تشهد الولايات المتحدة أول موجة احتجاجات وطنية منسقة ضد التوسع السريع في إنشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، في تطور يعكس تنامي المخاوف الشعبية من الآثار الاقتصادية والبيئية لهذه الاستثمارات الضخمة، في وقت تتسابق فيه شركات التكنولوجيا الكبرى لتعزيز بنيتها التحتية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ومن المقرر أن يشهد 125 موقعًا على الأقل في مختلف أنحاء الولايات المتحدة احتجاجات متزامنة، بتنظيم من مجموعة HumansFirst، اعتراضًا على ما تصفه بـ"التوسع غير الخاضع للمساءلة" في بناء مراكز البيانات، وسط مطالب بزيادة الشفافية وحماية الموارد الطبيعية وإشراك المجتمعات المحلية في قرارات الترخيص.
استثمارات الذكاء الاصطناعي
تأتي الاحتجاجات بينما تضخ شركات التكنولوجيا، مثل ميتا وألفابت (جوجل) وأمازون ومايكروسوفت وxAI التابعة لإيلون ماسك، مليارات الدولارات في بناء مراكز بيانات جديدة لتلبية الطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي.
لكن هذه الطفرة الاستثمارية بدأت تواجه مقاومة متصاعدة بسبب المخاوف من ارتفاع استهلاك الكهرباء والمياه، وزيادة فواتير الطاقة، والضغوط على البنية التحتية المحلية، إلى جانب التأثيرات البيئية المحتملة.
وأظهر استطلاع أجرته رويترز/إبسوس في يونيو أن 14% فقط من الأمريكيين يؤيدون إنشاء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي داخل مجتمعاتهم، بينما لا يؤيد سوى نحو ثلث المشاركين الوتيرة الحالية لتوسع هذه المشروعات، ما يعكس اتساع فجوة القبول الشعبي رغم الزخم الاستثماري.
تتصدر ولاية تكساس، التي تعد إحدى أكبر وجهات استثمارات مراكز البيانات في الولايات المتحدة، قائمة الولايات من حيث عدد الاحتجاجات المتوقعة بواقع 16 احتجاجًا، تليها جورجيا بـ11 احتجاجًا، ثم كاليفورنيا وفلوريدا وبنسلفانيا بواقع 7 احتجاجات لكل منها.
ويرى منظمو الاحتجاجات أن القضية تجاوزت الانقسام السياسي التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين، لتتحول إلى ملف محلي يتعلق بحماية الموارد الطبيعية وحقوق المجتمعات في الاطلاع على تفاصيل المشروعات قبل الموافقة عليها.
المياه والطاقة في قلب الأزمة
تتمحور أبرز الاعتراضات حول الاستهلاك الكبير للمياه والطاقة، إذ يخشى السكان في بعض المناطق من أن يؤدي تشغيل مراكز البيانات إلى استنزاف الموارد المائية ورفع تكاليف الكهرباء.
وفي مقاطعة إمبريال بولاية كاليفورنيا، يثير مشروع مقترح لمركز بيانات جدلاً واسعًا بعد تقديرات تشير إلى أنه قد يستهلك نحو 260 مليون جالون من المياه سنويًا من نهر كولورادو، وهو ما يعتبره المعارضون عبئًا بيئيًا كبيرًا في منطقة تعاني بالفعل من ضغوط مائية.
في المقابل، تؤكد صناعة مراكز البيانات أن استهلاكها للمياه يظل أقل من العديد من القطاعات الصناعية الأخرى، وأن الشركات تعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد وتقليل الأثر البيئي لمشروعاتها.
تعكس الاحتجاجات تحولًا في طبيعة النقاش حول الذكاء الاصطناعي، إذ لم يعد يقتصر على المنافسة التكنولوجية أو الفرص الاقتصادية، بل امتد إلى تداعياته على المجتمعات المحلية والموارد الطبيعية.
ومع استمرار السباق العالمي لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، قد تصبح قدرة الشركات على تحقيق التوازن بين التوسع الاستثماري والاستدامة البيئية وكسب قبول المجتمعات المحلية عاملًا حاسمًا في مستقبل هذا القطاع سريع النمو.