إياتا : الاضطرابات في الشرق الأوسط وارتفاع الوقود يقتطعان نصف أرباح الطيران العالمي

يبلغ إجمالي الأرباح الصافية لشركات الطيران 23.0 مليار دولار في عام 2026

ويلي والش

أظهرت أحدث توقعات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) المالية لقطاع الطيران العالمي، تراجع ربحية القطاع إلى النصف نتيجةً للاضطرابات المرتبطة بالحرب في منطقة الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الوقود.

 وأشارت التوقعات إلى وجود تباين كبير في الأداء بحسب المنطقة الجغرافية؛ إذ من المتوقع أن تسجل شركات الطيران العاملة في قلب منطقة الحرب بالشرق الأوسط خسائر كبيرة على مستوى القطاع بسبب ضعف الطلب والاضطرابات التشغيلية. 

بينما يُتوقع أن تحقق جميع المناطق الأخرى أرباحاً، ولكن بمستويات تقل عن التوقعات السابقة. وتشمل أبرز المؤشرات ما يلي:

من المتوقع أن يبلغ إجمالي الأرباح الصافية لشركات الطيران 23.0 مليار دولار في عام 2026، أي ما يعادل تقريباً نصف الأرباح المتوقعة سابقاً والبالغة قيمتها 41 مليارًا ، وحوالي نصف صافي الأرباح المقدّر لعام 2025 والبالغة قيمته 45 مليارًا.

ومن المتوقع للقطاع تحقيق هوامش أرباح صافية بنسبة 2.0% في عام 2026، أي ما يقارب نصف التوقعات السابقة البالغة نسبتها 3.9%، كما تمثل هذه النسبة أقل من نصف التقديرات الخاصة بعام 2025 والبالغة 4.2%.

ومن المتوقع أن يبلغ صافي الربح عن كل مسافر 4.50 دولار ، أي ما يعادل نصف المستوى المحقق في عام 2025 والبالغة قيمته 9.10 دولار.

ومن المتوقع أن تبلغ قيمة الأرباح التشغيلية 48.0 مليار دولار في عام 2026 (مقابل 76.4 مليار دولار أمريكي في عام 2025)، مع تسجيل هوامش أرباح تشغيلية صافية بنسبة 4.1% (مقابل 7.2% في عام 2025).

ومن المتوقع أن تبلغ نسبة العائد على رأس المال المستثمر 4.3% (مقابل 6.6% في عام 2025)، وهي تقل عن متوسط التكلفة المرجحة لرأس المال والمقدّرة عند 8.5%،ويؤكد هذا الفارق مجدداً الضعف البنيوي الذي يعاني منه قطاع الطيران، حيث تؤدي صدمات الربحية إلى تراجع سريع في كفاءة استخدام رأس المال.

ومن المتوقع أن تصل قيمة إيرادات القطاع الإجمالية في عام 2026 إلى 1.165 تريليون دولار أمريكي (بارتفاع قدره 9.4% مقارنةً مع 1.065 تريليون دولار أمريكي في عام 2025).

من المتوقع أن يواصل عامل حمولة المسافرين تسجيل مستويات قياسية جديدة، مع توقعات بأن تحقق شركات الطيران نسبة إشغال تبلغ 84.0% من إجمالي المقاعد المتاحة على مدار العام، مقابل 83.5% في عام 2025.

ومن المتوقع أن يصل عدد المسافرين في عام 2026 إلى 5.1 مليار مسافر (بارتفاع قدره 2.4% بالمقارنة مع العام 2025).

من المتوقع أن تصل أحجام الشحن في عام 2026 إلى 71.7 مليون طن (بارتفاع قدره 0.2% بالمقارنة مع العام 2025).

