"بارانويا" تعري المجتمع في نظرته للمرأة

"بارانويا" تعري المجتمع في نظرته للمرأة

علي راشد:

"بارانويا" ذلك المرض النفسي الذي يصيب شخصا ما حينما تحيط به التخوفات والظنون المختلفة والضغوط النفسية الشديدة التي تؤدي به في النهاية إلى هذا المرض المزمن، وفي إطار هذا المرض وبنفس الاسم كان العرض المسرحي "بارانويا" الذي قدم على مسرح الهناجر أمس ليرصد العديد من المفارقات في حياة المرأة المصرية والأزمات التي تواجهها مع التركيز على الاضطهاد والنبذ المستمر لها والابتعاد عن جميع مميزاتها العقلية والفكرية والتركيز فقط على الجسد وتفريغها من محتواها كأنثى وشخصية لها وجودها.

"بارانويا" عرض مونودراما من تمثيل الفنانة ريم حجاب وتأليف رشا فلتس وإخراج محمد حلمي، والعرض داخل مسابقة المهرجان القومي للمسرح في دورته الثامنة.

تجسد "ريم" شخصية فتاة تعرضت للعديد من الأزمات النفسية منذ صغرها لتبدأ مسيرة الطفولة بخبر وفاة جدتها وهي في الرابعة من عمرها تلك السيدة التي كانت تعتبرها الأمان في هذا العالم المليء بالأمراض النفسية، وبعد تلك الواقعة يرعى الفتاة خالها الذي يظل في رعايته لها حتى السادسة عشر من عمرها وحينما أبلغته بتقبيلها لشاب في عمرها نهرها ولكن لم يكتف بذلك ولكنه عاقبها عقابا من نوع آخر كما يحكي العرض وهو التحرش بها ومن هنا بدأت المأساة.

وخلال العرض لم يتم ذكر اسم الشخصية أو معرفة البيئة التي خرجت منها وذلك جاء لتوجيه رسالة مغزاها أن الهدف ليس في الشخصية بذاتها وإنما الأمر يخص المرأة بشكل مطلق فهي تحكي قصة كل امرأة وفتاة في هذا المجتمع، تلك المرأة التي تضطهد في كل وقت ومرحلة من مراحل عمرها في مجتمع لا ينظر إلا إلى جسدها وذلك من خلال مضايقات كالتحرش والكبت وإهانتها المتكررة التي تجعل الشخصية في العرض تنطق بهلاوس مختلفة تعبر عن اعتذارها لوجودها بهذا العالم الذي لا يقبلها ويأخذ من حين لآخر جزءا من عقلها ثم كرامتها ثم جسدها لتصبح في النهاية "لا شيء".

وهذا اللا شيء لا يستطيع إكمال مسيرته في الحياة متمنيا الموت وهو ما لا يحدث ولكنها في الحقيقة ميتة في ذاتها، ومن حين لآخر خلال العرض يأتي صوت خارجي يعبر عن اضطهاده لها وقذفها بعبارات مهينة لشخصها وجنسها النكرة وحين ورود هذا الصوت يزداد ضعف الشخصية ويزداد توترها.

اللغة التي تقدم بها العرض هي خليط من اللغة العربية الفصحى والعامية المصرية، وهذا يعتبر ذكاء من القائمين على النص لتخفيف حدة القتامة والاكتئاب به ليخرج في النهاية نصا قويا مليئا بالصراعات، وعلى الرغم من أن مدة العرض 60 دقيقة وأمامك ممثل واحد على المسرح إلا أنه مر بسلاسة ودون ملل في تجاوب وتركيز شديدين من الجمهور، أما ريم حجاب فعبرت عن الشخصية منذ اللحظة الأولى لظهورها على المسرح لترى على وجهها تجاعيد الحالة النفسية التي تعيشها ولا تستطيع أبدا أن تكشف عن زيف الشخصية لأنها أدت الدور بمهارة.

ويمر العرض بثلاث مراحل لقصص منفصلة متصلة المرحلة الأولى مرحلة الطفولة وكانت ترتدي فستانا طويلا ملونا، أما المرحلة الثانية وكانت في المنزل فكانت ترتدي زي البيت ذات اللون الأبيض، بينما تأتي المرحلة الثالثة التي تتحدث فيها عن نظرة الرجل للمرأة لترتدي ثوبا مكشوفا يظهر أنوثتها وكأنها تقول إن المجتمع لا يرى منها شيئا سوى هذا.

حوارات وحكايات أمام الجمهور حكتها ومشاهد انفعالية وحوارات مع المرآة كل ذلك جاء بتركيز شديد، وخلال العرض تخلله عبارات مثل "أنا مستباحة" ، "خذني عنوة" ، "خذ جزءا من كرامتي" ، "هذا ليس جسدي"، و"أنا فارغة من محتواي" وغيرها من العبارات التي تؤكد فقدانها لذاتها وسط هذا المجتمع.

ولعبت الموسيقى التصويرية والديكورات دورا حيويا خلال العرض، فالموسيقى الهادئة المريحة في أوقات المشاعر الهادئة، والموسيقى الصاخبة المقلقة أثناء الهلاوس، بينما كان الديكور عبارة عن أجسام ضخمة تعبر عما يدور بداخل الشخصية مسلط عليه الأضواء.