التزوير والتلاعب نشاط ممنهج تمارسه البنوك الأمريكية

 التزوير والتلاعب نشاط ممنهج تمارسه البنوك الأمريكية


اعتراف خمسة مصارف منها بارتكابه

أيمن عزام:

خمسة بنوك كبرى بحى المال فى وول ستريت، أقرت مؤخرًا بتزوير أسعار الفائدة والتلاعب فى أسعار النقد الأجنبى، وهو ما يعد بمثابة نقطة تحول فى النظر لهذه البنوك، فهذه المرّة الجريمة التى ارتكبتها هذه البنوك تبدو كنهج وسلوك اعتيادى، بدلا من أن يكون حدثًا طارئًا غير متعمَّد.

وكشف تقريرٌ نشره موقع بيزنس إنسايدر أن البنوك أصبحت تتعامل مع مصاريف القضايا والرسوم القانونية، بجانب الغرامات الجنائية، بوصفها أمورًا معتادة وتكاليف واجبة السداد لمن يؤدى الأعمال فى حى المال بوول ستريت.

والدليل على ذلك أن القضية ليست مرتبطة بالأزمة المالية، لكنها نشأت منذ عشر سنوات ماضية عندما قام متعاملون من بعض البنوك بالتلاعب بأسعار الإنتربنك المطروحة فى لندن، وهى أسعار فائدة مهمة تستخدم فى جميع أنحاء العالم كمعيار استرشادى لتحديد أسعار قروض الرهن العقارى والقروض الأخرى. وقام متعاملون آخرون بالتلاعب فى الأسعار التى تستعين بها البنوك فى شراء أو بيع العملات.

لم يوجَّهْ الاتهام الجنائى إلى أىٍّ من المتعاملين المنتمين إلى البنوك التى تشمل: باركليز وسيتى جروب وجى بى مورجان و RBSوUBS، بينما سدّدت البنوك غرامات بقيمة 5.6 مليار دولار.

قد يتم النظر للاتهامات الجنائية بوصفها انتصارًا كبيرًا للجهات الرقابية، لكن الحقيقة أن البنوك لا الموظفين المتلاعبين هى التى تحملت المسئولية، بما يعنى أن فرص ارتكاب الأخطاء مستقبلا تظل كبيرة.

قال بيتر هننج، أستاذ قانون الأوراق المالية بجامعة واين ستيت الأمريكية، إنه يعتقد أن القضية برُمّتها، بما تتضمنه من غرامات، قد تحولت بالنسبة للبنوك إلى أحد بنود المصروفات التى تقلل أرباحها، والتى يتم إدراجها فى تقرير الأرباح ضمن التكاليف، مثل الرواتب والإيجارات وفواتير المرافق.

دفعت البنوك غرامات مماثلة فى قضايا سابقة، لكن سدادها للغرامات هذه المرة اكتسب أهمية بارزة؛ لأن البعض كان يتوقع أن تؤدى الغرامات- خصوصًا الجنائىَّ منها- إلى إلحاق أضرار قاسية بتلك البنوك.

لكن البنوك الخمسة حصلت، بدلا من هذا، على تنازلات من المفوضية الأمريكية للنقد الأجنبى والأوراق المالية، بما يعنى السماح لها بمواصلة أعمالها بشكل معتاد. لم تقرِّرْ المفوضية مثلا معاقبة البنوك عن طريق تقييد حصولها على القروض أو الحصول على الإيداعات أو إصدار الأوراق المالية، أو أى قيود أخرى يتم فرضها عليها، لمعاقبتها على جرائم التزوير والتلاعب.

على أن استفادة البنوك الغربية من تنازلات الجهات الرقابية ليست بالأمر الجديد، فقد أشارت كارا شتاير، المفوّضة فى المفوضية الأمريكية للأوراق المالية والنقد الأجنبى، إلى أن بنك باركليز حصل بالفعل على ثلاثة تنازلات منذ عام 2007، وبنك UBS على سبعة، وبنك جى بى مورجان على ستة، وبنك RBS على ثلاثة.

وأكدت المفوضية أن البنوك الخمسة وافقت على الخضوع لفترة اختبار، تمتنع خلالها عن ارتكاب مخالفات، وذلك مقابل تنازل المفوضية عن توقيع قيود على البنوك المدانة.

وأضاف هننج أن الاكتفاء بالغرامات لن يؤدى إلى تغيير سلوك البنوك المدانة؛ لأنها تعتبر أن المكاسب التى تحققها جراء ارتكاب المخالفات تظل أكبر كثيرًا، مقارنة بقيمة الغرامات، وهو ما يحوِّل الغرامات إلى مجرد بند من بنود التكاليف الواردة فى تقرير الأرباح.

وتزامنت أخبار فرض الغرامات مع صدور نتائج دراسة حول أخلاقيات التعامل فى حى المال بوول ستريت عن شركة لابتان سشرو وجامعة نوتردام.

وكشفت الدراسة أن رُبع المصرفيين مستعدون لارتكاب مخالفات، حال تحقيقهم مكاسب تُقدر بنحو 10 ملايين دولار. وتوصلت الدراسة كذلك إلى أن %17 من المصرفيين فى حى المال بوول ستريت يستبعدون قيام المصرفيين الكبار بإبلاغ الجهات الرقابية بالأنشطة غير القانونية.

والقلق الأكبر، حسب ما ذكرته الدراسة، هو أن الفكر السائد فى بنوك حى المال بوول ستريت، انتقل من مرحلة السماح بارتكاب المخالفات «ما دمتَ بعيدًا عن أعين الجهات الرقابية"، إلى مرحلة السماح بالمخالفات، حتى فى حال نجاح الجهات الرقابية فى "اكتشاف المخالفات التى قُمتَ بارتكابها».