و قال ويلي والش، المدير العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا): "أدت الاضطرابات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف الوقود إلى تغيّر التوقعات المتعلقة بقطاع الطيران، وتشير التوقعات الجديدة إلى انخفاض ربحية شركات الطيران على المستوى العالمي إلى النصف بالمقارنة مع العام 2025، إذ من المتوقع أن تتراجع أرباح القطاع من 45 مليار دولار أمريكي في عام 2025 ، إلى 23 مليارًا في هذا العام، بينما ستتقلص هوامش الأرباح من 4.2% إلى 2.0%.

 وتتأثر النتائج المالية لجميع شركات الطيران بالارتفاع السريع الذي شهدته أسعار الوقود والذي بلغت نسبته 70%، وعلى الرغم من أن جزءاً من هذه التكاليف الإضافية يجري تعويضه من خلال تعديل الأسعار وتحسين الكفاءة التشغيلية، إلا أن ذلك لن يكون كافياً للحفاظ على مستويات الربحية المسجلة في العام الماضي. وتواجه شركات الطيران الصغيرة التي بدأت العام بميزانيات عمومية ضعيفة تحديات كبيرة. 

وعلى المستوى الإقليمي، من المتوقع أن تحافظ جميع شركات الطيران على مستويات من الربحية رغم التراجع الكبير في أدائها المالي. 

ويُستثنى من ذلك الشركات العاملة في منطقة الشرق الأوسط، حيث تواجه شركات الطيران في منطقة الخليج العربي حالة من عدم اليقين التشغيلي بعد الإغلاق شبه الكامل للمجال الجوي مع اندلاع الحرب. 

وعلى الرغم من النجاح اللافت الذي تحققه هذه الشركات في الحفاظ على خدمات الربط الجوي، فإنه من الصعب عليها تجنّب التداعيات المالية الكبيرة لتلك الاضطرابات.

ويعاني قطاع الطيران العالمي، حتى في أفضل الظروف، من هوامش ربح محدودة وعوائد تقل عن تكلفة رأس المال، فقد شكّل الارتفاع الحاد في أسعار النفط اختباراً للمرونة المالية لشركات الطيران، حيث تراجعت هوامش الأرباح الصافية للقطاع عالمياً إلى 2.0%.

وأضاف والش: "تتحمل شركات الطيران العبء الأكبر من تداعيات الارتفاع الحاد في أسعار الوقود. فعلى الرغم من زيادة أسعار تذاكر السفر الجوي، لا تزال الشركات تتحمل جزءاً من الارتفاع الحاصل في أسعار الوقود من أرباحها، ومن المتوقع أن ينخفض صافي الربح لكل مسافر إلى 4.50 دولار أمريكي، أي حوالي نصف قيمته بالمقارنة مع العام الماضي، ويعكس ذلك قدراً من المرونة في ظل الظروف الراهنة، ولكنه يُبرز في الوقت نفسه تراجعاً كبيراً في مستويات الأرباح والتي لن توفر هامش الأمان اللازم في حال زادت قيمة التكاليف الأخرى أو فُرضت ضرائب إضافية".

دوافع التوقعات

تشير التوقعات إلى نمو الإيرادات الإجمالية بنسبة 9.4% لتبلغ قيمتها 1.165 تريليون دولار أمريكي، إلى جانب تسجيل نمو في الإيرادات لكل طن متاح في الكيلومتر بنسبة 8.8%. وباستثناء فترة تعافي القطاع من تداعيات جائحة كوفيد-19، لم تُسجل زيادة بهذا الحجم إلا مؤخراً في عام 2008 عندما ارتفعت أسعار وقود الطائرات بنسبة 40% على أساس سنوي، وكذلك في عام 2010 عقب الأزمة المالية العالمية في عام 2009 والتي تسببت بارتفاع أسعار وقود الطائرات.

وعلى الرغم من التحسن الكبير في أداء القطاع، فإنه من المتوقع أن يتأخر نمو الإيرادات عن نمو النفقات التشغيلية، والتي من المرجح أن ترتفع بنسبة 13% لتبلغ قيمتها 1.117 تريليون دولار أمريكي، مما يؤدي إلى خفض صافي ربحية القطاع إلى النصف لتبلغ 23.0 مليار دولار أمريكي في عام 2026.

