف الدولرة.

وتبع ذلك رفع الفائدة على شهادات الادخار من جانب بنوك حكومية بـ 2.5 نقطة مئوية دفعة واحدة، وتبع ذلك بنوك أخرى بنسبة وصلت إلى 3 و%4 لجذب مدخرات الأفراد، ودفعهم أيضاً لتحويل الدولارات المخبأة لديهم إلى جنيه.

وأشار جنينة إلى أن سعر الدولار بالسوق السوداء عاود الارتفاع مجدداً ليصل إلى نحو 8.60 جنيه، رغم خطوة رفع الفائدة على شهادات الادخار، حيث إن أغلب حائزى الدولار على علم بنقصه بالسوق، ما يدفعهم لمواصلة الاحتفاظ به لخوفهم من عدم القدرة على شرائه بسهولة مجدداً.

وقال إن الدولة بحاجة لتمويل قوى بالدولار بخلاف قرض البنك الدولى، وذلك بقيمة تتراوح بين 4 و5 مليارات دولار، لتوفير العملة بالسوق بالتزامن مع موجة الخفض المحتملة للعملة.

أسعار السلع الاوروبية لم تنخفض

رغم تراجعات اليورو

وفى سياق متصل، قال محمد أبوباشا محلل الاقتصاد الكلى بالمجموعة المالية هيرميس إن تدخل الدولة لضبط الأسعار يعتبر امتدادًا أو توسعًا فى منظومة الدعم، فهو شبيه ببطاقات التموين وكروت الخبز،متابعاً: عندما تنافس الدولة بمناقصات عالمية تستطيع الحصول على أسعار أفضل، كما تقوم فى الوقت نفسه ببيع السلع للمستهلك بأرخص من قيمة شرائها.

وأوضح أن «التموين» قامت بطرح وجبة بقيمة 30 جنيهًا بالمجمعات الاستهلاكية، وكذلك أعلنت الهيئة العامة للسلع التموينية عن تدخلها بطرح سلع مثل اللحوم عبر الدخول فى مناقصات لشرائها، وطرحها بأسعار أقل، لكن لم يتضح حتى الآن مدى إقبال المواطنين على الوجبات المطروحة بالمجمعات الاستهلاكية، كما لم تظهر ملامح سياسات بعينها طويلة الأجل بما يشير إلى أن الإجراءات المتخذة مؤقتة وليس مستدامة.

وتابع: تدخل الدولة لضبط الأسعار مطلوب من وقت لآخر، غير أنه لا يمكننا فى الوقت نفسه الجزم بحدوث انخفاض مرتقب فى الأسعار، لأن الإجراءات التى اتخذتها الحكومة مثل طرح وجبات بالمجمعات الاستهلاكية لم يمر عليها وقت طويل، مرجحاً أن ينعكس ذلك على أرقام التضخم بنهاية ديسمبر.

وأشار إلى أنه فى بعض الأحيان يكون هناك خلل بالسوق، وتقوم الدولة من جانبها بمحاولة لضبط إيقاع الأسعار، دون أن يكون الهدف إحداث تغيير هيكلى بالسوق أو بدرجة المنافسة، واستكمل: المنافسة عنصر أساسى، فحين تزداد حدتها تستقيم الأسعار بالتبعية، والعكس صحيح، وما يحدث بمصر أن الأسعار غالباً تتحرك صعوداً ولا تعاود الهبوط فى ظل ضعف المنافسة.

واستشهد محلل الاقتصاد الكلى بالمجموعة المالية «هيرميس» بأسعار منتجات الألبان والزبادى، قائلًا: عندما هبط سعر لبن البودرة عالمياً دفع ذلك الشركات لتقديم تخفيضات بمواسم مثل رمضان، لأن القطاع يشهد منافسة قوية من عدة كيانات.

وتطرق أبوباشا إلى أن السبب الرئيسى فى ارتفاع التضخم خلال الأشهر الماضية هو أسعار الخضراوات، موضحاً أنه بخلاف قلة المنافسة يوجد سبب هيكلى آخر وهو «الإهدار»، مستكملاً: لم يحدث تطور بمنظومة الإنتاج والنقل يواكب الزيادة المطردة بالطلب أو الاستهلاك، ففى الوقت الذى زاد فيه الطلب على خلفية التوسع فى عدد المطاعم ومنافذ البيع المتنوعة، ظلت فيه آليات الإنتاج ونقل السلعة كما هى دون تغيير.

وتابع بأن المنظومة الحالية تتسبب بشكل أساسى فى زيادة التكلفة، حيث يوجد حلقات متعددة تمر بها السلعة منذ إفراج المزارعين عنها وحتى وصولها للأسواق، بما يؤدى بالنهاية لتحميل المنتج النهائى تكلفة أعلى، مضيفاً أن ذلك الأمر كان محتملاً من سنوات مع قلة الطلب، بينما حالياً مع زيادة عدد السكان وتطور أنماط الاستهلاك بات المعروض غير كافٍ.

وقال إنه حتى مع تفعيل الرقابة، فلن يكون الأمر ذا جدوى إذا لم يتم حل المشاكل الهيكلية المذكورة.

وتطرق إلى خطوة رفع سعر صرف الجنيه أمام الدولار، قائلا إنها لم تؤثر حتى الآن لأن المتعاملين والشركات يرونها مؤقتة، كما أن زيادة الجنيه بقيمة 20 قرشًا تعد بسيطة.

وأشار إلى أن اليورو هو الأكثر لفتاً للانتباه من الدولار، إذ انخفضت قيمته من قرب 10 جنيهات بمنتصف 2014 لتتراوح حالياً إلى 8.40 إلى 8.60 جنيه، وهو ما لم ينعكس على الأسعار، رغم أن هناك سلعًا كثيرة يستوردها تجار محليون من دول أوروبا مثل السيارات وأجهزة كهربائية وبعض المنتجات الغذائية.

وأرجع أبوباشا ذلك إلى المنافسة أيضاً، فلا يمكن إجبار المستورد على سعر بيع معين طالما أن ظروف السوق تسمح برفع السعر، مؤكداً أن المنافسة هى القادرة على ضبط الأسعار فى تلك الحالات.

ورأى هانى فرحات، الخبير الاقتصادى بشركة سى آى كابيتال للاستثمار، أن خطوة تدخل الحكومة لضبط أسعار السلع الأساسية مهمة للغاية، لافتاً إلى أنها ستساهم بقدر جيد فى خفض الأسعار.

وأضاف أن هناك سببًا رئيسيًا فى زيادة معدلات التضخم مؤخراً، وهو أسعار الخضراوات والطعام بشكل عام، لافتاً إلى أن الحكومة تسعى لاستعادة دورها فى ضبط الأسواق، خاصة مع انخفاض أسعار السلع عالمياً، وجشع التجار المحليين الذى كان له دور فى عدم تمرير ذلك الانخفاض للسوق المحلية على مدار الأشهر الماضية.