كشف تقرير «مراجعة خصائص الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر: ربط الشركات الأجنبية والمحلية من أجل الإنتاجية ووظائف أفضل»، الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) لعام 2026، عن استهداف مصر جذب استثمارات بنحو 40 مليار دولار في مشروعات الهيدروجين الأخضر خلال العقد المقبل، بما يدعم التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة وقيمة مضافة.
وحصلت «المال» على نسخة من التقرير، والذي يقدم رؤية متكاملة لتعظيم الاستفادة من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، مع التركيز على قطاع الطاقة المتجددة باعتباره أحد المحركات الرئيسية لرفع الإنتاجية وخلق فرص العمل.
مصر بين أكبر وجهات الاستثمار الأخضر عالميًا
وأشار التقرير إلى أن مصر نجحت خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ مكانتها كإحدى أبرز الوجهات العالمية للاستثمار في الطاقة المتجددة، بعدما استحوذت على 10.6% من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الأخضر عالميًا في هذا القطاع خلال الفترة من 2019 إلى 2023، لتحتل المركز الثاني عالميًا بعد المملكة المتحدة.
ولم يقتصر الأداء القوي على مشروعات توليد الطاقة فقط، بل امتد إلى تصنيع مكونات الطاقة المتجددة، حيث استحوذت مصر على 9.9% من إجمالي الاستثمارات العالمية الموجهة لهذا النشاط خلال الفترة نفسها.
وأوضح التقرير أن هذه النتائج تعكس نجاح «استراتيجية الطاقة المستدامة المتكاملة 2035»، التي تستهدف مضاعفة مساهمة مصادر الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء خلال السنوات المقبلة.
كما أشار إلى أن مصر وقعت في فبراير 2024 سبع اتفاقيات رئيسية مع مطورين دوليين في قطاع الهيدروجين الأخضر، وهي اتفاقيات يُتوقع أن تسهم في ضخ استثمارات تصل إلى 40 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة.
إصلاحات تشريعية عززت ثقة المستثمرين
وأكد التقرير أن الإصلاحات الهيكلية والتشريعية التي نفذتها الحكومة المصرية لعبت دورًا محوريًا في تعزيز جاذبية السوق المحلية أمام المستثمرين الدوليين، منها إصدار قانون حوافز مشروعات إنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته الصادر عام 2024، باعتباره أحد أبرز الأدوات التشريعية الداعمة للقطاع، لما يتضمنه من حوافز ضريبية وجمركية تستهدف جذب الاستثمارات طويلة الأجل.
وذكر التقرير أن القانون يتضمن مجموعة من المزايا الضريبية والجمركية، من بينها منح أرصدة ضريبية على الإيرادات، والإعفاء من ضريبة القيمة المضافة على المعدات والآلات والمواد الخام المستخدمة في تنفيذ المشروعات، بما يسهم في خفض تكاليف الاستثمار وتعزيز الجدوى الاقتصادية للمشروعات الجديدة.
كما يتيح القانون للمستثمرين الاستفادة من نظام «الرخصة الذهبية»، التي توفر موافقة موحدة وشاملة لمراحل تأسيس المشروع وتشغيله، بما يختصر الإجراءات الحكومية ويسرّع تنفيذ المشروعات الاستراتيجية.
كما أنشأت الدولة «المجلس الوطني للهيدروجين الأخضر ومشتقاته» برئاسة رئيس مجلس الوزراء، بهدف ضمان التنسيق بين مختلف الجهات الحكومية المعنية، ومتابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للقطاع، والعمل على إزالة التحديات التي قد تواجه المستثمرين وتيسير إجراءات التنفيذ.
إعداد استراتيجية وطنية للاستثمار الأجنبي المباشر
وفي السياق ذاته، أوضح التقرير أن الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة (GAFI) تعمل بالتعاون مع مجموعة البنك الدولي على إعداد الاستراتيجية الوطنية للاستثمار الأجنبي المباشر للفترة 2025-2030، والتي تضع قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع والتقنيات الخضراء في مقدمة القطاعات المستهدفة.
