البيئة تجمع 279 ألف طن فقط من إجمالى 1.3 مليونا
عاملون بالمنظومة: غياب «الإرشاد» يصعب المهمة
آية رمزى وتصوير وليد عبدالخالق
على طول الطريق المؤدى إلى القرية الزراعية الصغيرة «طوخ» التابعة لمركز أبو كبير بمحافظة الشرقية، تتناثر بقع سوداء بالمساحات الذهبية للأراضى، خلّفتها حرائق الفلاحين لقش الأرز، بينما يتكوم القشّ بمساحات أخرى منتظرًا مصيرًا أفضل، إمّا باستغلاله كعلف لمواشى أصحاب الأرض، أو تسليمه لمتعهدى وزارة البيئة المنوط بِهم جمع القش من الفلاحين، لاستغلاله وإنقاذ السّماء من السّحابة الشّهيرة.
ولكنّ الأكوام لا تنتظر كثيرًا، فإن لم يستخدمها المزارع لتلبية احتياجاته من العلف الحيوانى، سيبادر بحرقها فى حال تأخر المتعهّد بالجَمع فى الوصول إليه، فهو غير مستفيد على أى حال.
فقد تكون جرأته بالتعرّض لدفع غرامة تتراوح ما بين 5 آلاف حد أدنى تصل إلى 100 ألف جنيه، سببها عدم توافر سيولة كافية لديّه لنقل طن القش بحوالى 50 جنيها من مكانه إلى أى مركز تجميع رسمى تابع لوزارة البيئة.
وبالرغم من حالات الحرق التى شُوهدت بالمحافظة فى جولة «المال» بالقرية، فقد أكد عدد من المزارعين والعاملين بالمنظومة من أبناء المحافظة تراجع حالات الحرق عن الأعوام الماضية، بما يتجاوز %50، وهو ما أكدته الوزارة فى بيانها لعرض نتائج موسم الحرق كاشفة أن مؤشرات الإدارة العامة للهواء بقطاع نوعية الهواء بوزارة البيئة خلال شهرى سبتمبر وأكتوبر أظهرت انخفاضًا للحمل البيئى على الأجواء مقارنة بالعام الماضى.
وعزت الوزارة ذلك إلى نجاحها، وفقًا لوصفها، فى تحويل 123762 طن قش أرز، إلى سماد وأعلاف من خلال برنامج المزارع الصغير بتحقيق المستهدف بنسبة %82، وجمع وكبس 155436 طن من خلال شركات التجميع والمتعهدين بالجمع بنسبة تحقيق حوالى %45 من إجمالى المستهدف.
وكان وزير البيئة قد قال فى وقت سابق إن وزارته تضع كل إمكانياتها لمواجهة نوبات تلوث الهواء «الحادة» خلال موسم حرق قش الأرز، وتواجه حرق نحو مليون و300 ألف طن من القش سنويا.
ومع ما أعلنت البيئة إنجازة فى جمع القش، اعترض قياديون بنقابة الفلاحين وخبراء زراعيون على طريقة إدارة المنظومة، والتى همّشت مشاركة الفلاح فى الاستفادة من عوائد الاستثمار الرّابح فى المُخلّف الذى يدخل فى العديد من الصناعات، واقتصاره على المتعهدين بالجمع القادرين على شراء معدات ذات مبالغ ضخمة، وفقًا لقولهم.
يدخل القش فى صناعات على رأسها صناعة الورق، وصناعة الأسمدة والأعلاف، فضلًا عن توليد الطاقة من احتراقه.
إلى ذلك فأجمع عدد من المزارعين فى جولة لـ»المال» بأهالى مركز أبو كبير بمحافظة الشرقية، على تراجع نسب حرق القش بشكل ملحوظ عن السنوات الماضية، فيما طالب عاملون بمنظومة الجمع بضرورة تعاون وزارة الزراعة عبر توفير الإرشاد الزراعى الكافى لتوعية المزارعين بالتراجع عن الحرق.
ومن المقرر أن تعقد وزارة البيئة مؤتمرًا صحفيًا السبت القادم لإلقاء الضوء على جهود الوزارة فى مكافحة السحابة السوداء تحت عنوان «2015.. بداية نهاية السحابة السوداء» بحضور عدد من الوزراء والمحافظين المعنيين بمنظومة قش الأرز.
تحويل القش كعلف للماشية للهروب من الغرامة
فى أحد المساحات الذهبية تِلك من القرية الصغيرة يقف صاحب أرض أمام أحد الجرارات دافعا القش إلى أحد ماكينات الفرم التى تحوّله بدورها إلى علف للماشية، بينما ينتظر دوره فى استخدام الماكينة مالك أرض أخرى بِجواره.
يقول محمد عمر، صاحب ماكينة الفرم، إنّه ساعد عددًا كبيرًا من الفلاحين فى تحويل قش الأرز المخلف من زراعتهم إلى «تبن» لاستخدامه كعلف للماشية، موضحًا أنه قام بتحويل قش لحوالى 30 فدانًا من أراضى الفلاحين إلى تبن، بنسبة تقدر بحوالى %50 من المزارعين الموجودين بالمحافظة.
ويوضّح عمر أنه ربّما أسهم إقبال الفلاحين على الاستفادة من القَشّ فى خفض من معدلات حرقه، والذى رأى صاحب الجرار وأحد قاطنى القرية أنه قلّ بمعدل حوالى %75 من السنوت القادمة، مرجعًا ذلك إلى انتباه الفلاحين لقيمة القش الغذائية للماشية.
وتابع أنّ الاستفادة المباشرة من القش تُعد أكثر فاعلية من انتظار المزارعين لأحد متعهدى الجمع ليقوم بجمع القش من أرضه، قائلًا: «الفلاح مش هيستنى لما المتعهد ييجى، الفلاح عاوز يزرع أرضه وخلاص».
يُعَد استغلال قش الأرز كعلف للماشية ثقافة قديمة توفرت أدواتها مؤخرًا، فوفقًا لصاحب الجرار، لم تكن ماكينات الفرم متوفرة السنوات الماضية، ولكن زيادة الطلب عليها جعلها على رأس اهتمامات بعض مصنعى الماكينات الموجودين بالقرية.
ورجّح عُمر أن يكون زيادة الطلب ناتج عن تفادى غرامة حرق القش التى تصاعدت العام الحالى لتبدأ من 5 آلاف جنيه إلى 100 ألف جنيه، بعدما كانت لا تتعدى 1000 جنيه السنوات الماضية، وسببًا فى تراجع نسب الحرق أيضًا
وحذّر وزير البيئة الدكتور خالد فهمى مرارًا فى زياراته لمحافظات الدلتا المختلفة، من أن العقاب سيكون رادعًا فى حال اكتشاف حالات حرق العام الحالى، لافتًا إلى أن الفلاح لم يعد لديه ما يضطره للحرق فى حين وفرت البيئة الأدوات الآمنة للتخلص منه.
