تعرضت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية لضغوط قوية خلال تعاملات اليوم الثلاثاء، حيث قادت أسهم التكنولوجيا موجة التراجع في وول ستريت مع تنامي المخاوف من رفع أسعار الفائدة الأمريكية واستمرار الإنفاق الضخم على مشروعات الذكاء الاصطناعي الممولة بالديون، ما أثار تساؤلات جديدة حول استدامة التقييمات القياسية التي سجلها القطاع خلال الأشهر الماضية.
وذكرت وكالة رويترز أن العقود الآجلة لمؤشر ناسداك 100، الذي يهيمن عليه قطاع التكنولوجيا، هبطت بنسبة 2.69%، بينما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 1.45%، وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 0.61%، في وقت امتدت فيه موجة الضغوط إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية وأسواق السلع الأولية.
رهانات السياسة النقدية
جاءت عمليات البيع المكثفة بعد ارتفاع توقعات المستثمرين بشأن استمرار تشديد السياسة النقدية الأمريكية خلال النصف الثاني من العام.
وتشير بيانات الأسواق إلى أن المتعاملين يتوقعون حالياً زيادات تراكمية في أسعار الفائدة الأمريكية بنحو 50 نقطة أساس بحلول ديسمبر المقبل، مقارنة بتوقعات كانت تشير قبل أسبوعين فقط إلى زيادة واحدة بمقدار 25 نقطة أساس.
ويأتي هذا التحول في التوقعات بعد تولي كيفن وورش قيادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، حيث تتبنى الأسواق رؤية أكثر تشدداً تجاه مسار السياسة النقدية ومكافحة التضخم.
وترى المؤسسات الاستثمارية أن استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض قد يؤثر سلباً على خطط الإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا، خصوصاً تلك المرتبطة بمشروعات الذكاء الاصطناعي التي تتطلب استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية الحاسوبية.
قادت الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية موجة التراجعات قبل افتتاح السوق الأمريكية.
وانخفض سهم إنفيديا بنحو 3%، كما تراجع سهم ألفابت (جوجل) بالنسبة نفسها، في حين تعرضت أسهم شركات الرقائق لخسائر أكبر.
وهبط سهم إنتل وسهم مارفيل تكنولوجي وسهم إيه إم دي AMD بنسب تراوحت بين 5.5% و7.5%، ما يعكس تزايد المخاوف من أن تكون التقييمات الحالية للقطاع قد تجاوزت الأساسيات المالية على المدى القصير.
التوسع عبر الديون
أحد أبرز العوامل التي أثرت على معنويات المستثمرين تمثل في توجه المزيد من شركات التكنولوجيا العملاقة إلى أسواق السندات لتمويل خطط التوسع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتراجعت أسهم شركة سبيس إكس بنسبة 4.5% بعد إعلانها اللجوء إلى سوق السندات لتمويل استثمارات إضافية، رغم تسجيل الشركة خسائر صافية خلال العام الماضي.
ويرى محللون أن هذه الخطوة أعادت إلى الواجهة المخاوف القديمة بشأن حجم الإنفاق الرأسمالي الضخم الذي تضخه شركات التكنولوجيا في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ومدى اعتمادها المتزايد على أدوات الدين لتمويل تلك المشروعات.
ارتفاع مؤشر الخوف في وول ستريت
عكست تحركات الأسواق تزايد مستويات القلق بين المستثمرين، حيث ارتفع مؤشر التقلبات الأمريكي VIX، المعروف باسم "مؤشر الخوف"، إلى أعلى مستوى له في أكثر من أسبوع.
كما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر راسل 2000 للشركات الصغيرة بنسبة 1.7%، في إشارة إلى اتساع نطاق الضغوط لتشمل قطاعات مختلفة من السوق الأمريكية.
وفي سوق السندات، انخفض العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين إلى 4.19% بعد أن سجل في الجلسة السابقة أعلى مستوياته منذ فبراير 2025، وسط إعادة تقييم المستثمرين لمسار أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
يترقب المستثمرون هذا الأسبوع نتائج شركة ميكرون تكنولوجي، التي تعد من أبرز الشركات المنتجة لرقائق الذاكرة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ويُنظر إلى نتائج الشركة باعتبارها مؤشراً مهماً على قوة الطلب في قطاع الرقائق المتقدمة وآفاق الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال الأشهر المقبلة.
وقبل إعلان النتائج، هبط سهم ميكرون بنسبة 8.6%، بينما تراجع سهم سان ديسك بنحو 9.6%، وانخفض سهم ويسترن ديجيتال بنسبة 6.6%.
إلى جانب ملف الفائدة، يواصل المستثمرون متابعة التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بعد قرار الولايات المتحدة تعليق بعض العقوبات على إيران لمدة 60 يوماً في إطار اتفاق سلام ناشئ بين الجانبين.
كما تترقب الأسواق صدور مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأمريكي، وهو المقياس المفضل للاحتياطي الفيدرالي لمتابعة التضخم، يوم الجمعة المقبل.
ويتوقع اقتصاديون أن يسجل المؤشر مستوى 4.1% على أساس سنوي، وهو ما يزيد على ضعف مستهدف البنك المركزي الأمريكي البالغ 2%.
تعكس التراجعات الأخيرة تحولاً في سلوك المستثمرين من التركيز على فرص النمو الهائلة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي إلى التدقيق بصورة أكبر في تكلفة تحقيق هذا النمو ومصادر تمويله.
ويرى محللون أن الأسواق دخلت مرحلة إعادة تقييم حقيقية لأسهم التكنولوجيا العملاقة، حيث أصبح المستثمرون أكثر حساسية تجاه معدلات الفائدة المرتفعة ومستويات الإنفاق الرأسمالي والاعتماد المتزايد على التمويل بالدين.
وبينما لا تزال التوقعات طويلة الأجل لقطاع الذكاء الاصطناعي قوية، فإن المرحلة الحالية تشير إلى أن الأسواق بدأت توازن بين إمكانات النمو المستقبلية والتكاليف المالية الضخمة اللازمة لبناء البنية التحتية التي تعتمد عليها الثورة التكنولوجية الجديدة.