ومن المتوقع أن تشهد العوامل الرئيسية للاقتصاد الكلي، والتي تؤثر على قطاع الطيران، تراجعاً ملحوظاً خلال عام 2026 بالتزامن مع انخفاض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.5% (مقابل 3.4% في عام 2025)، وارتفاع مستويات التضخم إلى 5.0% (مقابل 4.1% في عام 2025)، وتراجع نمو التجارة العالمية إلى 1.9% (مقابل 4.6% في عام 2025).

الإيرادات

من المتوقع أن تصل قيمة إيرادات تذاكر المسافرين في عام 2026 إلى 839 مليار دولار أمريكي (بارتفاع قدره +9.2% مقارنةً مع 768 مليار دولار أمريكي في عام 2025). ونظراً لأن هذا النمو يفوق الزيادة المتوقعة في الطلب والبالغة 2.1% (تُقاس بإيرادات الركاب لكل كيلومتر)، فإننا نشهد ارتفاعاً في أسعار تذاكر السفر الجوي نتيجة لسعي شركات الطيران إلى التعويض عن جزء من تكاليف الارتفاع الحاد في أسعار النفط. ومن المتوقع أن تنمو عائدات تذاكر السفر بنسبة 7%، بالإضافة إلى تسجيل ارتفاع قياسي جديد في عامل الحمولة لتبلغ نسبته 84.0%.

من المتوقع أن ترتفع الإيرادات الإضافية بنسبة 12.6% لتصل قيمتها إلى 165 مليار دولار أمريكي. ويُبرز هذا النمو السريع للإيرادات الإضافية الاستراتيجيات التي تعتمدها شركات الطيران لزيادة الإيرادات التي تحققها من العملاء في مواجهة الارتفاع الحاد لأسعار النفط. وللمرة الأولى منذ عام 2019، من المرجح أن تتجاوز الإيرادات الإضافية إيرادات الشحن الجوي من حيث المساهمة في إجمالي الإيرادات.

من المتوقع أن تصل قيمة إيرادات الشحن في عام 2026 إلى 162 مليار دولار أمريكي (بارتفاع قدره 7.2% مقارنةً مع 151 مليار دولار أمريكي في عام 2025)، وبينما تشير التوقعات إلى تحقيق نمو طفيف في أحجام الشحن، والذي يُقاس بطن الشحن لكل كيلومتر، بنسبة 0.7% فقط خلال العام 2026 (وبنسبة 0.2% فقط من حيث أحجام الشحن الفعلية المنقولة)؛ فإن نمو الإيرادات يعتمد بالدرجة الأولى على نجاح شركات الطيران في التعويض عن جزء من ارتفاع التكاليف الناجم عن ارتفاع أسعار الوقود. ومن المتوقع أن ترتفع عائدات الشحن بنسبة 6.5% في عام 2026 (بعد ثلاثة أعوام متتالية من التراجع).

التكاليف

من المتوقع أن ترتفع تكاليف الوقود بنحو 40%، من 252 مليار دولار أمريكي في عام 2025 إلى 350 مليار دولار أمريكي في عام 2026، ويستند ذلك إلى توقعات تشير إلى ارتفاع متوسط سعر خام برنت ليبلغ 95 دولاراً أمريكياً للبرميل خلال العام (بارتفاع قدره 37% مقارنة مع 69 دولاراً أمريكياً في عام 2025).

كما يُتوقع أن يبلغ متوسط سعر وقود الطائرات 152 دولاراً أمريكياً للبرميل خلال العام (بارتفاع يقارب 70% مقارنةً مع 90 دولاراً أمريكياً في عام 2025). ومن المتوقع أن يصل متوسط سعر هوامش التكرير إلى مستويات قياسية (الفارق بين سعر خام برنت وسعر وقود الطائرات) ليبلغ 57 دولاراً أمريكياً للبرميل.