وأعلنت الوزارة فى مستهل الموسم الذى يبدأ فى أكتوبر وانتهى فى 15 نوفمبر الحالى، أنّها فتحت باب التقدّم لشباب الخريجين والمتعهدين القدامى من قرى محافظات الدلتا الزارعة للأرز، للتقدم للوزارة لتوفر لهم الأدوات اللازمة للتغطية الكافية لجمع القش من المزارعين على مستوى محافظات الدلتا، بالتنسيق مع البيئة.
لا أحد يعلم بمشروع «المزارع الصغير»!
«عبد المنعم جمال» مُزارع لديه 5 أفدنة، كان فى انتظار صاحب ماكينة الفرم من الانتهاء من عمله فى الأرض، لاستئجار ماكينته، لنفس غرض تحويل القش لعلف.
جمال لم تصل إليه أى معلومات حول مشروع المزارع الصغير الذى أتاحت به الوزارة توفير المواد الكيمياوية اللازمة لزيادة قيمة القش، وتمكين الفلاحين من بيعه كعلف وسماد للماشية.
ولفت إلى أن ما يعلمه عن منظومة التخلص من قش الأرز لوزارة البيئة، هو المتعهد الذى يقع مقر جمع القش التابع له على بُعد أمتار من أرضه، موضحًا أن «المتعهد يقوم بجمع القش من الفلاحين ببلاش وبيتصرف فيه حسب ما هو عارف، ده شغله».
كان «جمال» المالك لـ 5 أفدنة كانت مزروعة بالقش، يتخلّص من القشّ عبر حرقه فى السنوات الماضية، لعدم توافر ماكينات الفرم، إلّا أن وجودها مع تشديد العقوبات العام الحالى جعله يتّجه للاستفادة منه.
أجرة ماكينة الفرم وتحويله لعلف «60 جنيها فى الساعة» لا يعتبرها جمال ذات قيمة كبيرة مقابل ما توفره عليه من فارق سعر شراء لتبن الماشية والتى تتراوح قيمته من 200 إلى 300 جنيهًا، فضلًا عن القيمة الغذائية المتوفرة بتبن القش، كما أنّها لا تُذكر أيضًا مقابل الغرامات التى تبدأ من 5 آلاف.
وتوقّع المزارع بقرية طوخ، أن تختفى ظاهرة السحابة السوداء المتسببة بها حرائق قش الأرز العام المقبل فى حال توافر الماكينات اللازمة لتحويله لقش، وطالما حضر متعهدو البيئة، إذّ قدّر عدد الذين حرقوا حتى الآن بقريته بما لا يتجاوز %25 من إجمالى الزارعين للأرز.
مزارع ثالث حذا حذوهم بفرم القش الناتج عن نصف الأرض التى يملكها، بينما قرر إعطاء باقى القش لمتعهد الجَمع، تجنّبًا للغرامة، ولتجنب دفع أجرة أنفار لتقوم بجمع القش، إذ يقوم المكبس التابع للمتعهد بحرث القش من الأرض وكبسه فى بالات.
يؤكد، محمد عبدالعال، كزملائه المزارعين على تراجع نسبة القش بما لا يقل عن %80، نتيجة للمنظومة الجديدة التى وفرت المعدات والعمال الجامعين للقش فى جميع أرجاء المحافظة.
متعهدو الجمع يسابقون «عيدان الكبريت»حددت وزارة البيئة مقابلا مادّيًا لمتعهدى الجمع بالمحافظات يبلغ 50 جنيهًا على كل طن يتم جمعه، مما يدفع المتعهدين أن يجوبوا القُرى كى يدركوا القش قبل حَرقه.
ووفرت الوزارة آليتين لإتاحة معدات الجمع من مكابس وجرارات للمتعهدين أولها فتح باب استئجار المعدات اللازمة من وزارة البيئة، وثانيها إتاحة قروض للراغبين فى شراء معدات جديدة، فضلاَ عن تمكينهم من استئجار معدات تملكها الوزارة.
يرى أشرف الكيلانى، أحد المتعهدين بالمركز، أن ذلك المقابل لا يُقارن بما يَجنيه من استثماره بالقش فيما بَعد.
لدى الكيلانى 6 مواقع للقش موزعين على مستوى محافظة الشّرقية بمراكز أبو حماد وديرب نجم، وكفر صقر، وأبو كبير والمسلمية والزقازيق»، جمع بها ما يقرب من 10 آلاف طن قش، قبل 10 أيام من انتهاء الموسم.لم تكن المرة الأولى له فى التعامل مع وزارة البيئة بالمنظومة إذ إنّه عمل معهم طوال السنوات السابقة فى نفس المنظومة والتى لم تكن بنفس التنظيم، موضحًا «تقدمت لوزارة البيئة لطلب المشاركة فى الجمع وعقدت بدورها عدة اجتماعات معى والمتعهدين الآخرين لمعرفة مطالبنا بحضور رئيس شئون البيئة أحمد أبو السعود، وفاطمة محسن مساعد الوزير للاستثمار».
كان ينقص كيلانى عددًا من المعدات والمكابس والتى ساعده على توفيرها قرض الصندوق الاجتماعى للتنمية الذى أتاحته الوزارة، فقام بشراء جرار ومكبس من خلاله، بمبلغ حوالى 350 ألف جنيه، يسددهم على 6 سنوات بفائدة 4% فقط، فضلًا عن تعاقد إضافى لجرار وسيارة أخرى قال إنه كان سيحصل عليها خلال أيام.الموقع الذى زارته «المال» لم يكُن مخططا لافتتاحه، ولكنّ المتعهد افتتحه بناء على طلب مباشر من شئون البيئة لارتفاع كميات قش الأرز الناتجة من الأراضى بأبو كبير.
60 معدة و100 عامل يعمل من خلالهم كيلانى على جمع القش فى الـ 6 مواقع التابعة له بمحافظة الشرقية، منهم 5 مكابس و 6 جرارات قام بتأجيرهم من وزارة البيئة.
يجمع المتعهد القش من المزارعين من خلال مكابسه المنتشرة فى أرجاء المحافظة، ويستلم القش بدوره ويجمعه ومن ثم يورّده بنفسه للمعالف والمفاحم وعدد من الشركات الأخرى والمجالات التى تستغل قش الأرز.
يقول المتعهد أنّه يقوم بتجهيز القش وفقًا لحاجيات الجهة التى يذهب إليها، فيقوم بفرمه قبل توريده لمعالف الماشية، لاستخدامه كعلف، ويتركه كما هو عند توريده إلى المفاحم، وثلاجات البطاطس التى تحتاجه فى تغطيها، ومخازن البصل أيضًا، ومصانع السيراميك.
«القش ده ثروة» هكذا يكرر الكيلانى، طوال حديثه، متحمسًا، ويقول «قش الرز فيه نسبة بروتين أعلى من تبن القمح والشعير وأفضل لأن يكون علفًا للماشية»، المزارعون الذين مازالوا يقومون بحرق القش لا يحتاجون أكثر من توعية فقط بأهمية ما يحرقونه.
