لماذا تطالب الحكومة «الفقراء» بتحمل تبعات الأزمة المالية؟

لماذا تطالب الحكومة «الفقراء» بتحمل تبعات الأزمة المالية؟

■ خبراء: خطوات برامج الحماية الاجتماعية أبطأت من أثر الإصلاحات
■ أجور الأمن والصحة والتعليم تحصد نصيب الأسد فى الموازنة
مها أبو ودن

لا شك أن مصر تمر بأزمة اقتصادية عنيفة من جراء ما مرت به من ركود خلال السنوات التى أعقبت ثورة 25 يناير، وهو ما دفع الحكومة إلى إجراء إصلاحات هيكلية فى محاولة منها لتخفيض عجز الموازنة.

تصريحات وزراء المجموعة الاقتصادية وقت صياغة هذه الإصلاحات خففت من وقع التأثير المالى الذى سيطال محدودى الدخل، لا سيما عند تمرير الزيادات فى أسعار المواد البترولية والكهرباء، وصاغت الحكومة تصريحاتها فى هذا الحين بالتأكيد على عدم المساس بمحدودى الدخل.

لكن مع صدور قانون الخدمة المدنية رقم 18 لسنة 2015 وما تبعه من مظاهرات تعتبر الأضخم فى عهد عبدالفتاح السيسى رئيس الجمهورية اضطرت الحكومة إلى الاعتراف بأن تبعات هذه الأزمة لا بد أن يتحملها الجميع، لا سيما عندما خاطب وزير المالية هانى قدرى دميان المعترضين على القانون، قائلا إنه يجب الاحتكام لتضخم بند الأجور وتضاعفه 3 مرات خلال 3 سنوات بسبب المطالبات الفئوية.

وأوضح وزير المالية هانى قدرى فى حوار تليفزيونى أن مصر تواجه موقفًا ماليًا دقيقًا يجب أن تتكاتف الجهود لمواجهته، مشيرا إلى أن مخصصات الأجور للعام الحالى وصلت إلى 218 مليار جنيه، وهو وضع لا يمكن الاستمرار عليه فى ظل الأعباء التى تواجهها الدولة.

وفيما يتعلق بالوقفة التى نظمها عدد من العاملين بمصلحتى الضرائب والجمارك اعتراضًا على قانون الخدمة المدنية، قال قدرى إنه أوضح لهم أن القانون الجديد يقوم على الربط بين الحوافز والإنتاج.

وأشار قدرى إلى أنه إذا زادت الإيرادات الضربية فسيؤدى ذلك بالضرورة إلى زيادة فى حوافز العاملين بالمصلحتين.

وبتحليل أرقام الأجور وتتبعها خلال السنوات الخمس الماضية نجد أن الأجور تضاعفت بما يقرب من الثلاث مرات خلال الأربع سنوات الماضية، فقد سجلت خلال العام المالى 2012/2011 نحو 122.8 مليار جنيه، وارتفعت خلال العام المالى 2013/2012 إلى 142.9 مليار جنيه ثم ارتفعت خلال العام المالى 2014/2013 إلى نحو 178.5 مليار جنيه، وسجلت فى العام المالى 2014/2015 نحو 207 مليارات جنيه، وارتفعت فى موازنة العام المالى الجارى 2015 /2016 إلى نحو 218 مليار جنيه.

وفى الوقت الذى يعد فيه الهدف الأساسى المعلن لتشريع قانون الخدمة المدنية هو هيكلة الأجور التى تضخمت خلال الأعوام الماضية بما يضغط على معدلات عجز الموازنة، نجد أن الأرقام الواردة فى موازنة العام المالى الجديد 2016/2015 تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الجهات المستثناة من تطبيق القانون هى نفسها الجهات التى تحصل على القسم الأكبر من بند الأجور لا سيما قطاعات الأمن والتعليم والصحة.

تبلغ مخصصات أجور قطاع الأمن "النظام العام وشئون السلامة العامة" فى الموازنة الجديد ة نحو 36.7 مليار جنيه - تضاعفت مرتين منذ عام 2011 /2012 - من جملة 44.5 مليار جنيه هى جملة موازنة القطاع كما تبلغ مخصصات أجور التعليم نحو 82.9 مليار جنيه من جملة 99.3 مليار جنيه هى جملة مصروفات القطاع كما تبلغ مخصصات الأجور فى بند الصحة نحو 27.3 مليار جنيه من جملة 44.9 مليار جنيه تمثل موازنة البند.

وتبلغ مخصصات أجور الرئاسة نحو 338 مليون جنيه من جملة 393 مليون جنيه، كما تبلغ مخصصات أجور مجلس الوزراء نحو 140.5 مليون جنيه من جملة 158.5 مليون جنيه.

كان وزير التخطيط الدكتور أشرف العربى قد أعلن- فى رده على استثناء عدد من الجهات من قانون الخدمة المدنية– أن الجهات المستثناة لم تكن خاضعة للقانون 47، وبذلك فإن استثناءها من الخضوع لقانون الخدمة المدنية هو وضع قانونى، وهذه الجهات هى المعلمين والأطباء والقضاة فلديهم قوانين خاصة بكوادرهم، إضافة إلى استثناء مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية.

الخبراء أكدوا أن تحمل أثر الأزمة الاقتصادية والمالية سيطال محدودى الدخل والأغنياء، لكن هناك من البرامج ما يمكن الحكومة من تقليل أثر الإصلاحات المتزامنة مع الأزمة على محدودى الدخل ومن بينها برامج الحماية الاجتماعية.

