تتجه المدن الأوروبية بصورة متزايدة إلى توظيف التقنيات الذكية في مواجهة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للتغيرات المناخية، مع تحول موجات الحر القياسية إلى تحدٍ دائم يفرض ضغوطًا متزايدة على أنظمة الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والموازنات الحكومية. وفي هذا الإطار، برزت العاصمة الإيطالية روما كنموذج جديد يعتمد على التكنولوجيا القابلة للارتداء لحماية كبار السن، باعتبارهم الفئة الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية خلال فترات الارتفاع الحاد في درجات الحرارة.
وبحسب وكالة رويترز، تعتمد بلدية روما على برنامج ممول من الاتحاد الأوروبي بقيمة تصل إلى 400 مليون يورو، أُطلق العام الماضي ضمن برامج التعافي بعد جائحة كورونا، ويستفيد منه حاليًا نحو 700 من كبار السن، من خلال تزويدهم بأساور إلكترونية ذكية تراقب المؤشرات الحيوية، وترصد حالات السقوط، وتتابع الحركة داخل المنزل وخارجه، مع توفير اتصال مباشر بفرق الرعاية الاجتماعية والطوارئ عند الحاجة.
ويأتي المشروع في وقت تشهد فيه أوروبا واحدة من أشد موجات الحر خلال العقود الأخيرة، بعدما تجاوزت درجات الحرارة في عدد من الدول حاجز الأربعين درجة مئوية، الأمر الذي أدى إلى تسجيل وفيات، وتعطل قطاعات اقتصادية، وضغوط متزايدة على المستشفيات وشبكات الكهرباء والبنية التحتية، ما دفع الحكومات إلى البحث عن حلول وقائية أقل تكلفة وأكثر كفاءة من التدخلات العلاجية التقليدية.
التكنولوجيا تتحول إلى أداة للرعاية الوقائية
يعكس المشروع الإيطالي تحولًا واضحًا في فلسفة إدارة الرعاية الصحية، إذ لم تعد التكنولوجيا تقتصر على تطوير الأجهزة الطبية داخل المستشفيات، وإنما أصبحت وسيلة لمراقبة الحالة الصحية للمواطنين بشكل استباقي داخل منازلهم.
وتعمل الأساور الذكية على قياس معدل ضربات القلب، وأنماط النوم، ومستوى النشاط البدني، كما ترصد السقوط المفاجئ أو التوقف غير المعتاد عن الحركة، وهو ما يسمح بإرسال تنبيهات فورية إلى فرق المتابعة أو أفراد الأسرة، قبل أن تتفاقم الحالة الصحية.
ويؤكد متخصصون في الرعاية الصحية أن هذا النوع من التقنيات يسهم في تقليل زمن الاستجابة للحالات الطارئة، ويزيد من فرص التدخل المبكر، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على معدلات النجاة وجودة الرعاية الصحية.
استثمار في الوقاية قبل العلاج
من الناحية الاقتصادية، يمثل المشروع نموذجًا لما يعرف بالاستثمار في الوقاية الصحية، وهو توجه تتبناه الحكومات الأوروبية بصورة متزايدة في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف العلاج والرعاية طويلة الأجل.
فمع تزايد أعداد كبار السن في أوروبا، أصبحت الأنظمة الصحية تواجه ضغوطًا مالية متصاعدة نتيجة ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة والحاجة إلى خدمات الرعاية المستمرة.
وفي هذا السياق، ترى الحكومات أن الإنفاق على أدوات المراقبة الصحية الذكية أقل تكلفة بكثير من تحمل نفقات دخول المرضى إلى المستشفيات أو علاج المضاعفات الناتجة عن التأخر في اكتشاف الحالات الحرجة.
كما تساهم هذه التقنيات في تخفيف الضغط على أقسام الطوارئ، وتقليل عدد الزيارات غير الضرورية للمستشفيات، بما يحسن كفاءة استخدام الموارد الصحية.
يأتي المشروع في وقت تواجه فيه إيطاليا واحدة من أعلى معدلات الشيخوخة السكانية في أوروبا، حيث تمثل الفئات العمرية المتقدمة نسبة متزايدة من إجمالي السكان.
ويفرض هذا الواقع تحديات كبيرة على الحكومات، سواء فيما يتعلق بالرعاية الصحية أو أنظمة التأمين الاجتماعي أو الإنفاق العام.
ومن المتوقع أن يؤدي استمرار ارتفاع متوسط العمر إلى زيادة الطلب على خدمات الرعاية المنزلية والتقنيات الصحية الرقمية، ما يفتح آفاقًا واسعة أمام الشركات العاملة في مجالات التكنولوجيا الطبية والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء.