ومع قلة وعى البعض، يقول كيلانى إن نسبة حرق القش العام الحالى لم تتعد %1 على مستوى المحافظة، مؤكدًا أن زيادة مراكز الجمع إلى حوالى 125 مركزًا العام الحالى مقارنة بـ 50 فقط العام الماضى، ساهمت فى توصل المزارعين للمتعهدين بسهولة لتسليمهم القش.
يتطلع كيلانى للاستثمار بجميع المخلفات الزراعية الأخرى منها حطب الذرة، ومخلفات القطن، وزعف النخيل وغيرها، مشيرًا إلى إمكانية تحويل تلك المخلفات لخامات يتم كبسها وتوريدها لمصانع الأسمنت لإنتاج الطاقة البديلة «تلك هى الثروة الحقيقيّة والمستقبل»، يقول كيلانى.
وتُغرى الثروة الذهبية من القش المتعهّد فيعلن عن رغبته افتتاح مصنع أسمنت يقوم بتشغيله بطاقة المخلفات الزراعية، من ذرة لحطب لقش لغيرهم، قائلًا: إن الثروة الحيوانية تستخدم %40 من القش كعلف.
المخلفات الزراعية الأخرى هى الأنسب لتلك المصانع من القش الذى تقل نسبة إنتاجه للطاقة عن المخلفات الأخرى، أمثال الحطب الشامى وحطب الذرة، وفقًا للمتعهد.
الزراعة حلقة مفقودة
وبالرّغم من تأكيد توقّعات المزارعين على تراجع نسب حرق القش إلّا أن العاملين على الجَمع، يرون أنه ما زال هناك ما ينقص المنظومة لتؤتى أفضل ثمارها، وهو «توعية الفلاحين، وحثهم على الالتزام بالمنظومة»، فضلًا عن ضرورة زيادة عدد العاملين وزيادة المعدات.
يقول محمد سويلم، أحد العاملين على أحد المكابس لدى أحد المتعهدين منذ سنوات، إنهم يواجهون مشاكل كثيرة بسبب عدم وعى الفلاحين بضرورة تسليم القش وعدم حرقه، مشددا على ضرورة مرافقة المهندسين الزراعيين التابعين للإرشاد الزراعى معهم فى جميع المواقع، لثقة الفلاحين بهم.
ويضيف سويلم «نحن كسائقين للمكابس غير قادرين على إجبار الفلاح على تسليم القش، لكن المهندس يكون له سلطة أكبر».
ويأكد سويلم أن بعض المزارعين يرفضون تسليم القش، ويقومون بحرقه فور مغادرتهم للمنطقة، ظنّا من البعض أنّه مفيد للتربة، مؤكدا أن الإرشاد الزراعى الأجدر على تصحيح مفاهيم الفلاح المغلوطة للزراعة.
لا يرى عاطف أحد العاملين بالمنظومة منذ 20 عامًا، أكثر من ذلك أيضا، إذ يؤكد فاعلية المنظومة قائلًا: «أول مرة يتم الاهتمام بالمنظومة بالشكل ده، ويتابعونا عن قرب زى السنة دى، ويوفرولنا المعدات بالشكل ده»، مضيفًا «إلا أن «الزراعة عاوزينها تمشى معانا شويّة ومستعدين نشتغل بليل وبالنهار».ويُفسّر من جانبه ظاهرة غياب الإرشاد الزراعى محمود العرينى، الأمين العام لنقابة الفلاحين، قائلًا: «غياب الإرشاد الزراعى حدث بسبب غياب الدورة الزراعية الذى قلل من جودة الإرشاد الزراعى، وجعله على هامش أهميّة وزارة الزراعة»، لافتًا إلى أن ذلك سببه عدم توافر خريطة زراعية للبلاد، مناديًا بتنظيم الدورة الزراعية حتى يحصل المشرف الزراعى على الاهتمام المطلوب، ويستطيع توصيل المعلومة الصحيحة للفلاح».
الصحة تؤكد تحسن الأجواء رغم النيران المشتعلة
وأكد الدكتور شريف مكين، وكيل وزارة الصحّة بالشرقية، تراجع نسب حالات الاختناق والأمراض الصدرية التى تتسبب فيها أدخنة الحريق كل عام.
«كل سنة كنا بنتخنق فى بيوتنا السنة دى الحرق قل أكثر من السنين اللى فاتت بمراحل»، يقول مكين، منوّها أنه ليس لديه إحصائيّة بعدد المصابين بالاختناقات إلّا أنه أكد عدم وصول شكاوى من المواطنين كحالهم كل عام واستنجادهم بالمديرية من الحرائق التى لا يكادون يتنفسون بسببها. تؤدى حرائق القش كل عام إلى أزمات صدرية قد تؤدى إلى أزمات قلبية بسبب نقص الأكسجين فى الأجواء.
رأى مكين أنّه ربما يكون سبب نقاء الجو فى تغليظ العقوبات على المزارعين تحت ضغط وزارتى البيئة والزراعة، فضلا عن زيادة الوعى لدى الفلاحين.
فى نفس الوقت يؤكد مدير مديرية الصحّة بالشرقيّة استعدادات المُحافظة بأجهزة علاج الرَبوُ والاستنشاقيّة، والأدوية الخاصّة بعلاج مثل تلك الحالات.
تجاهل واضح للمزارعين
غير ذلك يقول الأمين العام للنقابة إن المنظومة كانت جيّدة ولكنّها كان ينقصها بعض الأشياء الجوهرية التى كانت ستجعلها ذا قيمة أكبر مما كانت عليه، وذا بُعد قومى يُفيد الفلاح.
ويوضح العرينى أن اعتراضه على اعتماد الوزارة على قدامى المتعهدين قائلا: إن نسب الاستعانة بخريجين جدد فى تنفيذ المنظومة لم يتعدى %10 مما قلل من المردود الإيجابى على الفلاحين وأبنائهم من أبناء القرى، وهو ربما ما جعلها أقل فاعلية مما كان يجب أن تكون عليه.
كان من الممكن لنقابة الفلاحين مساعدة مجموعات من الفلاحين فى الاقتراض وشراء المعدات المختلفة اللازمة لجمع القش، مما يمكنهم فيما بعد من تسويقه والاستفادة المباشرة من ذلك عليهم، وفقًا للعرينى.
يؤكد الأمين العام للنقابة أن الفلاح لا ينقصه وعى كما يقول البعض ولكن ينقصه تمويل فقط، وينقصه معدّات لازمة لمشاركته فى المنظومة، والتى لن يتوان فى المشاركة إذا شعر بالاهتمام بِه.
يشاركه فى الرأى المهندس الزراعى ومدير عام نقابة الفلاحين محمد عسل إذ يستنكر عدم توفير حافز للفلاحين للمشاركة فى المنظومة، خاصة فى ظل محدودية عدد المتعهدين والعمال التابعين لهم، والذى لم يساعدهم فى جمع كل كميات القش الموجودة، مستنكرًا إلى جانب ذلك ما رآه من تأخر فى بدء المنظومة.