وعلى المستوى العالمي، اتخذت شركات الطيران إجراءات تحوط لتأمين حوالي ثلث احتياجاتها المتوقعة من الوقود لعام 2026، مما قد يسهم في الحد من التأثيرات الناجمة عن تقلبات التكاليف على المدى القصير، ولكنه لا يلغي التداعيات الناجمة عن استمرار ارتفاع أسعار الوقود على المدى الطويل. كما تسعى العديد من شركات الطيران للتحوط في مواجهة تقلبات أسعار النفط الخام نظراً لارتفاع مستويات السيولة في هذه السوق، ما قد يعرضها لتداعيات ارتفاع هوامش التكرير.

ومن المتوقع أن يبقى إجمالي استهلاك الوقود في عام 2026 مستقراً عند 104 مليارات جالون، ودون أي تغيير بالمقارنة مع العام 2025. ولذلك فإن الارتفاع في أسعار وقود الطائرات يُعد العامل الوحيد المسؤول عن زيادة حصة الوقود من إجمالي النفقات التشغيلية إلى 31.4% في عام 2026، مقارنةً مع 25.4% في عام 2025.

كما تتحمل شركات الطيران تكاليف الامتثال لمتطلبات خطة التعويض عن الكربون وخفضه في مجال الطيران الدولي (خطة كورسيا)، والتي تُقدَّر قيمتها بين 1.2 و1.6 مليار دولار أمريكي، لتعويض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي يتراوح حجمها بين 28.8 و81.5 مليون طن متري.

ومن المتوقع أن تصل قيمة التكاليف الإضافية الناجمة عن مشتريات شركات الطيران من وقود الطيران المستدام إلى 4.3 مليار دولار أمريكي في عام 2026، وذلك في ضوء التوقعات التي تشير إلى توافر 2.4 مليون طن من هذا الوقود (ما يعادل 0.8% من إجمالي استهلاك الوقود). ويقل هذا المستوى بشكل طفيف عن التقديرات السابقة نظراً لتراجع الفارق بين أسعار وقود الطائرات التقليدي ووقود الطيران المستدام بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الوقود التقليدي.

ومن المتوقع أن تبلغ قيمة التكاليف غير المرتبطة بالوقود 767 مليار دولار أمريكي (بارتفاع قدره 4.0% مقارنة مع 737 مليار دولار أمريكي في عام 2025)، وتمثل تكاليف العمالة أكبر مكوناتها (271 مليار دولار أمريكي، مرتفعة بنسبة 4.0% بالمقارنة مع العام 2025). ووصل إجمالي عدد العاملين الذين توظفهم شركات الطيران بشكل مباشر إلى 3.33 مليون موظف (مما يمثل نمواً بنسبة 1.0% بالمقارنة مع عام 2025).

 وفي المقابل، شهد معدل الإنتاجية لكل موظف (التي تُقاس بكل طن متاح في الكيلومتر لكل موظف) تراجعاً طفيفاً بنسبة 0.4%، وذلك نتيجة لتركيز شركات الطيران على تعزيز المرونة التشغيلية في مواجهة الاضطرابات، ولا سيما مع ارتفاع نسبة الموظفين الجدد الذين تم توظيفهم بعد الجائحة.

يؤدي النقص الحاصل في عمليات تجديد الطائرات أيضاً إلى تكبد شركات الطيران تكاليف إضافية. فقد ارتفعت أسعار تأجير الطائرات إلى مستويات قياسية في ظل محدودية المعروض من الأصول المتاحة، وارتفاع الطلب من جانب شركات الطيران الساعية إلى توسيع أساطيل طائراتها أو تجديدها. كما أن تشغيل أساطيل الطائرات القديمة يتطلب عمليات صيانة أكثر كثافة، مما يؤدي إلى زيادة التكاليف في هذا المجال

يؤثر ضعف الدولار الأمريكي كذلك في التوقعات المتعلقة بالقطاع، فقد تراجعت قيمة الدولار الأمريكي خلال العام الماضي بنحو 10% أمام معظم عملات الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، ومن المرجح له أن ينخفض بنحو 5% إضافية خلال العام الجاري (بعد أن فقد نحو 2.5% من قيمته مع نهاية شهر أبريل الماضي).

