أكد ميجيل روتا، خبير التجارة ورئيس قسم في صندوق النقد الدولي، أن تنويع العلاقات التجارية يمثل أفضل وسيلة لحماية الاقتصادات الوطنية من تداعيات التوترات المتزايدة التي يشهدها النظام الاقتصادي العالمي، مشددًا على أهمية توسيع شبكة الشركاء التجاريين لتعزيز القدرة على الصمود أمام الصدمات.
جاء ذلك خلال حديثه في بودكاست صندوق النقد الدولي، لمناقشة دراسة حديثة نشرها في مجلة التمويل والتنمية التابعة للصندوق، وشارك في إعدادها كل من أديتيا ماتو، مدير الأبحاث في البنك الدولي، وروبرت ستايغر، كبير الاقتصاديين بمنظمة التجارة العالمية.
وقال إن العلاقة بين التجارة والتطورات الجيوسياسية ليست جديدة، إذ استخدمت القوى الكبرى عبر التاريخ السياسات التجارية لتحقيق أهدافها الإستراتيجية، بدءًا من الإمبراطورية الرومانية، وصولًا إلى المنافسات الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
وأوضح أن ما يميز المرحلة الحالية هو أن أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم وهما الولايات المتحدة والصين، تتمتعان بدرجة عالية من الترابط التجاري، على عكس العلاقة التي كانت قائمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، ما يجعل أي محاولة لإإعادة العلاقات التجارية بينهما أكثر تعقيدًا وتأثيرًا على الاقتصاد العالمي.
وأضاف أن النظام التجاري العالمي الذي تأسس عام 1947 من خلال الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة، اعتمد على مبادئ عدم التمييز والمعاملة بالمثل بهدف خفض الحواجز التجارية وتعزيز التعاون الدولي، إلا أن هذه القواعد لم يجري تصميمها للتعامل مع التحديات الجيوسياسية الراهنة.
وأشار إلى أن الحكومات لا تتخذ قراراتها التجارية دائمًا على أساس تعظيم المكاسب الاقتصادية فحسب، بل قد تسعى أيضًا لتحقيق أهداف إستراتيجية تتعلق بموازين القوة الدولية.
وضرب مثالًا بالقيود المفروضة على صادرات أشباه الموصلات والتكنولوجيا المتقدمة، موضحًا أن بعض الدول قد تقبل بتحمل تكاليف اقتصادية محلية إذا كان ذلك يحدّ من تقدم مُنافسيها في قطاعات إستراتيجية.
ورغم تصاعد المنافسة، شدد روتا على أن التعاون التجاري لا يزال ممكنًا وضروريًّا، موضحًا أن الحكومات تظل مهتمة بمستويات الرفاه الاقتصادي لمواطنيها في ظل التنافس الجيوسياسي، ما يخلق حوافز للاستمرار في التعاون في عدد من المجالات الاقتصادية.
واقترح اعتماد مفهوم "الاستثناءات الجيوسياسية" باعتبارها آلية جديدة تسمح للدول الكبرى بإعادة تنظيم علاقاتها التجارية بما يتوافق مع اعتبارات الأمن القومي والمنافسة الإستراتيجية، مع الحد من التداعيات السلبية على بقية دول العالم.
وحذر روتا من أن البديل يتمثل في تصاعد الحروب التجارية والقيود المتبادلة، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع التجارة العالمية وإلحاق أضرار اقتصادية واسعة النطاق.
وأشار إلى أن إعادة بناء الثقة والعلاقات التجارية بعد انهيارها قد تستغرق عقودًا، مستشهدًا بأن خفض الرسوم الجمركية في إطار نظام الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة استغرق نحو نصف قرن.
وأكد أن نجاح النظام التجاري العالمي في التكيف مع التحولات السابقة، مثل إدخال قواعد تجارة الخدمات وحقوق الملكية الفكرية، يثبت قدرته على تطوير أدوات جديدة للتعامل مع التحديات الجيوسياسية الحالية، بشرط الالتزام بقواعد واضحة تضمن استقرار النظام الاقتصادي العالمي واستمرار مشاركة مختلف الدول فيه.