ويضيف عسل “المزارعون يستعجلون دائما فى التخلص من القش من أجل الزرعة الجديدة، فهو لن ينتظر المتعهد”، مؤكدًا فاعلية المنظومة إذا وفرت المعدات اللازمة للفلاحين ليقوموا بحصد القش بأنفسهم.
يضطر الفلاح، وفقًا لمدير عام النقابة، للاستعجال فى زرع المحصول الجديد المقرر زراعته بعد الأرز، أملًا منه فى تعويض خسارته عند بيع الأرز، إذ إنه يتكلف مبالغ مالية لتوفير الأسمدة والمواد الكيماوية اللازمة لزراعة الأرز والتى قد تجعله مديونًا عند الحصاد.
تتوافر فى قش الأرز فوائد متعددة منها، وفقا لعسل، استخدامه فى صناعة الورق، وإنتاج أعلاف الحيوانات، فضلا عن إمكانية استخدامه كسماد بعد إضافة عدد من المكونات التى ترفع من قيمته الغذائية الغير تقليدية، وهو ما يمكن معه توفير دخل ثابت للفلاح يعوضه عن خساراته فى بيع المحصول.
وردًا على ذلك نفى علاء عفيفى، مدير مديرية الزراعة على ما يقال عن غياب الإرشاد الزراعى، قائلًا: إن المزارعين المستمرين بالحرق هم أصحاب المساحات الصغيرة فقط، مؤكدا أن المنظومة ساهمت فى تراجع حرق القش بما يقترب من %80 العام الحالى.
ويؤكد مدير مديرية الزراعة، من جانبه، ردًا على، مدير عام النقابة قائلًا: “هناك شباب متعهدون فى سن متوسط فى المعهدين، ونحن لا نشجع القدامى فقط بل نستعين بشباب جدد كُثر تم ضمهم للمنظومة العام الحالى”، مؤكدا حضور متعهدين لأول مرة يعملوا فى المنظومة.
وتابع: “المنظومة سلطت الضوء على أهمية القش فى استخدامه كعلف للماشية وهو ما جعلهم يستخدمونه بديلًا عن تبن القمح، مما قلل سعر تبن القمح حوالى 50 جنيهًا، من 300 إلى 250 جنيهًا”.
ويشير إلى أن وزارتى البيئة والزراعة يحاولان تحسين الوعى لدى الفلاح بتنبيهه للمخاطر الصحية العائدة عليه وعلى أبناء محافظته من حرق القش.
ولفت إلى أن هناك اجتماعات من المقرر أن تعقد عقب انتهاء موسم حرق قش الأرز، مع وزارة البيئة، للمناقشة فى كيفية التخلص من المخلفات الزراعية الأخرى.
وكان قد كشف خالد فهمى فى تصريحات خاصة لـ«المال» عن موافقة مجلس الوزراء على تعريفة شراء الكهرباء من المخلفات بجميع أنواعها بـ 92 قرشا للكيلو وات فى الساعة، تمهيدًا لتنظيم العمل بالقطاع، وضمان الاستفادة من تدويره.
“قش الأرز يمثل %5 من المخلفات الزراعية فى مصر من إجمالى 30 مليون طن مخلفات زراعية، من بين 70 مليون طن مخلفات تنتجها مصر سنويًا، ما بين مخلفات صلبة وصناعية، وهدم وبناء ومخلفات أخرى”، وفقا لتصريحات سابقة لخالد فهمى.
كيف تتخلّص أكبر الدول المنتجة للأرز من القش؟
تُعدّ الصّين أكثر الدول لمنتجة للأرز، يليها الهند وإندونيسيا وبنجلاديش وفيتنام وتايلاند، وفقًا لآخر إحصائيات لعام 2011، وتنتج حوالى 202.6 مليون طن من الأرز سنويّا.
لم تترك الصين قش الأرز يتحوّل لأزمة، فقامت باستخدامه لإنتاج وقود البيوجاز كطاقة بديلة آمنة، عبر خلطه بالمركبات العضوية ومخلفات الحيوانات، مما ينتج عنه غاز الميثان، الذى يساعد فى توليد الطاقة.
ويشير خبير الاقتصاد الزراعى مصطفى السعدنى إلى أنّ القش من الممكن استخدامه لإنتاج صناعات متعددة على رأسها صناعة الورق، والخشب المحبب، والأعلاف غير التقليدية، فضلا عن إمكانية استخدامه فى صناعة البلاستيك.
ولفت الخبير إلى عدم إحصاء كميات محددة للقش فى ظل عدم التزام الفلاحين بالمساحات المحددة من قبل وزارة الرى لزراعة الأرز، والذين يخالفونها بزراعة أضعافها، فيتم زراعة ما يقرب من مليون ونصف فدان فى ظل تحديد وزارة الرى 750 ألف فدان فقط، مما يصعب معه تنظيم عملية تدويره. وقال إن التخلص من القش لا بد أن يكون من أولويات الحكومة نظرًا للمشاكل الصحية التى يسببها حرقه، لافتًا إلى أن نقص المعدات للفلاحين ونقص الحافز المادى المتوفر لتسليمهم القش للمتعهدين الحاليين، يحول دون ذلك.
أكد على حديثه على محمد إبراهيم، الاستشارى والخبير الزراعى، قائلًا: إن القش هو نسبة بسيطة من المخلفات الزراعية، تحتاج إلى إدارتها بشكل جيد للاستفادة منها.
وأشار إبراهيم إلى أن غياب التكامل بين الوزارات المعنية بالمخلفات والوزارات المعنية بالاستفادة منها وتدويرها هو أساس إهدار تلك الثروة، منوّهًا بضرورة التكامل بين الزراعة والصناعة والبيئة لضمان تدوير آمن لتلك الثروة كى يدر عائدًا على الاقتصاد المصرى.
حررت وزارة البيئة حتى أسبوع من نهاية الموسم ما يقرب من 10 آلاف محضر حرق لمخلفات زراعية بمحافظات الدلتا التى تشمل كلا من الدقهلية والغربية وكفر الشيخ والبحيرة والقليوبية.
تاريخ السحابة وتجارب السنوات السابقة
كشف أشرف الكيلانى متعهد جمع القش بالشرقية عدم نجاح منظومة الجمع الأعوام الماضية إلى تَرك المُهمة لشركات خاصة معيّنة لم تكن تركز على جمع أكبر كمية ممكنة من القش، بينما كانت تحصل على مقابل أكبر مما تستحق.
وأشار إلى أن السياسة الحكومية والوزراء السابقين لم يساعدوا الخطة على التنفيذ، فضلًا عن عدم توفيرهم المكابس الكافية لجمع القش، مشيرًا إلى أن العام الحالى تم توفير 120 مكبسا بالمحافظة مقارنة بعدم وجود أى منهم العام الماضى.
وأكد المتعهد أنّه مع عدد المحاضر التى حررت ضد مخالفين قاموا بحرق القش، فإنّه لمس تحسّنا صحيّا فى حال المُحيطين بِه وأقربائه الذين طالما عانوا من حالات اختناق بسبب انتشار الحرائق فى أرجاء المحافظة.
