في خطوة تعكس حجم الاضطراب الذي أصاب أسواق الطاقة العالمية بعد التوترات العسكرية في الخليج، كشفت تحقيقات حديثة أن الولايات المتحدة أشرفت على تنفيذ شبكة واسعة من عمليات نقل النفط بين السفن في عرض البحر، مستخدمة أساليب لطالما ارتبطت بإيران للالتفاف على القيود والمخاطر داخل مضيق هرمز.
وبحسب بيانات ملاحية وصور أقمار صناعية اطلعت عليها وكالة «رويترز»، فقد شاركت ما لا يقل عن 92 سفينة منذ أوائل مايو في عمليات نقل نفط سرية بين ناقلات قبالة سواحل الفجيرة في الإمارات وصحار في سلطنة عمان، حيث تم نقل ما يقدر بنحو 90 مليون برميل من الخام والمنتجات النفطية خلال أقل من شهر ونصف.
وتأتي هذه العمليات في ظل تعطل جزئي لحركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره في الظروف الطبيعية نحو 20% من الاستهلاك النفطي العالمي، وهو ما تسبب في واحدة من أكبر اضطرابات الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة، مع انعكاسات مباشرة على الأسعار ومعدلات التضخم حول العالم.
«أسطول مظلم»
تعتمد الآلية الجديدة على أسلوب قريب من التكتيكات التي استخدمتها إيران لسنوات لتجاوز العقوبات، حيث تتحرك الناقلات وهي تطفئ أجهزة التتبع والإرسال، وتبحر خلال ساعات الليل بإضاءة محدودة، مع الحفاظ على مسافات تتراوح بين 3 و4 كيلومترات بين كل سفينة وأخرى أثناء العبور.
وتبدأ العملية بتوجيه الناقلات إلى نقاط تجمع قبل الوصول إلى المضيق، ثم تمر عبر مسارات محددة تخضع لمراقبة مستمرة بواسطة وسائل استطلاع جوية وبحرية أمريكية، تشمل الطائرات المسيّرة والزوارق بدون طاقم، قبل أن تلتقي بناقلات عملاقة من فئة VLCC في نقاط محددة قبالة عمان والإمارات لإتمام عمليات نقل الشحنات.
وتستغرق عملية نقل النفط من سفينة إلى أخرى ما بين 24 و40 ساعة، ثم تعود الناقلات الصغيرة عبر المضيق للحصول على شحنات جديدة، بينما تواصل الناقلات العملاقة رحلتها إلى الأسواق الآسيوية والدولية.
إسقاط مروحية أباتشي يكشف جانبًا من العملية
وأظهرت التحقيقات أن مروحية أباتشي أمريكية أسقطتها إيران في 9 يونيو كانت مرتبطة بمهمة مرتبطة بهذه العمليات، وفقًا لمصادر مطلعة ومسؤول أمريكي سابق، رغم أن وزارة الدفاع الأمريكية نفت مشاركة قوات القيادة المركزية بشكل مباشر في تنفيذ عمليات نقل النفط بين السفن.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية وجود ستة أزواج من ناقلات النفط بالقرب من ميناء صحار في اليوم ذاته الذي شهد إسقاط المروحية، بينما سجلت صور التقطت في 11 يونيو وجود 17 عملية نقل متزامنة للنفط في موقعي العمليات قبالة الإمارات وسلطنة عمان.
الإمارات والكويت بين أبرز المشاركين
تكشف بيانات الشحن أن جزءًا كبيرًا من النفط المنقول عبر الشبكة الجديدة يعود إلى صادرات دول الخليج، وخاصة الإمارات والكويت.
وشاركت شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» ضمن أكثر الجهات نشاطًا في عمليات النقل، إلى جانب شركة ناقلات النفط الكويتية، التي تم نقل نحو 2.3 مليون برميل من النفط الخام من إحدى سفنها قبالة سواحل صحار في السادس من يونيو، قبل أن تواصل الناقلة المستقبلة رحلتها باتجاه الصين.
ويشير ذلك إلى أن النظام الجديد أصبح بمثابة جسر مؤقت للحفاظ على تدفق صادرات النفط الخليجية إلى الأسواق العالمية، رغم استمرار المخاطر الأمنية وغياب حل دائم لأزمة الملاحة في المضيق.
ورغم نجاح العمليات في الحفاظ على جزء من تدفقات الطاقة، فإن خبراء الملاحة يحذرون من مخاطر مرتفعة نتيجة توقف أنظمة التتبع البحرية وإبحار السفن ليلاً دون إضاءة كافية، ما يزيد احتمالات الاصطدام أو وقوع حوادث بحرية.
ويرى خبراء الطاقة أن المفارقة الكبرى تكمن في أن الولايات المتحدة، التي قادت لسنوات جهود مكافحة «الأساطيل المظلمة» المستخدمة من إيران وروسيا وكوريا الشمالية، أصبحت تعتمد اليوم على بعض الأساليب نفسها لضمان استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية.
ومع استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، تبدو عمليات النقل بين السفن حلًا استثنائيًا فرضته الظروف الجيوسياسية الحالية، لكنه لا يمثل بديلًا دائمًا عن عودة حركة التجارة الطبيعية عبر أحد أهم الممرات النفطية في العالم.