12 مليون جنيه خسارة لعنبر «بيض مائدة» صغير خلال عام واحد

نزيف الخسائر يهدد صناعة الدواجن

البيض

تواجه صناعة دواجن بيض المائدة في مصر موجة عاتية من التحديات الاقتصادية غير المسبوقة،باتت تهدد استمرارية المربين وتدفع بالعديد منهم إلى حافة الإفلاس، في ظل اتساع الفجوة بشكل حاد بين تكاليف الإنتاج المرتفعة وأسعار البيع النهائية في الأسواق، وهو ما يفرض ضغوطاً عنيفة على قطاع حيوي يمس الأمن الغذائي القومي لـ 105 ملايين مواطن .

وفي هذا السياق،قال محمود الضوي تاجر منتجات بيطرية ومالك لمزرعة دواجن إن لغة الأرقام تكشف عن حجم المعاناة الحقيقية التي يتكبدها المنتجون في الوقت الراهن؛ حيث تصل تكلفة تأسيس وإعداد عنبر بياض صغير بقوام 10 آلاف فرخة، حتى بدء مرحلة "التبشير" ونزول أول بيضة، إلى ما يتراوح بين 330 و350 جنيهاً للطائر الواحد، ليصل إجمالي تكلفة هذه المرحلة الأولية وحدها إلى نحو 3.3 مليون جنيه .

وأضاف أنه وتستمر مرحلة التبشير لنحو شهرين قبل الوصول بذروة الإنتاج إلى المعدل الطبيعي البالغ 95%، وهي فترة حرجة تتضاعف فيها المخاطر الإنتاجية والبيطرية، إذ إن أي إصابة بأمراض فيروسية مثل "الجمبورو" كفيلة بضرب عنقود البيض وتدمير الطاقة الإنتاجية للقطيع بالكامل.

وقال إنه مع الانتقال إلى مراحل الإنتاج الفعلي، تظهر الفجوة التمويلية الصادمة؛ إذ يحتاج الطائر الواحد إلى علف يومي بمعدل 120 جراماً تقدر تكلفتها بنحو 2.75 جنيه، يضاف إليها ما لا يقل عن 1.5 جنيه تغطي مصاريف العمالة، والطاقة، والكهرباء، والكراتين، والنشارة، والمصروفات النثرية، وبذلك تصبح التكلفة الفعلية المطلوبة لإنتاج بيضة واحدة نحو 4.5 جنيه، آخذين في الاعتبار أن الدجاجة تضع بيضة واحدة كل 28 ساعة في أعلى مراحل عطائها، ولا يمكنها الاستمرار في هذه الذروة لأكثر من شهرين متتاليين.

وعلى الجانب الآخر من المعادلة، يصطدم المربون بآليات سوق لا تغطي تلك المصروفات؛ حيث كشف احمد سليم صاحب مزرعة دواجن عن المداخيل والمبيعات حاليا حيث يتم بيع البيضة حالياً من أرض المزرعة بسعر  عند مستويات جنيهين فقط، وهو ما يعني تسجيل خسارة يومية مباشرة تبلغ 2.5 جنيه في البيضة الواحدة، وبالتطبيق على عنبر سعة 10 آلاف طائر.

وقال  فإن المربي يستيقظ على خسارة يومية صافية تبلغ 25 ألف جنيه، لتقفز إجمالي الخسائر التشغيلية في البيض فقط على مدار عام كامل (بواقع 350 يوماً إنتاجياً) إلى نحو 8.750 مليون جنيه، وإذا ما أضيفت إليها تكلفة التأسيس الرأسمالية البالغة 3.3 مليون جنيه، فإن إجمالي خسائر هذا القطاع الصغير يرتفع إلى 12 مليون جنيه خلال عام واحد، وتعد هذه الأرقام هي الحد الأدنى التفاؤلي الذي يفترض صمود الإنتاجية عند 95% طوال العام دون أي نافق أو انتكاسة بيطرية، بينما الواقع الفعلي قد يدفع بالخسائر لتتجاوز حاجز الـ 17 مليون جنيه.

وأكد أن الأزمة الإنسانية والاقتصادية لأصحاب المزارع تتضاعف علمًا بأن نحو 90% من المنتجين يعتمدون على شراء الخامات والأعلاف بالآجل لعدم توافر السيولة النقدية (الكاش)، مما يضعهم تحت طائلة الملاحقات القضائية والديون الراكبة، الأمر الذي تسبب في دخول العديد منهم في حالات اكتئاب حادة تلامس التفكير في التخلص من الحياة تحت وطأة العجز المالي، وهو سيناريو متكرر شهدته السوق في موجات هبوط سابقة لعل أبرزها موجة عام 2018 حينما تكبد منتجون خسائر ملايينية بالتزامن مع تحركات أسعار الصرف آنذاك.

وتكتسب هذه الاستغاثات من قلب المزارع أهمية قصوى بالنظر إلى الوزن النسبي لصناعة الدواجن في مصر؛ حيث تستوعب هذه المنظومة استثمارات ضخمة وتضم في دورتها التشغيلية نحو 10 ملايين مواطن بشكل مباشر وغير مباش.

وتعد مصر مكتفية ذاتياً من بيض المائدة بحجم إنتاج محلي يقترب من 13 إلى 14 مليار بيضة سنوياً، غير أن استمرار نزيف خسائر المنتجين يهدد بانهيار هذا الاكتفاء، فالخسارة لا تتوقف عند حدود صاحب العنبر، بل تمتد لتضرب سلسلة إمداد كاملة تشمل قطاعات المقاولات، والسباكة، والمعدات، وسيارات النقل، ومصانع الكرتون والأعلاف، مما يعني أن اهتزاز هذا القطاع يمثل خسارة اقتصادية مركبة للاقتصاد الكلي، وسيدفع ثمنها المستهلك النهائي في نهاية المطاف في حال خروج المنتجين من المنظومة وتراجع المعروض.