عاملون بالمنظومة: غياب «الإرشاد» يصعب المهمة
آية رمزى وتصوير وليد عبدالخالق
على طول الطريق المؤدى إلى القرية الزراعية الصغيرة «طوخ» التابعة لمركز أبو كبير بمحافظة الشرقية، تتناثر بقع سوداء بالمساحات الذهبية للأراضى، خلّفتها حرائق الفلاحين لقش الأرز، بينما يتكوم القشّ بمساحات أخرى منتظرًا مصيرًا أفضل، إمّا باستغلاله كعلف لمواشى أصحاب الأرض، أو تسليمه لمتعهدى وزارة البيئة المنوط بِهم جمع القش من الفلاحين، لاستغلاله وإنقاذ السّماء من السّحابة الشّهيرة.
ولكنّ الأكوام لا تنتظر كثيرًا، فإن لم يستخدمها المزارع لتلبية احتياجاته من العلف الحيوانى، سيبادر بحرقها فى حال تأخر المتعهّد بالجَمع فى الوصول إليه، فهو غير مستفيد على أى حال.
فقد تكون جرأته بالتعرّض لدفع غرامة تتراوح ما بين 5 آلاف حد أدنى تصل إلى 100 ألف جنيه، سببها عدم توافر سيولة كافية لديّه لنقل طن القش بحوالى 50 جنيها من مكانه إلى أى مركز تجميع رسمى تابع لوزارة البيئة.
وبالرغم من حالات الحرق التى شُوهدت بالمحافظة فى جولة «المال» بالقرية، فقد أكد عدد من المزارعين والعاملين بالمنظومة من أبناء المحافظة تراجع حالات الحرق عن الأعوام الماضية، بما يتجاوز %50، وهو ما أكدته الوزارة فى بيانها لعرض نتائج موسم الحرق كاشفة أن مؤشرات الإدارة العامة للهواء بقطاع نوعية الهواء بوزارة البيئة خلال شهرى سبتمبر وأكتوبر أظهرت انخفاضًا للحمل البيئى على الأجواء مقارنة بالعام الماضى.
وعزت الوزارة ذلك إلى نجاحها، وفقًا لوصفها، فى تحويل 123762 طن قش أرز، إلى سماد وأعلاف من خلال برنامج المزارع الصغير بتحقيق المستهدف بنسبة %82، وجمع وكبس 155436 طن من خلال شركات التجميع والمتعهدين بالجمع بنسبة تحقيق حوالى %45 من إجمالى المستهدف.
وكان وزير البيئة قد قال فى وقت سابق إن وزارته تضع كل إمكانياتها لمواجهة نوبات تلوث الهواء «الحادة» خلال موسم حرق قش الأرز، وتواجه حرق نحو مليون و300 ألف طن من القش سنويا.
ومع ما أعلنت البيئة إنجازة فى جمع القش، اعترض قياديون بنقابة الفلاحين وخبراء زراعيون على طريقة إدارة المنظومة، والتى همّشت مشاركة الفلاح فى الاستفادة من عوائد الاستثمار الرّابح فى المُخلّف الذى يدخل فى العديد من الصناعات، واقتصاره على المتعهدين بالجمع القادرين على شراء معدات ذات مبالغ ضخمة، وفقًا لقولهم.
يدخل القش فى صناعات على رأسها صناعة الورق، وصناعة الأسمدة والأعلاف، فضلًا عن توليد الطاقة من احتراقه.
إلى ذلك فأجمع عدد من المزارعين فى جولة لـ»المال» بأهالى مركز أبو كبير بمحافظة الشرقية، على تراجع نسب حرق القش بشكل ملحوظ عن السنوات الماضية، فيما طالب عاملون بمنظومة الجمع بضرورة تعاون وزارة الزراعة عبر توفير الإرشاد الزراعى الكافى لتوعية المزارعين بالتراجع عن الحرق.
ومن المقرر أن تعقد وزارة البيئة مؤتمرًا صحفيًا السبت القادم لإلقاء الضوء على جهود الوزارة فى مكافحة السحابة السوداء تحت عنوان «2015.. بداية نهاية السحابة السوداء» بحضور عدد من الوزراء والمحافظين المعنيين بمنظومة قش الأرز.
تحويل القش كعلف للماشية للهروب من الغرامة
فى أحد المساحات الذهبية تِلك من القرية الصغيرة يقف صاحب أرض أمام أحد الجرارات دافعا القش إلى أحد ماكينات الفرم التى تحوّله بدورها إلى علف للماشية، بينما ينتظر دوره فى استخدام الماكينة مالك أرض أخرى بِجواره.
يقول محمد عمر، صاحب ماكينة الفرم، إنّه ساعد عددًا كبيرًا من الفلاحين فى تحويل قش الأرز المخلف من زراعتهم إلى «تبن» لاستخدامه كعلف للماشية، موضحًا أنه قام بتحويل قش لحوالى 30 فدانًا من أراضى الفلاحين إلى تبن، بنسبة تقدر بحوالى %50 من المزارعين الموجودين بالمحافظة.
ويوضّح عمر أنه ربّما أسهم إقبال الفلاحين على الاستفادة من القَشّ فى خفض من معدلات حرقه، والذى رأى صاحب الجرار وأحد قاطنى القرية أنه قلّ بمعدل حوالى %75 من السنوت القادمة، مرجعًا ذلك إلى انتباه الفلاحين لقيمة القش الغذائية للماشية.
وتابع أنّ الاستفادة المباشرة من القش تُعد أكثر فاعلية من انتظار المزارعين لأحد متعهدى الجمع ليقوم بجمع القش من أرضه، قائلًا: «الفلاح مش هيستنى لما المتعهد ييجى، الفلاح عاوز يزرع أرضه وخلاص».
يُعَد استغلال قش الأرز كعلف للماشية ثقافة قديمة توفرت أدواتها مؤخرًا، فوفقًا لصاحب الجرار، لم تكن ماكينات الفرم متوفرة السنوات الماضية، ولكن زيادة الطلب عليها جعلها على رأس اهتمامات بعض مصنعى الماكينات الموجودين بالقرية.
ورجّح عُمر أن يكون زيادة الطلب ناتج عن تفادى غرامة حرق القش التى تصاعدت العام الحالى لتبدأ من 5 آلاف جنيه إلى 100 ألف جنيه، بعدما كانت لا تتعدى 1000 جنيه السنوات الماضية، وسببًا فى تراجع نسب الحرق أيضًا
وحذّر وزير البيئة الدكتور خالد فهمى مرارًا فى زياراته لمحافظات الدلتا المختلفة، من أن العقاب سيكون رادعًا فى حال اكتشاف حالات حرق العام الحالى، لافتًا إلى أن الفلاح لم يعد لديه ما يضطره للحرق فى حين وفرت البيئة الأدوات الآمنة للتخلص منه.