ويسهم ذلك بشكل طفيف في دعم دورة الأعمال العالمية، كما يعود بالنفع على شركات الطيران التي تعتمد عملات غير الدولار الأمريكي؛ إذ تصبح جميع الفواتير، ولا سيما المتعلقة بالوقود، وكذلك جميع الديون المقومة بالدولار الأمريكي أقل تكلفة بالنسبة لشركات الطيران العاملة بعملات ارتفعت قيمتها مقابل الدولار الأمريكي.

المخاطر والقيود

لا تزال التحديات المرتبطة بسلاسل التوريد مستمرة. فعلى الرغم من التحسن التدريجي في وتيرة تسليم الطائرات، ما تزال ظروف التوريد تعاني من قيود بنيوية، وتشهد وتيرة إنتاج الطائرات زيادة ملحوظة ولكنها لا تنمو بالسرعة الكافية لردم الفجوة التي نشأت خلال فترة الجائحة.

كما أن معدلات التسليم لا تزال أقل من مستويات الذروة المسجلة قبل جائحة كوفيد-19، وبالتالي فهي غير قادرة على تقليص العجز المتراكم، وفي الوقت نفسه، يحافظ الطلب على الطائرات الجديدة على زخمه القوي، حيث يتجاوز عدد طلبات الطائرات الجديدة بشكل مستمر عدد الطائرات التي تم تسليمها. ونتيجة لذلك، بلغ حجم الطلبيات المتراكمة 18,100 طائرة في مايو 2026، مقارنة مع 17,000 طائرة في عام 2024، وبما يمثل أكثر من 50% من أسطول الطائرات المستخدم عالمياً.

ونجحت شركات الطيران حتى الآن في معالجة قسم كبير من المشاكل المرتبطة بنقص السعة من خلال الاعتماد على مزيج من الإجراءات التشغيلية والتجارية. فقد عمدت إلى إطالة العمر التشغيلي لطائراتها الحالية، وزيادة معدلات الاستخدام اليومي للطائرات، وتشغيل الرحلات بعوامل حمولة أعلى، مما ساعدها جزئياً على الحد من تأثيرات تأخر التسليم.

ولا تقتصر تداعيات هذا النقص على زيادة التكاليف فحسب، وإنما تشمل أيضاً إعاقة النمو، فقد أدى نقص الطائرات الجديدة إلى تعطيل مسار المكاسب المتحققة في كفاءة استهلاك الوقود خلال عامي 2024 و2025 للمرة الأولى في تاريخ القطاع، مما أوقف التقدم المنتظم الذي يحرزه قطاع الطيران في مجال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وتتمثل مخاطر هذا الخلل في استمراره على المدى الطويل، ولا سيما في ظل البيئة التشغيلية الراهنة وتصاعد الاضطرابات الجيوسياسية التي تؤثر على سلاسل التوريد العالمية.

وتؤدي الانتخابات إلى زيادة حالة انعدام اليقين في التوقعات الاقتصادية الكلية، ومن المتوقع أن تشهد أكثر من 40 دولة انتخابات وطنية (أو أن الانتخابات جرت بالفعل فيها) تشمل أكثر من 1.5 مليار نسمة حول العالم خلال العام 2026، ليصبح بذلك أحد الأعوام المحورية للعملية الديمقراطية حول العالم.

وتضم قائمة الانتخابات الأكثر أهمية الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة خلال شهر نوفمبر، والانتخابات العامة في البرازيل خلال شهر أكتوبر، والانتخابات التشريعية في إسرائيل خلال شهر أكتوبر المقبل.

