كشفت السلطات الهندية عن تكثيف مراقبتها لمنصة تيليجرام، بعد أن خلص تحقيق حكومي إلى استخدام التطبيق على نطاق واسع في عمليات الاحتيال الإلكتروني وتداول محتوى غير قانوني، في خطوة تعكس تصاعد الضغوط التنظيمية على منصات التواصل والرسائل المشفرة داخل واحدة من أكبر الأسواق الرقمية في العالم.

وذكرت وكالة رويترز أن تقريراً أعده المركز الهندي لتنسيق مكافحة الجرائم الإلكترونية التابع لوزارة الداخلية، وجرى تقديمه إلى القضاء ضمن إجراءات قانونية تتعلق بحظر مؤقت للتطبيق، أشار إلى أن الحكومة تتابع بشكل استباقي المجموعات والقنوات النشطة على تيليجرام لرصد الأنشطة المخالفة للقانون والجرائم السيبرانية.

أكبر سوق للمستخدمين 

تعد الهند أكبر أسواق تيليجرام عالمياً من حيث عدد المستخدمين، إذ يتجاوز عدد مستخدمي التطبيق 150 مليون شخص، ما يمنح أي إجراءات تنظيمية أو رقابية تتخذها السلطات الهندية أهمية كبيرة بالنسبة لمستقبل المنصة عالمياً.

وجاء التقرير الحكومي في أعقاب قضية أثارت جدلاً واسعاً داخل البلاد بعدما تم تداول مزاعم بشأن تسريب أسئلة أحد اختبارات القبول في كليات الطب عبر التطبيق، وهو ما دفع السلطات إلى فرض حظر مؤقت استمر أسبوعاً قبل رفعه لاحقاً مع الإبقاء على بعض القيود التقنية حتى نهاية يونيو الجاري.

مخاوف من أدوات الخصوصية 

أعربت الحكومة الهندية عن قلقها من بعض الخصائص التقنية التي يوفرها تيليجرام، والتي تسمح للمستخدمين بالتواصل دون الكشف عن أرقام الهواتف الخاصة بهم، الأمر الذي تعتبره السلطات عائقاً أمام تحديد هوية المخالفين وملاحقة الجرائم الرقمية.

وترى الجهات التنظيمية أن هذه المزايا تمنح شبكات الاحتيال الإلكتروني والجهات الإجرامية مساحة أكبر للتحرك مقارنة بتطبيقات أخرى مثل واتساب، الذي يضم أكثر من 500 مليون مستخدم في الهند ويعتمد بشكل أكبر على ربط الحسابات بأرقام الهواتف.

688 ألف شكوى وخسائر بمئات الملايين

بحسب التقرير الحكومي، تلقت السلطات الهندية أكثر من 688 ألف شكوى منذ عام 2023 تتعلق باستخدام تيليجرام كوسيلة لتنفيذ عمليات احتيال إلكتروني، وهو ما تسبب في خسائر مالية تقدر بنحو 750 مليون دولار للمواطنين الهنود.

وتشير هذه الأرقام إلى التحديات المتزايدة التي تواجهها السلطات التنظيمية في السيطرة على الجرائم الرقمية مع التوسع السريع في استخدام التطبيقات المشفرة ومنصات التواصل الإلكتروني.

كما أوضح التقرير أن الجهات المختصة تلقت شكاوى متعددة تتعلق بالتحرش الإلكتروني ونشر محتوى مخالف للقانون عبر قنوات ومجموعات وحسابات على التطبيق، فيما سجلت الفترة بين يناير ومايو 2026 نحو 1,556 شكوى مرتبطة باستخدام المنصة.

لا تقتصر الضغوط التي يواجهها تيليجرام على الهند فقط، إذ تخضع المنصة لموجة متزايدة من التدقيق التنظيمي في عدد من الأسواق الرئيسية حول العالم.

ففي فرنسا فُتحت تحقيقات خلال السنوات الماضية بشأن استخدام التطبيق من قبل جماعات الجريمة المنظمة، بينما شهدت كوريا الجنوبية جدلاً واسعاً حول تداول محتوى مزيف يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. كما واجه التطبيق إجراءات تنظيمية في إسبانيا على خلفية قضايا تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، فيما أطلقت السلطات البريطانية تحقيقات مرتبطة بمحتوى غير قانوني يتم تداوله عبر المنصة.

تعكس التطورات الأخيرة اتجاهاً عالمياً متصاعداً نحو فرض رقابة أكبر على منصات الرسائل المشفرة وشبكات التواصل الرقمي، في ظل تنامي المخاوف المرتبطة بالأمن السيبراني والاحتيال المالي وحماية المستخدمين.

وتضع هذه الضغوط شركات التكنولوجيا أمام معادلة معقدة تتمثل في تحقيق التوازن بين حماية خصوصية المستخدمين والحفاظ على معايير الأمن الرقمي والامتثال للمتطلبات التنظيمية المتشددة التي تتبناها الحكومات حول العالم.

ويرى مراقبون أن الإجراءات الهندية قد تشكل نموذجاً لأسواق أخرى تسعى إلى تعزيز الرقابة على المنصات الرقمية الكبرى، خصوصاً مع استمرار نمو الاقتصاد الرقمي وتزايد أهمية الأمن السيبراني كأحد المحاور الرئيسية للاستقرار الاقتصادي وحماية المعاملات الإلكترونية.