وأعلنت الوزارة فى مستهل الموسم الذى يبدأ فى أكتوبر وانتهى فى 15 نوفمبر الحالى، أنّها فتحت باب التقدّم لشباب الخريجين والمتعهدين القدامى من قرى محافظات الدلتا الزارعة للأرز، للتقدم للوزارة لتوفر لهم الأدوات اللازمة للتغطية الكافية لجمع القش من المزارعين على مستوى محافظات الدلتا، بالتنسيق مع البيئة.
لا أحد يعلم بمشروع «المزارع الصغير»!
«عبد المنعم جمال» مُزارع لديه 5 أفدنة، كان فى انتظار صاحب ماكينة الفرم من الانتهاء من عمله فى الأرض، لاستئجار ماكينته، لنفس غرض تحويل القش لعلف.
جمال لم تصل إليه أى معلومات حول مشروع المزارع الصغير الذى أتاحت به الوزارة توفير المواد الكيمياوية اللازمة لزيادة قيمة القش، وتمكين الفلاحين من بيعه كعلف وسماد للماشية.
ولفت إلى أن ما يعلمه عن منظومة التخلص من قش الأرز لوزارة البيئة، هو المتعهد الذى يقع مقر جمع القش التابع له على بُعد أمتار من أرضه، موضحًا أن «المتعهد يقوم بجمع القش من الفلاحين ببلاش وبيتصرف فيه حسب ما هو عارف، ده شغله».
كان «جمال» المالك لـ 5 أفدنة كانت مزروعة بالقش، يتخلّص من القشّ عبر حرقه فى السنوات الماضية، لعدم توافر ماكينات الفرم، إلّا أن وجودها مع تشديد العقوبات العام الحالى جعله يتّجه للاستفادة منه.
أجرة ماكينة الفرم وتحويله لعلف «60 جنيها فى الساعة» لا يعتبرها جمال ذات قيمة كبيرة مقابل ما توفره عليه من فارق سعر شراء لتبن الماشية والتى تتراوح قيمته من 200 إلى 300 جنيهًا، فضلًا عن القيمة الغذائية المتوفرة بتبن القش، كما أنّها لا تُذكر أيضًا مقابل الغرامات التى تبدأ من 5 آلاف.
وتوقّع المزارع بقرية طوخ، أن تختفى ظاهرة السحابة السوداء المتسببة بها حرائق قش الأرز العام المقبل فى حال توافر الماكينات اللازمة لتحويله لقش، وطالما حضر متعهدو البيئة، إذّ قدّر عدد الذين حرقوا حتى الآن بقريته بما لا يتجاوز %25 من إجمالى الزارعين للأرز.
مزارع ثالث حذا حذوهم بفرم القش الناتج عن نصف الأرض التى يملكها، بينما قرر إعطاء باقى القش لمتعهد الجَمع، تجنّبًا للغرامة، ولتجنب دفع أجرة أنفار لتقوم بجمع القش، إذ يقوم المكبس التابع للمتعهد بحرث القش من الأرض وكبسه فى بالات.
يؤكد، محمد عبدالعال، كزملائه المزارعين على تراجع نسبة القش بما لا يقل عن %80، نتيجة للمنظومة الجديدة التى وفرت المعدات والعمال الجامعين للقش فى جميع أرجاء المحافظة.
متعهدو الجمع يسابقون «عيدان الكبريت»حددت وزارة البيئة مقابلا مادّيًا لمتعهدى الجمع بالمحافظات يبلغ 50 جنيهًا على كل طن يتم جمعه، مما يدفع المتعهدين أن يجوبوا القُرى كى يدركوا القش قبل حَرقه.
ووفرت الوزارة آليتين لإتاحة معدات الجمع من مكابس وجرارات للمتعهدين أولها فتح باب استئجار المعدات اللازمة من وزارة البيئة، وثانيها إتاحة قروض للراغبين فى شراء معدات جديدة، فضلاَ عن تمكينهم من استئجار معدات تملكها الوزارة.
يرى أشرف الكيلانى، أحد المتعهدين بالمركز، أن ذلك المقابل لا يُقارن بما يَجنيه من استثماره بالقش فيما بَعد.
لدى الكيلانى 6 مواقع للقش موزعين على مستوى محافظة الشّرقية بمراكز أبو حماد وديرب نجم، وكفر صقر، وأبو كبير والمسلمية والزقازيق»، جمع بها ما يقرب من 10 آلاف طن قش، قبل 10 أيام من انتهاء الموسم.لم تكن المرة الأولى له فى التعامل مع وزارة البيئة بالمنظومة إذ إنّه عمل معهم طوال السنوات السابقة فى نفس المنظومة والتى لم تكن بنفس التنظيم، موضحًا «تقدمت لوزارة البيئة لطلب المشاركة فى الجمع وعقدت بدورها عدة اجتماعات معى والمتعهدين الآخرين لمعرفة مطالبنا بحضور رئيس شئون البيئة أحمد أبو السعود، وفاطمة محسن مساعد الوزير للاستثمار».
كان ينقص كيلانى عددًا من المعدات والمكابس والتى ساعده على توفيرها قرض الصندوق الاجتماعى للتنمية الذى أتاحته الوزارة، فقام بشراء جرار ومكبس من خلاله، بمبلغ حوالى 350 ألف جنيه، يسددهم على 6 سنوات بفائدة 4% فقط، فضلًا عن تعاقد إضافى لجرار وسيارة أخرى قال إنه كان سيحصل عليها خلال أيام.الموقع الذى زارته «المال» لم يكُن مخططا لافتتاحه، ولكنّ المتعهد افتتحه بناء على طلب مباشر من شئون البيئة لارتفاع كميات قش الأرز الناتجة من الأراضى بأبو كبير.
60 معدة و100 عامل يعمل من خلالهم كيلانى على جمع القش فى الـ 6 مواقع التابعة له بمحافظة الشرقية، منهم 5 مكابس و 6 جرارات قام بتأجيرهم من وزارة البيئة.
يجمع المتعهد القش من المزارعين من خلال مكابسه المنتشرة فى أرجاء المحافظة، ويستلم القش بدوره ويجمعه ومن ثم يورّده بنفسه للمعالف والمفاحم وعدد من الشركات الأخرى والمجالات التى تستغل قش الأرز.
يقول المتعهد أنّه يقوم بتجهيز القش وفقًا لحاجيات الجهة التى يذهب إليها، فيقوم بفرمه قبل توريده لمعالف الماشية، لاستخدامه كعلف، ويتركه كما هو عند توريده إلى المفاحم، وثلاجات البطاطس التى تحتاجه فى تغطيها، ومخازن البصل أيضًا، ومصانع السيراميك.
«القش ده ثروة» هكذا يكرر الكيلانى، طوال حديثه، متحمسًا، ويقول «قش الرز فيه نسبة بروتين أعلى من تبن القمح والشعير وأفضل لأن يكون علفًا للماشية»، المزارعون الذين مازالوا يقومون بحرق القش لا يحتاجون أكثر من توعية فقط بأهمية ما يحرقونه.