وتسهم نتائج هذه الانتخابات في تحديد السياسات المتعلقة بالتضخم والتوترات التجارية والسياسات المالية والنقدية وغيرها، في وقت تعيد فيه أزمة الطاقة تحديد الأولويات الحكومية في مختلف أنحاء العالم.

ويشكل الركود التضخمي، أي حدوث تباطؤ في النمو مع ارتفاع مستويات التضخم، اختباراً لمدى مرونة القطاع، ولا سيما فيما يتعلق بقدرة المسافرين على تحمل ارتفاع أسعار التذاكر لفترات طويلة من الزمن.

ويشير استطلاع للرأي أجراه الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) إلى وجود قدر من الثقة على المدى القصير، حيث أفاد 49% من المشاركين في الاستبيان بأنهم يتوقعون إنفاق مبالغ أكبر على السفر خلال فترة 12 شهراً المقبلة مقارنة بالأشهر الـ12 الماضية (بينما توقع 43% منهم أن يبقى إنفاقهم عند مستويات مماثلة). ونوّه 83% من المشاركين إلى أنهم أصبحوا أكثر اهتماماً بالتكاليف، في حين أشار 86% منهم إلى أنهم يتوقعون أن ترتفع أو تنخفض أسعار النقل تبعاً للتطورات التي تشهدها أسعار النفط.

تواصل القيود المرتبطة بالبنية التحتية تأثيراتها السلبية على القطاع من خلال زيادة التكاليف والحد من النمو. ففي ظل عدم كفاية قدرات البنية التحتية المتاحة لتلبية الطلب، أصبحت الحرب في الشرق الأوسط مصدر قلق رئيسي فيما يتعلق بقواعد تخصيص خانات الإقلاع والهبوط في المطارات. وثمة حاجة ملحة الآن لتوفير قواعد جديدة أكثر مرونة لتجنب معاقبة شركات الطيران عندما تؤدي عمليات إغلاق أو تقييد المجال الجوي أو المطارات إلى الحد من قدرتها على الاستفادة من خانات الإقلاع والهبوط المخصصة لها. وبالمثل، يتعين على الجهات التنظيمية المعنية بالشؤون الاقتصادية التأكد من معالجة أي تراجع في مستويات الطلب ينجم عن الحرب وتداعياتها من خلال تحسين الكفاءة التشغيلية بدلاً من زيادة الرسوم.

نظرة على الأداء الإقليمي

تشهد شركات الطيران الكبرى في القارة الأفريقية أعلى معدلات النمو في حركة المسافرين نتيجة إعادة توجيه الرحلات لتجنب المرور في منطقة الشرق الأوسط. وعلى الرغم من ذلك، فإنه من المتوقع أن تتراجع مستويات الربحية في المنطقة بسبب عوامل الضعف المرتبطة بالتكاليف، ولا سيما فيما يتعلق بإمدادات الوقود وأسعاره.

ويضاف إلى ذلك انخفاض معدلات استخدام الطائرات وضعف الميزانيات العمومية لتلك الشركات، حيث تسهم هذه العوامل مجتمعة في الحد من الزيادة المتوقعة في الإيرادات الناتجة عن تغيير تدفقات المسارات الجوية، مما يؤدي إلى انخفاض هوامش الأرباح الصافية خلال العام 2026.

ومن المرجح أن تتركز المكاسب لدى عدد محدود من شركات الطيران الكبرى التي تمتلك شبكات ربط جوي راسخة بين قارات أفريقيا وأوروبا وآسيا، بينما من المتوقع أن تتحمل الشركات الأصغر حجماً والأقل ترابطاً العبء الأكبر الناجم عن صعوبة البيئة التشغيلية.

كما تواصل القيود البنيوية، والتي تشمل ضعف البنية التحتية وتشتت المجال الجوي ومحدودية التنسيق العابر للحدود، دورها السلبي في خفض كفاءة شبكات النقل الجوي وزيادة التكاليف التشغيلية. بينما تسهم محدودية القدرات التمويلية وصعوبة الوصول إلى رأس المال في الحد من فرص توسيع أساطيل الطائرات وتطوير شبكات النقل الجوي.

