هبة محمد:
حرصت الهيئة القومية للبريد منذ نشأتها فى عام 1865 على توطيد علاقتها مع جميع المواطنين، خاصةً الفئات الأقل دخلًا وذلك عبر تواضع قيم الحد الأدنى المطلوبة لفتح الحساب، بجانب انتشار شبكة فروعها التى تتعدى الـ 4 آلاف مكتب، إلا أن تلك المزايا لم تستغل بكفاءة لرفع مستويات معيشة تلك الشريحة التى تستحوذ على النسبة العظمى من المجتمع، ويرجع ذلك إلى عاملين رئيسيين، هما: غياب الإستراتيجية الحقيقية لدعم مستويات العملاء الأشد فقرا، ومغالاة البريد فى العمولات.
وأكد عدد من العاملين فى مجال التمويل متناهى الصغر، أن بعض الجمعيات الأهلية تفاوضت مع «البريد» لاستخدام منافذها فى صرف وسداد قيمة القروض للعملاء، ولكن «البريد» اشترط تلقى عمولة مرتفعة تزيد من الأعباء المالية على العملاء، الأمر الذى دفع الجمعيات لرفض توقيع الاتفاقية.
وأكد خبراء النشاط ضرورة إدماج الهيئة فى منظومة التمويل متناهى الصغر، سواء عبر إصدار قرار سياسى بمشاركتها فى التمويل المباشر للعملاء، أو من خلال توقيع بروتوكولات لسداد القروض أو صرفها، مشيرين إلى عدم جدوى إضافة منافذ للجمعيات داخل مكاتب البريد لاسيما أن المشكلة الحقيقية ليست فى تسويق قروض ومنتجات الجمعيات، وإنما فى قيمة التمويلات المتاحة فى السوق.
من جانبه، لفت إيهاب فريد، المدير المالى للجمعية المصرية، لمساعدة صغار الصناع والحرفيين، إلى أن أبرز الصعوبات التى واجهته فى استخدام فروع البريد لسداد وصرف القروض تتمثل فى «مغالاة الهيئة» لفرض عمولة كبيرة على سداد وصرف القرض، موضحًا أنها طلبت 5 جنيهات للعميل الواحد لتحصيل القروض.
وقال إن تلك الرسوم سترفع إجمالى الأعباء المالية على العملاء وتقلص قدرتهم على السداد وقد تزيد معدلات التعثر فى المحافظ، لاسيما أن العميل يسدد القرض أسبوعيًا وبذلك تتعدى العمولة الشهرية الـ 20 جنيهًا، والتى تعتبر قيمة مرتفعة لفئة تقترض عدة آلاف جنيهات.
وأكد ضرورة خفض تلك الرسوم، بما يرفع من كفاءة أداء الجمعيات التى تلجأ لإيداع جميع قيمة القروض المسددة بالبنوك قبل انتهاء موعد عملها اليومى، مقترحًا قيام البريد بتمويل الجمعيات الكبرى مباشرةً بأسعار فائدة قد تصل إلى %13 بما يحقق لها استثمارًا جيدًا بعائد مرتفع وسداد مضمون لتلك القروض.
ويصل عدد حسابات التوفير بالبريد إلى 23.1 مليون حساب نهاية يونيو 2014 مقابل 20 مليون حساب نهاية يونيو 2010، فى حين تراجعت عدد عمليات الإيداع إلى 15.3 مليون عملية منتصف يونيو 2014 مقارنةً بـ 18.4 مليون عملية نهاية يونيو 2010.
ورفض اشتراك البريد فى إقراض العملاء مباشرةً منعًا لاشتعال المنافسة بينه وبين مؤسسات التمويل متناهى الصغر، إلى جانب افتقاده للخبرات البشرية المؤهلة للوصول ميدانيًا إلى العملاء فى أماكنهم على غرار ما تطبقه الجمعيات لمنح القروض أو سدادها.
وأكد المهندس خالد نجم، الرئيس السابق للهيئة القومية للبريد، بداية العام الجارى، أن الهيئة تبحث توفير قروض للعملاء عبر اتفاقيات مع عدد من البنوك، بينها بنك ناصر الاجتماعى، حيث ستعمل كوسيط لتسهيل الإجراءات، وهو التوجه الذى أعلنت الهيئة اتخاذه فى مطلع العام الماضى، بهدف تقديم خدمات متكاملة للعملاء، خاصةً فى ظل منع البنك المركزى لها من تقديم أى خدمات مالية مباشرة.
وأضاف أن التعاقد على استخدام منافذ البريد لتسويق قروض الجمعيات لن يرفع من قيمة القروض فى السوق، ويقلص الفجوة بين العرض والطلب، لاسيما أن كثيرًأ من الجمعيات تضع نسبة من العملاء على قوائم الانتظار للحصول على التمويل، ولكنها على دراية واسعة بالوصول إلى العملاء فى أماكنهم.