ومع قلة وعى البعض، يقول كيلانى إن نسبة حرق القش العام الحالى لم تتعد %1 على مستوى المحافظة، مؤكدًا أن زيادة مراكز الجمع إلى حوالى 125 مركزًا العام الحالى مقارنة بـ 50 فقط العام الماضى، ساهمت فى توصل المزارعين للمتعهدين بسهولة لتسليمهم القش.
يتطلع كيلانى للاستثمار بجميع المخلفات الزراعية الأخرى منها حطب الذرة، ومخلفات القطن، وزعف النخيل وغيرها، مشيرًا إلى إمكانية تحويل تلك المخلفات لخامات يتم كبسها وتوريدها لمصانع الأسمنت لإنتاج الطاقة البديلة «تلك هى الثروة الحقيقيّة والمستقبل»، يقول كيلانى.
وتُغرى الثروة الذهبية من القش المتعهّد فيعلن عن رغبته افتتاح مصنع أسمنت يقوم بتشغيله بطاقة المخلفات الزراعية، من ذرة لحطب لقش لغيرهم، قائلًا: إن الثروة الحيوانية تستخدم %40 من القش كعلف.
المخلفات الزراعية الأخرى هى الأنسب لتلك المصانع من القش الذى تقل نسبة إنتاجه للطاقة عن المخلفات الأخرى، أمثال الحطب الشامى وحطب الذرة، وفقًا للمتعهد.
الزراعة حلقة مفقودة
وبالرّغم من تأكيد توقّعات المزارعين على تراجع نسب حرق القش إلّا أن العاملين على الجَمع، يرون أنه ما زال هناك ما ينقص المنظومة لتؤتى أفضل ثمارها، وهو «توعية الفلاحين، وحثهم على الالتزام بالمنظومة»، فضلًا عن ضرورة زيادة عدد العاملين وزيادة المعدات.
يقول محمد سويلم، أحد العاملين على أحد المكابس لدى أحد المتعهدين منذ سنوات، إنهم يواجهون مشاكل كثيرة بسبب عدم وعى الفلاحين بضرورة تسليم القش وعدم حرقه، مشددا على ضرورة مرافقة المهندسين الزراعيين التابعين للإرشاد الزراعى معهم فى جميع المواقع، لثقة الفلاحين بهم.
ويضيف سويلم «نحن كسائقين للمكابس غير قادرين على إجبار الفلاح على تسليم القش، لكن المهندس يكون له سلطة أكبر».
ويأكد سويلم أن بعض المزارعين يرفضون تسليم القش، ويقومون بحرقه فور مغادرتهم للمنطقة، ظنّا من البعض أنّه مفيد للتربة، مؤكدا أن الإرشاد الزراعى الأجدر على تصحيح مفاهيم الفلاح المغلوطة للزراعة.
لا يرى عاطف أحد العاملين بالمنظومة منذ 20 عامًا، أكثر من ذلك أيضا، إذ يؤكد فاعلية المنظومة قائلًا: «أول مرة يتم الاهتمام بالمنظومة بالشكل ده، ويتابعونا عن قرب زى السنة دى، ويوفرولنا المعدات بالشكل ده»، مضيفًا «إلا أن «الزراعة عاوزينها تمشى معانا شويّة ومستعدين نشتغل بليل وبالنهار».ويُفسّر من جانبه ظاهرة غياب الإرشاد الزراعى محمود العرينى، الأمين العام لنقابة الفلاحين، قائلًا: «غياب الإرشاد الزراعى حدث بسبب غياب الدورة الزراعية الذى قلل من جودة الإرشاد الزراعى، وجعله على هامش أهميّة وزارة الزراعة»، لافتًا إلى أن ذلك سببه عدم توافر خريطة زراعية للبلاد، مناديًا بتنظيم الدورة الزراعية حتى يحصل المشرف الزراعى على الاهتمام المطلوب، ويستطيع توصيل المعلومة الصحيحة للفلاح».
الصحة تؤكد تحسن الأجواء رغم النيران المشتعلة
وأكد الدكتور شريف مكين، وكيل وزارة الصحّة بالشرقية، تراجع نسب حالات الاختناق والأمراض الصدرية التى تتسبب فيها أدخنة الحريق كل عام.
«كل سنة كنا بنتخنق فى بيوتنا السنة دى الحرق قل أكثر من السنين اللى فاتت بمراحل»، يقول مكين، منوّها أنه ليس لديه إحصائيّة بعدد المصابين بالاختناقات إلّا أنه أكد عدم وصول شكاوى من المواطنين كحالهم كل عام واستنجادهم بالمديرية من الحرائق التى لا يكادون يتنفسون بسببها. تؤدى حرائق القش كل عام إلى أزمات صدرية قد تؤدى إلى أزمات قلبية بسبب نقص الأكسجين فى الأجواء.
رأى مكين أنّه ربما يكون سبب نقاء الجو فى تغليظ العقوبات على المزارعين تحت ضغط وزارتى البيئة والزراعة، فضلا عن زيادة الوعى لدى الفلاحين.
فى نفس الوقت يؤكد مدير مديرية الصحّة بالشرقيّة استعدادات المُحافظة بأجهزة علاج الرَبوُ والاستنشاقيّة، والأدوية الخاصّة بعلاج مثل تلك الحالات.
تجاهل واضح للمزارعين
غير ذلك يقول الأمين العام للنقابة إن المنظومة كانت جيّدة ولكنّها كان ينقصها بعض الأشياء الجوهرية التى كانت ستجعلها ذا قيمة أكبر مما كانت عليه، وذا بُعد قومى يُفيد الفلاح.
ويوضح العرينى أن اعتراضه على اعتماد الوزارة على قدامى المتعهدين قائلا: إن نسب الاستعانة بخريجين جدد فى تنفيذ المنظومة لم يتعدى %10 مما قلل من المردود الإيجابى على الفلاحين وأبنائهم من أبناء القرى، وهو ربما ما جعلها أقل فاعلية مما كان يجب أن تكون عليه.
كان من الممكن لنقابة الفلاحين مساعدة مجموعات من الفلاحين فى الاقتراض وشراء المعدات المختلفة اللازمة لجمع القش، مما يمكنهم فيما بعد من تسويقه والاستفادة المباشرة من ذلك عليهم، وفقًا للعرينى.
يؤكد الأمين العام للنقابة أن الفلاح لا ينقصه وعى كما يقول البعض ولكن ينقصه تمويل فقط، وينقصه معدّات لازمة لمشاركته فى المنظومة، والتى لن يتوان فى المشاركة إذا شعر بالاهتمام بِه.
يشاركه فى الرأى المهندس الزراعى ومدير عام نقابة الفلاحين محمد عسل إذ يستنكر عدم توفير حافز للفلاحين للمشاركة فى المنظومة، خاصة فى ظل محدودية عدد المتعهدين والعمال التابعين لهم، والذى لم يساعدهم فى جمع كل كميات القش الموجودة، مستنكرًا إلى جانب ذلك ما رآه من تأخر فى بدء المنظومة.