تعد الأجهزة القابلة للارتداء من أسرع قطاعات التكنولوجيا نموًا على مستوى العالم، إذ لم تعد تقتصر على الاستخدام الرياضي أو متابعة اللياقة البدنية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة الرعاية الصحية الحديثة.
وتتجه الحكومات وشركات التأمين الصحي إلى توسيع استخدام هذه الأجهزة في مراقبة المرضى عن بُعد، ومتابعة الأمراض المزمنة، وتقليل تكاليف العلاج.
كما يشهد قطاع البرمجيات الطبية نموًا متسارعًا مع تزايد الاعتماد على تحليل البيانات الصحية في الوقت الحقيقي، بما يسمح باتخاذ قرارات علاجية أكثر دقة وسرعة.
موجات الحر تفرض واقعًا اقتصاديًا جديدًا
لا تقتصر آثار موجات الحر على الجانب الصحي، بل تمتد إلى الاقتصاد بأكمله.
فارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة استهلاك الكهرباء، وتراجع إنتاجية العمال، وارتفاع الإنفاق الحكومي على خدمات الطوارئ، فضلًا عن تأثيره على قطاعات النقل والزراعة والسياحة.
كما ترتفع تكاليف التأمين والرعاية الصحية بصورة ملحوظة خلال فترات الحر الشديد، وهو ما يدفع الحكومات إلى تبني استراتيجيات وقائية تقلل من الخسائر الاقتصادية المحتملة.
وفي هذا الإطار، ينظر إلى مشروع روما باعتباره استثمارًا طويل الأجل في تعزيز قدرة المدن على التكيف مع التغيرات المناخية، وليس مجرد مبادرة اجتماعية مؤقتة.
لا يقتصر دور الأساور الذكية على إرسال الإنذارات في حالات الطوارئ، بل يشمل أيضًا توفير متابعة يومية للحالة الصحية والنفسية للمستفيدين.
وتجري فرق الرعاية الاجتماعية اتصالات منتظمة مع كبار السن للتأكد من تناول الأدوية، والاطمئنان على قدرتهم على التعامل مع موجات الحر، إضافة إلى تقديم الدعم النفسي وتقليل الشعور بالعزلة، وهو ما يعزز مفهوم الرعاية المتكاملة الذي يجمع بين التكنولوجيا والخدمة الإنسانية.
وتشير التجربة إلى أن التكنولوجيا لا تستهدف استبدال العنصر البشري، وإنما تعزيز كفاءة الخدمات الاجتماعية وتمكينها من الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستفيدين.
ورغم المزايا التي يوفرها النظام، فإن بعض كبار السن أبدوا تحفظات بشأن مشاركة بياناتهم الصحية أو تتبع تحركاتهم، وهو ما دفع الجهات المشرفة إلى التأكيد أن النظام لا يعتمد على الكاميرات أو التسجيلات الصوتية، وإنما يقتصر على جمع البيانات الضرورية لضمان السلامة الصحية.
ويرى خبراء التحول الرقمي أن نجاح مثل هذه المبادرات يتطلب تحقيق توازن دقيق بين حماية الخصوصية والاستفادة من البيانات، من خلال تطبيق أعلى معايير الأمن السيبراني والشفافية في إدارة المعلومات الشخصية.
يرى مراقبون أن تجربة روما قد تمثل نموذجًا يمكن تعميمه في مدن أوروبية أخرى تواجه تحديات مشابهة، خاصة مع تزايد موجات الحر وارتفاع نسبة كبار السن.
كما يمكن أن تمتد الفكرة مستقبلًا لتشمل مرضى الأمراض المزمنة وذوي الإعاقة والأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، بما يعزز مفهوم الرعاية الصحية الذكية ويخفض الأعباء المالية على الأنظمة الصحية.
ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه الاتحاد الأوروبي توجيه استثمارات كبيرة نحو التحول الرقمي في قطاع الصحة، باعتباره أحد المحاور الرئيسية لبناء أنظمة صحية أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة الأزمات.
تكشف تجربة العاصمة الإيطالية أن مواجهة التغيرات المناخية لم تعد تعتمد فقط على السياسات البيئية، بل أصبحت ترتبط أيضًا بتطوير حلول تكنولوجية مبتكرة لحماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
ومع توقعات بتكرار موجات الحر وازدياد حدتها خلال السنوات المقبلة، تبدو الاستثمارات في التكنولوجيا الصحية والرعاية الرقمية خيارًا استراتيجيًا للحكومات الأوروبية، ليس فقط لتحسين جودة الحياة، وإنما أيضًا للحد من الإنفاق الصحي، وتعزيز كفاءة الخدمات العامة، وبناء منظومة أكثر قدرة على الصمود أمام التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للتغيرات المناخية.