وتبلغ حزمة الإنفاق على البرامج الاجتماعية فى الموازنة الجديدة نحو 427 مليار جنيه شاملة الأجور، وقد أطلقت الحكومة برنامجًا تمويليًا للفقراء للدعم النقدى بقيمة 4.7 مليار جنيه فيما يعرف ببرنامج "تكافل وكرامة".

خطوات الإصلاح التى ينعكس أثرها المالى على الفقراء أبطأ من خطوات الحماية الاجتماعية التى تطلقها الحكومة لحماية الفقراء من وجهة نظر الخبراء.

أكد مصدر مسئول بوزارة المالية أن الهدف من الإصلاحات المالية التى انتهجتها الحكومة هو السيطرة على عجز الموازنة الذى تصل معدلاته هذا العام نحو %8.9 من جملة الناتج المحلى الإجمالى دون التأثير على محدودى الدخل من خلال برامج حماية اجتماعية تتمثل فى معاش الضمان الاجتماعى وبرامج الإسكان الاجتتماعى، فضلا عن منظومة الخبز والسلع التموينية.

قال المصدر إن تحمل تبعات الأزمة المالية سينعكس بشكل متفاوت على المجتمع بأكمله، لكنه سيطال الفئات الأكثر حظًا بشكل أكبر من محدودى الدخل، ومع تطبيق برامج الحماية الاجتماعية سيتلاشى هذا الأثر.

من جانبه، قال محمد أبو باشا، المحلل المالى بشركة هيرميس، إن جزءًا كبيرًا من الاصلاحات الهيكلية التى ترغب الحكومة فى تطبيقها يتعلق بدعم الطاقة، وهو عنصر مؤثر على الجميع سواء أغنياء أو فقراء، فعلى سبيل المثال لا الحصر زيادات أسعار الكهرباء حاولت تلاشى الشرائح الثلاث الأولى لكنها فى النهاية ستنعكس على شرائح أيضًا من محدودى الدخل.

وأشار أبو باشا إلى أن هناك عددًا آخر من الإصلاحات الذى قد يؤثر بشكل أكبر على الشرائح الأوفر حظًا مثل الضريبة العقارية والضريبة على القيمة المضافة، لكن لها أيضا تأثير ولو بشكل أقل على محدودى الدخل.

وأوضح أبو باشا أن الحكومة تحاول تجنب تأثير هذه الإصلاحات الضرورية على محدودى الدخل من خلال برامج للحماية الاجتماعية، ولهذه البرامج طبيعة خاصة تتسم بالبطء، مما يجعل الأثر المالى الناتج عن الإصلاحات أكثر وطأة على الفقراء.

قال أبو باشا إن الحكومة لا تتعمد شدة التأثير على الفقراء وقت صياغة الإصلاحات، ولكن يكون هدفها الأبرز والأساسى هو تخفيف عجز الموازنة، وهو ما يتم ترجمته فى شكل إصلاحات.

وفيما يخص قانون الخدمة المدنية، أكد أبو باشا أنه أحد أهداف الإصلاح التى تستهدفها الحكومة لإصلاح الجهاز الإدارى للدولة، لا سيما بعد تضخم بند الأجور أيًا كان توزيعه، وذلك من خلال دراسة تقليل معدلات زيادته نظرًا لعدم تساوى معدلات زيادته مع معدلات الزيادة فى إنتاجية العاملين بالجهاز الإدارى للدولة.

ولفت أبو باشا إلى أن معدل الزيادة فى الأجور عاد إلى طبيعته هذا العام بعد أن خطا خطوات واسعة خلال الأعوام المالية التى لحقت ثورة يناير فلم تتخطى الزيادة 11 مليار جنيه.

وعلى جانب الإصلاح الإدارى الذى تطمح الحكومة فى تحقيقه من تطبيق قانون الخدمة المدنية، قال أشرف العربى المستشار الضريبى لصندوق النقد الدولى، إن الحكومة تهدف إلى تعظيم الاستفادة من الجهاز الإدارى للدولة، ووضع استراتيجية جديدة للعمل وبناء الإنتاج والاجتهاد، وهو أمر من الصعب تحقيقه بسبب عبء الجهاز الإدارى المحمل بنحو 6.5 مليون موظف تمثل أكبر كثافة وظيفية على مستوى العالم، منهم على الأقل نحو 4 ملايين موظف سيفشل القانون فى تأهيلهم، وهو ما لم تجد له الحكومة مخرجًا.

وتساءل العربى إذا كانت الحكومة قد قدرت مخصصًا ماليًا لتدريب هؤلاء العاملين من أجل إتاحة الفرصة أمامهم للتطور وفقًا لما يتيحه القانون.
أما أثر برامج الحماية الاجتماعية فقال العربى إن الحديث عن آثارها مبكر للغاية وتقييم ما إذا كان لها أثر فى تحييد أثر الإصلاحات المالية على الفقراء أيضًا يحتاج إلى وقت إضافى للدراسة والبحث لكنه محدود حتى الآن.

وفيما يخص ربط حوافز موظفى المصالح الإيرادية بالربط الضريبى المستهدف قال العربى إن الحكومة لم تنظر لأجور هؤلاء من جانب الرعاية الاجتماعية أو من جانب تقليل الأجور لكنها نظرت إليه من جانب تحقيق الربط الذى سيسيطر على العجز الكلى فى الموازنة العامة للدولة.

وشرح العربى فكرة أن الـ %10 الأوفر حظا هم من سيتحملون الأثر التضخمى من الانتقال إلى قانون القيمة المضافة، مشيرًا إلى أن هذه الشريحة من الأغنياء يعول عليها فى تمرير الضريبة إلى الطبقات الأقل حظا فمن المعروف أن الشخص الأضعف هو من يتحمل الضريبة غير المباشرة وليس الأوفر حظًا.