ويضيف عسل “المزارعون يستعجلون دائما فى التخلص من القش من أجل الزرعة الجديدة، فهو لن ينتظر المتعهد”، مؤكدًا فاعلية المنظومة إذا وفرت المعدات اللازمة للفلاحين ليقوموا بحصد القش بأنفسهم.
يضطر الفلاح، وفقًا لمدير عام النقابة، للاستعجال فى زرع المحصول الجديد المقرر زراعته بعد الأرز، أملًا منه فى تعويض خسارته عند بيع الأرز، إذ إنه يتكلف مبالغ مالية لتوفير الأسمدة والمواد الكيماوية اللازمة لزراعة الأرز والتى قد تجعله مديونًا عند الحصاد.
تتوافر فى قش الأرز فوائد متعددة منها، وفقا لعسل، استخدامه فى صناعة الورق، وإنتاج أعلاف الحيوانات، فضلا عن إمكانية استخدامه كسماد بعد إضافة عدد من المكونات التى ترفع من قيمته الغذائية الغير تقليدية، وهو ما يمكن معه توفير دخل ثابت للفلاح يعوضه عن خساراته فى بيع المحصول.
وردًا على ذلك نفى علاء عفيفى، مدير مديرية الزراعة على ما يقال عن غياب الإرشاد الزراعى، قائلًا: إن المزارعين المستمرين بالحرق هم أصحاب المساحات الصغيرة فقط، مؤكدا أن المنظومة ساهمت فى تراجع حرق القش بما يقترب من %80 العام الحالى.
ويؤكد مدير مديرية الزراعة، من جانبه، ردًا على، مدير عام النقابة قائلًا: “هناك شباب متعهدون فى سن متوسط فى المعهدين، ونحن لا نشجع القدامى فقط بل نستعين بشباب جدد كُثر تم ضمهم للمنظومة العام الحالى”، مؤكدا حضور متعهدين لأول مرة يعملوا فى المنظومة.
وتابع: “المنظومة سلطت الضوء على أهمية القش فى استخدامه كعلف للماشية وهو ما جعلهم يستخدمونه بديلًا عن تبن القمح، مما قلل سعر تبن القمح حوالى 50 جنيهًا، من 300 إلى 250 جنيهًا”.
ويشير إلى أن وزارتى البيئة والزراعة يحاولان تحسين الوعى لدى الفلاح بتنبيهه للمخاطر الصحية العائدة عليه وعلى أبناء محافظته من حرق القش.
ولفت إلى أن هناك اجتماعات من المقرر أن تعقد عقب انتهاء موسم حرق قش الأرز، مع وزارة البيئة، للمناقشة فى كيفية التخلص من المخلفات الزراعية الأخرى.
وكان قد كشف خالد فهمى فى تصريحات خاصة لـ«المال» عن موافقة مجلس الوزراء على تعريفة شراء الكهرباء من المخلفات بجميع أنواعها بـ 92 قرشا للكيلو وات فى الساعة، تمهيدًا لتنظيم العمل بالقطاع، وضمان الاستفادة من تدويره.
“قش الأرز يمثل %5 من المخلفات الزراعية فى مصر من إجمالى 30 مليون طن مخلفات زراعية، من بين 70 مليون طن مخلفات تنتجها مصر سنويًا، ما بين مخلفات صلبة وصناعية، وهدم وبناء ومخلفات أخرى”، وفقا لتصريحات سابقة لخالد فهمى.
كيف تتخلّص أكبر الدول المنتجة للأرز من القش؟
تُعدّ الصّين أكثر الدول لمنتجة للأرز، يليها الهند وإندونيسيا وبنجلاديش وفيتنام وتايلاند، وفقًا لآخر إحصائيات لعام 2011، وتنتج حوالى 202.6 مليون طن من الأرز سنويّا.
لم تترك الصين قش الأرز يتحوّل لأزمة، فقامت باستخدامه لإنتاج وقود البيوجاز كطاقة بديلة آمنة، عبر خلطه بالمركبات العضوية ومخلفات الحيوانات، مما ينتج عنه غاز الميثان، الذى يساعد فى توليد الطاقة.
ويشير خبير الاقتصاد الزراعى مصطفى السعدنى إلى أنّ القش من الممكن استخدامه لإنتاج صناعات متعددة على رأسها صناعة الورق، والخشب المحبب، والأعلاف غير التقليدية، فضلا عن إمكانية استخدامه فى صناعة البلاستيك.
ولفت الخبير إلى عدم إحصاء كميات محددة للقش فى ظل عدم التزام الفلاحين بالمساحات المحددة من قبل وزارة الرى لزراعة الأرز، والذين يخالفونها بزراعة أضعافها، فيتم زراعة ما يقرب من مليون ونصف فدان فى ظل تحديد وزارة الرى 750 ألف فدان فقط، مما يصعب معه تنظيم عملية تدويره. وقال إن التخلص من القش لا بد أن يكون من أولويات الحكومة نظرًا للمشاكل الصحية التى يسببها حرقه، لافتًا إلى أن نقص المعدات للفلاحين ونقص الحافز المادى المتوفر لتسليمهم القش للمتعهدين الحاليين، يحول دون ذلك.
أكد على حديثه على محمد إبراهيم، الاستشارى والخبير الزراعى، قائلًا: إن القش هو نسبة بسيطة من المخلفات الزراعية، تحتاج إلى إدارتها بشكل جيد للاستفادة منها.
وأشار إبراهيم إلى أن غياب التكامل بين الوزارات المعنية بالمخلفات والوزارات المعنية بالاستفادة منها وتدويرها هو أساس إهدار تلك الثروة، منوّهًا بضرورة التكامل بين الزراعة والصناعة والبيئة لضمان تدوير آمن لتلك الثروة كى يدر عائدًا على الاقتصاد المصرى.
حررت وزارة البيئة حتى أسبوع من نهاية الموسم ما يقرب من 10 آلاف محضر حرق لمخلفات زراعية بمحافظات الدلتا التى تشمل كلا من الدقهلية والغربية وكفر الشيخ والبحيرة والقليوبية.
تاريخ السحابة وتجارب السنوات السابقة
كشف أشرف الكيلانى متعهد جمع القش بالشرقية عدم نجاح منظومة الجمع الأعوام الماضية إلى تَرك المُهمة لشركات خاصة معيّنة لم تكن تركز على جمع أكبر كمية ممكنة من القش، بينما كانت تحصل على مقابل أكبر مما تستحق.
وأشار إلى أن السياسة الحكومية والوزراء السابقين لم يساعدوا الخطة على التنفيذ، فضلًا عن عدم توفيرهم المكابس الكافية لجمع القش، مشيرًا إلى أن العام الحالى تم توفير 120 مكبسا بالمحافظة مقارنة بعدم وجود أى منهم العام الماضى.
وأكد المتعهد أنّه مع عدد المحاضر التى حررت ضد مخالفين قاموا بحرق القش، فإنّه لمس تحسّنا صحيّا فى حال المُحيطين بِه وأقربائه الذين طالما عانوا من حالات اختناق بسبب انتشار الحرائق فى أرجاء المحافظة.