خصصت الحكومة البريطانية استثمارات بقيمة 5 مليارات جنيه إسترليني لتطوير الطائرات المسيّرة والأنظمة العسكرية ذاتية التشغيل، ضمن خطة الاستثمار الدفاعي الجديدة التي طال انتظارها، في خطوة تستهدف إعادة هيكلة القوات المسلحة البريطانية وتحديث قدراتها بما يتماشى مع متطلبات الحروب الحديثة والتحديات الأمنية المتزايدة.
وبحسب وكالة رويترز، تأتي الخطة بعد أشهر من التأجيل والجدل السياسي بشأن تمويل قطاع الدفاع، إذ تضع التكنولوجيا العسكرية المتقدمة في صدارة أولويات الإنفاق، مع التركيز على الطائرات المسيّرة الهجومية والأنظمة غير المأهولة والسفن والغواصات ذاتية التشغيل، بدلاً من الاعتماد التقليدي على المنصات العسكرية الثقيلة.
التحول نحو الحروب الذكية
تعكس الخطة البريطانية تحولا استراتيجيا في العقيدة العسكرية، مستلهمة الدروس المستفادة من الحرب في أوكرانيا، التي أبرزت الدور المتنامي للطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة في تنفيذ العمليات العسكرية والاستطلاع والهجمات الدقيقة، مقارنة بالأسلحة التقليدية مرتفعة التكلفة.
وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن الاستثمار الجديد يمثل خطوة "تغيّر قواعد اللعبة" بالنسبة للقوات المسلحة، مؤكداً أن الحكومة تسعى إلى تزويد الجيش بأحدث التقنيات التي تعزز جاهزيته وقدرته على مواجهة التهديدات المستقبلية.
ومن المقرر أن يكشف ستارمر التفاصيل الكاملة للخطة خلال خطاب رسمي، في واحدة من أبرز المبادرات الدفاعية قبل مغادرته منصبه، بعدما أعلن في وقت سابق عزمه التنحي، وسط توقعات بتولي قيادة جديدة للحكومة خلال الأسابيع المقبلة.
واجهت خطة الاستثمار الدفاعي تأخيراً استمر نحو تسعة أشهر نتيجة الخلافات بشأن حجم التمويل المطلوب، وهي الأزمة التي تفاقمت بعد استقالة وزير الدفاع السابق جون هيلي، الذي وجه انتقادات حادة للحكومة بسبب عدم توفير الموارد المالية الكافية لتعزيز الأمن القومي في ظل تصاعد المخاطر الدولية.
ورغم إعلان الحكومة التزامها برفع الإنفاق الدفاعي إلى ما يعادل 3% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الدورة البرلمانية المقبلة، مقارنة بنحو 2.6% متوقعة العام المقبل، فإنها لم تكشف حتى الآن عن كيفية سد فجوة تمويل تقدر بنحو 28 مليار جنيه إسترليني خلال السنوات الأربع المقبلة، وفق تقديرات القيادات العسكرية البريطانية.
أكد وزير الدفاع البريطاني الجديد دان جارفيس أن الأنظمة غير المأهولة أصبحت العنصر الأكثر تأثيراً في ساحات القتال الحديثة، مشيراً إلى أن الخطة الجديدة ستسرّع توفير المعدات والتقنيات المتطورة للقوات المسلحة.
وتستند هذه الرؤية إلى التجربة الأوكرانية، حيث يجري استخدام ما يقرب من 200 ألف طائرة مسيّرة شهرياً في العمليات العسكرية ضد روسيا، بينما تتطور تقنيات الطائرات بدون طيار بوتيرة أسرع بكثير من دورات تطوير السفن الحربية أو الطائرات المقاتلة التقليدية.
ولهذا السبب، تعطي الخطة أولوية للاستثمار في الأنظمة القابلة للتطوير السريع والمرنة، بدلاً من التركيز على المنصات العسكرية الضخمة التي استغرقت لعقود العمود الفقري للسياسات الدفاعية البريطانية.
تشمل الخطة أيضاً إعادة صياغة برنامج تحديث الأسطول البحري، إذ قررت الحكومة التخلي عن مشروع استبدال المدمرات القديمة، والاتجاه بدلاً من ذلك إلى شراء ما لا يقل عن ست سفن قتالية متعددة المهام تعمل كمراكز قيادة للأنظمة غير المأهولة، إلى جانب توفير زوارق هجومية عالية السرعة لقوات الكوماندوز.
ويعكس هذا التوجه اعتماد البحرية البريطانية بصورة أكبر على المنصات الذكية التي يمكنها إدارة وتشغيل أسراب من الطائرات المسيّرة والوحدات البحرية غير المأهولة، بما ينسجم مع التحولات الجارية في مفهوم العمليات البحرية الحديثة.
تأتي الخطة في وقت تواجه فيه بريطانيا ضغوطاً متزايدة لتعزيز قدراتها الدفاعية، خاصة مع تغير البيئة الأمنية الأوروبية وتراجع الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، فضلاً عن تصاعد التوترات الجيوسياسية في عدد من المناطق.
كما تعرضت الحكومة البريطانية لانتقادات خلال الأشهر الماضية بعدما لم تتمكن البحرية الملكية من نشر سفينة حربية متطورة بشكل فوري إلى قبرص عقب تعرض قاعدة جوية بريطانية هناك لهجوم بطائرة مسيّرة إيرانية الصنع، وهو ما أعاد فتح النقاش حول جاهزية القوات المسلحة وقدرتها على الاستجابة السريعة للأزمات.
ومن المنتظر أن تحظى خطة الاستثمار الدفاعي باهتمام واسع داخل الأوساط العسكرية والصناعية، خاصة قبل انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة خلال يوليو المقبل، حيث تسعى الدول الأوروبية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية في ظل التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية العالمية.