تراجع كثافة الوظائف رغم نمو الاستثمارات
ورغم النمو الملحوظ في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، أشار التقرير إلى استمرار بعض التحديات المرتبطة بقدرة هذه الاستثمارات على خلق فرص العمل.
وأوضح أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة وفرت نحو 275.598 ألف وظيفة مباشرة خلال الفترة من 2013 إلى 2023، إلا أن كثافة التوظيف تراجعت بصورة ملحوظة، حيث انخفض عدد الوظائف المولدة لكل مليار دولار مستثمر من نحو 1700 وظيفة خلال الفترة 2003-2012 إلى نحو 900 وظيفة فقط خلال العقد الأخير.
وأرجع التقرير هذا التراجع إلى تركّز نسبة كبيرة من الاستثمارات في قطاعات كثيفة رأس المال، وعلى رأسها الطاقة والإنشاءات، والتي تتطلب استثمارات ضخمة مقارنة بعدد الوظائف التي توفرها.
وفي المقابل، برز قطاع الطاقة المتجددة باعتباره أحد الاستثناءات الإيجابية، بعدما ساهم بنحو 21.3% من إجمالي الوظائف الجديدة الناتجة عن الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر خلال الفترة بين 2019 و2023.
كما أظهرت البيانات أن الشركات الأجنبية العاملة في مصر تحقق مستويات إنتاجية تزيد بنحو 1.5 مرة مقارنة بالشركات المحلية، وهو ما يعكس إمكانات كبيرة لنقل التكنولوجيا والخبرات الإدارية والفنية إلى الاقتصاد المحلي.
تعميق الشراكات مع الموردين المحليين
وشدد التقرير على أهمية تعزيز الروابط بين الشركات الأجنبية والموردين المحليين لتعظيم الآثار الاقتصادية الإيجابية للاستثمار الأجنبي المباشر.
ووفقًا للتقرير، تعتمد الشركات الأجنبية العاملة في مصر على السوق المحلية لتوفير نحو 63.6% من مدخلات إنتاجها، وهي نسبة تتجاوز متوسط منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا البالغ 49.1%.
ولتعزيز هذه الروابط، أوصى التقرير بدعم دور المؤسسات المعنية بتنمية الأعمال، وفي مقدمتها جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر (MSMEDA) ومركز تحديث الصناعة (IMC)، بما يسهم في رفع جاهزية الشركات المحلية للاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
كما اقترح إنشاء قاعدة بيانات متكاملة للموردين المحليين لتسهيل وصول الشركات الدولية إلى الشركاء المحتملين، إلى جانب دمج برامج ربط المشروعات الصغيرة والمتوسطة ضمن الخدمات المقدمة بالمناطق الحرة والمناطق الاقتصادية الخاصة.
البحث والتطوير يحتاج إلى دفعة أقوى
وكشف التقرير عن استمرار ضعف الاستثمارات الموجهة إلى الابتكار والبحث والتطوير في مصر، حيث لم تتجاوز حصة أنشطة البحث والتطوير من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الأخضر 0.2% فقط خلال الفترة بين 2013 و2023.
كما أظهرت النتائج أن 5.5% فقط من الشركات الأجنبية العاملة في السوق المصرية أفادت بإنفاقها على أنشطة الابتكار والتطوير.
ودعا التقرير إلى تعزيز منظومة حماية حقوق الملكية الفكرية، وتوسيع التعاون بين الجامعات ومراكز البحث العلمي والشركات العالمية، بما يدعم نقل المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة إلى الاقتصاد المصري.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن مصر تمتلك فرصة تاريخية للاستفادة من موقعها المتقدم في الاقتصاد الأخضر وتحويل هيكل الإنتاج نحو قطاعات أكثر ابتكارًا وقيمة مضافة وقدرة على خلق وظائف عالية الجودة، شريطة مواصلة الإصلاحات المؤسسية وتعزيز قدرة الشركات المحلية على استيعاب التكنولوجيا الحديثة.