فيما قال حسن إبراهيم، استشارى التمويل متناهى الصغر، إن انضمام «البريد» لمنظومة التمويل متناهى الصغر يخدم النشاط ويرفع من مؤشرات أدائه خلال المرحلة المقبلة، نظرًا لعدة مقومات يمتلكها «البريد»، على رأسها تمتعه بشبكة فروع تغطى جميع أنحاء الجمهورية ووصوله إلى القرى والنجوع، كما أن نسبة كبيرة من العملاء الأقل دخلًا تدخر أموالها فى دفتر التوفير المتعارف عليه منذ سنوات ماضية.
ولفت إلى ضرورة معالجة عدد من المعوقات التى تقلل من فعالية دوره فى تنمية النشاط، وهى غياب الإدارة الرشيدة التى تدير هذا الصرح، إذ أن بعض فروع البريد مرتبطة ببعضها عبر نظام إلكترونى وليست جميع المكاتب بما يقلص من كفاءته فى تنمية النشاط، مقترحًا قيام البريد بالإقراض المباشر للعملاء دون الاقتصار على الاستفادة من منافذه عبر السداد والمنح.
وأوضح المهندس خالد نجم بداية العام الجارى، اتخاذ الهيئة خطوات فعلية لتنفيذ خطة لتحويل جميع خدماتها المقدمة إلى خدمات إلكترونية، وتطوير مكاتبها لتصبح منافذ للحكومة الإلكترونية.
وأوضح أن اتساع السوق المحلية لن يضغط على الجمعيات الأهلية، ويشعل السباق بين الهيئة والجمعيات، رافضًا فكرة استغلال الجمعيات فروع البريد بهدف تسويق منتجاتها، لاسيما أن الجمعيات لا تواجه مشكلات تتعلق بجذب عملاء جدد، وإنما تدرك أماكنهم وما يناسبهم.
وأشار إلى أن بعض الجمعيات تتعاقد مع البريد فى سداد القروض وصرفها، ومنها رجال أعمال الإسكندرية والهيئة الإنجيلية، مقترحًا إدماج بنك التنمية والائتمان الزراعى فى الإقراض متناهى الصغر دون الاقتصار على التمويلات الزراعية الصغرى، نظرًا لما يتمتع به من انتشار واسع.
وأضاف أن استخدام البريد يعتبر أفضل الحلول لتعزيز نشاط التمويل متناهى الصغر، لاسيما أن القانون لم يسمح للجمعيات بتلقى الإيداعات من العملاء، مشيرًا إلى أن استغلال منافذ البريد فى التحصيل سيقلل مصروفات الانتقال لسداد القروض فى فروع الجمعية.
فيما رحب، مسئول بجمعية رجال أعمال الإسكندرية، باستغلال فروع البريد فى دعم نشاط التمويل متناهى الصغر، موضحًا أن الجمعية تستعين ببعض الفروع فى منح وتحصيل قيمة القروض من العملاء، كما تشترط فى منتج شبابى أن يفتح العميل حسابًا بالبريد ليتلقى عليه قيمة القرض ويصرفه فيما بعد.
وقال إن الجمعية تفتح حسابًا ذهبيًا بالبريد، ثم يفتح العملاء حسابات فضية، يتم تحويل قيمة القروض فيها بصورة تدريجية وليس كل القرض، مشيرًا إلى أن «أعمال الإسكندرية» تتعاقد مع البريد مقابل عمولة محددة تتوافق مع احتياجات جميع الأطراف.
كان معتز الطباع، الرئيس التنفيذى لجمعية رجال أعمال الإسكندرية، قد قال نهاية أبريل 2013 لـ«المال» إن الجمعية وقعت بروتوكول تعاون مع البريد المصرى، لاستغلال ثلاثة فروع للهيئة بشكل مبدئى فى توفير القروض لعملاء الجمعية القائمين والجدد.
وأشار إلى أنه لم يتم تحديد قيمة مستهدفة من القروض التى سيتم منحها من خلال تلك الفروع، إلا أنه من المتوقع أن يتم استقطاب عدد كبير من العملاء، خاصةً أن تلك الفروع يتعامل معها نحو 7500 عميل.
ولفت إلى أن الجمعية ستعمل على تشجيع عملائها الحاليين والمحتملين للادخار فى فروع البريد المصرى، نظرًا لأن القانون لا يسمح لها بقبول الإيداعات من المواطنين، بما يساهم فى رفع حجم الادخار بفروع الهيئة ويحقق استفادة جيدة لها.
وأضاف أن هذه الخطوة ستساهم فى تقليل حجم النقود الورقية المتداولة، من خلال حث العملاء على تحويل أقساط القروض من حساباتهم القائمة فى فروع البريد على حساب الجمعية، الأمر الذى يزيد من حركة تنشيط الحسابات ويقلل الكاش.
وقال إن الجمعية لم تحدد عدد أو أماكن فروع هيئة البريد المصرى التى من المتوقع أن يتم تدشين خدمات الجمعية بها خلال المرحلة المقبلة، حيث إنها تنتظر نجاح تجربة الاستعانة بفروع الهيئة.