أوقفت شركة “نيسان موتور” أعمال تطوير النسخة الكهربائية بالكامل من طراز «قشقاي»، أحد أكثر موديلاتها مبيعاً في السوق الأوروبية، في إطار خطة عالمية لإعادة الهيكلة وخفض التكاليف، وسط اشتداد المنافسة من الشركات الصينية وتباطؤ نمو الطلب على السيارات الكهربائية في بعض الأسواق الرئيسية.
وذكرت وكالة “رويترز” نقلاً عن ستة مصادر مطلعة، أن الشركة اليابانية أوقفت تطوير السيارة الكهربائية خلال العام الماضي بشكل غير معلن، في خطوة تعكس مراجعة أوسع لاستراتيجيتها الاستثمارية وتشكيلة منتجاتها العالمية، مع تركيز أكبر على النماذج الهجينة وتقليص عدد الطرازات المطروحة عالمياً.
مشروع بريطاني يتعرض للتأجيل
كانت نيسان قد أعلنت في عام 2023 خططاً لإنتاج نسخة كهربائية من «قشقاي» داخل مصنعها بمدينة سندرلاند البريطانية، أكبر مصانع السيارات في المملكة المتحدة، وهو المشروع الذي اعتبرته الحكومة البريطانية آنذاك دعماً مهماً لطموحات البلاد في التحول إلى مركز عالمي لصناعة السيارات الكهربائية.
لكن المصادر أوضحت أن أعمال التطوير توقفت فعلياً منذ أوائل عام 2025، في وقت تجري فيه الشركة حالياً مفاوضات مع الحكومة البريطانية للحصول على دعم مالي مرتبط بخطة جديدة لمستقبل المصنع، من المتوقع الإعلان عنها خلال الأشهر المقبلة.
ومن المنتظر أن تكشف الخطة الجديدة بصورة أوضح مصير مشروع «قشقاي» الكهربائية، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن الجدوى الاقتصادية للمشروع.
بحسب المصادر، فإن إعادة إحياء المشروع مستقبلاً لا تعني طرح السيارة في الأسواق على المدى القريب، إذ تشير التقديرات إلى أن النسخة الكهربائية من «قشقاي» لن تصل إلى الأسواق قبل أوائل ثلاثينيات القرن الحالي حتى في حال استئناف أعمال التطوير.
ويرى محللون أن هذا التأجيل قد يضع نيسان في موقف تنافسي صعب داخل واحدة من أهم فئات سوق السيارات الأوروبية، خاصة مع تسارع المنافسين في إطلاق طرازات كهربائية جديدة بأسعار أكثر تنافسية.
تكتسب الخطوة أهمية خاصة نظراً للدور المحوري الذي يلعبه طراز «قشقاي» في أعمال نيسان داخل أوروبا.
ووفقاً لبيانات المبيعات التي اطلعت عليها رويترز، استحوذت «قشقاي» على نحو 45% من إجمالي مبيعات الشركة الأوروبية خلال عام 2025، بعدما باعت نيسان نحو 330 ألف سيارة في القارة.
وتطرح الشركة حالياً الطراز بنسختين تعملان بالبنزين والنظام الهجين، بينما تواصل التوسع في نماذج كهربائية أخرى مثل «ليف» الكهربائية و«جوك» الكهربائية الجديدة التي تم الكشف عنها مؤخراً.
منافسة صينية
يأتي القرار في وقت تواجه فيه شركات السيارات اليابانية والأوروبية ضغوطاً متزايدة من المصنعين الصينيين الذين يواصلون التوسع بقوة في السوق الأوروبية عبر تقديم سيارات كهربائية بأسعار أقل ومواصفات تقنية متطورة.
وأدى هذا التحول إلى إعادة تقييم العديد من شركات السيارات العالمية لاستراتيجياتها الخاصة بالتحول الكهربائي، خاصة مع ارتفاع تكاليف التطوير والإنتاج وتراجع وتيرة نمو الطلب في بعض الأسواق مقارنة بالتوقعات السابقة.
السيارات الهجينة
في بيان رسمي، لم تؤكد نيسان أو تنفِ بصورة مباشرة وقف مشروع «قشقاي» الكهربائية، لكنها شددت على التزامها بتوسيع مجموعة السيارات "المكهربة"، وهو المصطلح الذي يشمل السيارات الكهربائية والهجينة معاً.
وأوضحت الشركة أن سوق السيارات الكهربائية الأوروبية تشهد حالة من التقلب وعدم الاستقرار، ما يدفعها إلى تبني استراتيجية "متوازنة" للتحول نحو الكهرباء بدلاً من الاعتماد الكامل على المركبات الكهربائية الخالصة.
ويعكس هذا التوجه اتجاهاً متنامياً داخل صناعة السيارات العالمية نحو تعزيز دور السيارات الهجينة كمرحلة انتقالية بين المركبات التقليدية والسيارات الكهربائية بالكامل.
يأتي تجميد المشروع ضمن برنامج إعادة هيكلة أوسع تنفذه نيسان على مستوى العالم لتحسين الربحية وتعزيز الكفاءة التشغيلية.
وكانت الشركة قد أعلنت في وقت سابق من العام الجاري وقف خطط إنتاج سيارتي دفع رباعي كهربائيتين في مصنعها بمدينة كانتون الأمريكية بولاية ميسيسيبي، مع تحويل التركيز نحو السيارات الهجينة.
كما تستهدف الشركة خفض عدد طرازاتها العالمية إلى 45 طرازاً مقارنة بـ56 طرازاً حالياً، في إطار خطة تهدف إلى تقليل التعقيدات التشغيلية وخفض النفقات الرأسمالية.
يظل مصنع سندرلاند البريطاني أحد أهم الأصول الصناعية لنيسان في أوروبا، إذ يوظف نحو 6 آلاف عامل ويسهم بأكثر من 35% من إجمالي إنتاج السيارات في المملكة المتحدة.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن أي دعم حكومي جديد للشركة سيكون مرتبطاً بالتزامها بإنتاج طرازات جديدة والحفاظ على الوظائف داخل المصنع.
كما أعلنت نيسان مؤخراً توقيع اتفاق مع شركة شيري لدراسة إمكانية تصنيع سيارات الشركة الصينية باستخدام أحد خطوط الإنتاج في سندرلاند، في خطوة قد تساعد على رفع كفاءة استخدام المصنع وتقليل التكاليف التشغيلية.
تواجه صناعة السيارات البريطانية أيضاً تحديات تنظيمية إضافية بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، حيث يجري حالياً بحث تعديلات على القواعد التي تلزم الشركات بتحقيق نسب محددة من مبيعات السيارات الكهربائية أو مواجهة غرامات مالية.
كما تثير المقترحات الأوروبية المتعلقة بزيادة متطلبات المحتوى المحلي في السيارات الكهربائية مخاوف لدى المصنعين العاملين في بريطانيا، نظراً لاعتماد القطاع بشكل كبير على التصدير إلى أسواق الاتحاد الأوروبي التي تستوعب نحو 60% من السيارات المصنعة في المملكة المتحدة.
وتشير هذه التطورات إلى أن قرار نيسان بشأن «قشقاي» الكهربائية لا يرتبط فقط بخفض التكاليف، بل يعكس أيضاً إعادة تقييم شاملة لمستقبل صناعة السيارات الكهربائية في أوروبا، في ظل المنافسة الصينية المتصاعدة، والتغيرات التنظيمية، والضغوط المتزايدة على هوامش الربحية لدى الشركات التقليدية.