وتعتمد منطقة آسيا والمحيط الهادئ إلى حد كبير على واردات النفط الخام القادمة من منطقة الخليج العربي، وقد يؤدي النقص الحاصل في هذه الإمدادات إلى زيادة الضغوط على المصافي، وحدوث نقص في الإمدادات من وقود الطائرات، وارتفاع أسعاره بوتيرة أكبر مقارنة بالمناطق الأخرى حول العالم.

ودفعت هذه الظروف التشغيلية شركات الطيران إلى تعديل مستويات السعة في طائراتها، بينما أدت إطالة مسارات الرحلات الجوية نتيجة القيود المفروضة على المجال الجوي إلى زيادة معدلات استهلاك الوقود، وتراجع حجم السعة الفعلية للطائرات، وارتفاع تكاليف التشغيل لكل وحدة.

وتحافظ العوامل الأساسية الداعمة للطلب على قوتها مع استمرار نمو حركة السفر المحلية والعالمية. وتستفيد بعض شركات الطيران في منطقة آسيا والمحيط الهادئ من تحويل تدفقات حركة النقل الجوي المرتبط بالنزاع في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما في المسارات الجوية التي تربط بين القارتين الأوروبية والآسيوية. وفي المقابل، تتفاقم الضغوط المرتبطة بالتكاليف نتيجة تراجع قيمة عدد من العملات الآسيوية، مما يرفع التكلفة المحلية للنفقات المقوّمة بالدولار الأمريكي وعلى رأسها الوقود.

وأتاحت الاضطرابات التي تشهدها المراكز الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط فرصاً إضافية لشركات الطيران الآسيوية لاستقطاب حركة الشحن الجوي، ولا سيما على المسارات التجارية بين أوروبا وآسيا. ومع ذلك، يمكن للتغييرات التنظيمية في أوروبا، بما في ذلك تشديد المتطلبات الجمركية على الشحنات منخفضة القيمة، أن تؤثر سلباً على أحجام الشحن المرتبطة بالتجارة الإلكترونية. وعلى الرغم من التباطؤ المحتمل لنمو الشحن الجوي بشكل عام، فإن القيود المتعلقة بالسعة وتأثيرات إعادة توجيه مسارات الرحلات تسهم في الحفاظ على ظروف مواتية في السوق إلى حد ما.

وتعتمد شركات الطيران الأوروبية بشكل أساسي على الواردات القادمة من منطقة الخليج العربي لتلبية احتياجاتها من وقود الطائرات، لذلك فإنها تواجه ضغوطات كبيرة من ناحية التكاليف. ورغم نجاحها في التخفيف من حدة هذه الضغوط عن طريق التحوط بتأمين حوالي 70% من احتياجاتها المتعلقة بالوقود قبل اندلاع الصراع، إلا أن التكاليف سترتفع تدريجياً مع انتهاء مفعول إجراءات التحوط.

وحققت أوروبا بعض المكاسب في الحركة الجوية من خلال توفير ربط مباشر بين القارتين الأوروبية والآسيوية، واستبدال بعض المسارات الجوية التي تمر عبر المراكز الرئيسية في منطقة الخليج العربي؛ إلا أن أجزاء من أوروبا ما تزال تعاني من القيود المفروضة على المجال الجوي فوق روسيا. ومن المتوقع أن تؤدي المؤشرات السلبية للاقتصاد الكلي، والتي تتمثل في تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الطاقة، إلى تنامي الضغوط على القدرة الشرائية للأسر.

وتعمل شركات الطيران الأوروبية تحت ضغوط تكلفة كبيرة وناجمة عن أطر تنظيمية صارمة، بما في ذلك متطلبات استخدام وقود الطيران المستدام، إلى جانب ارتفاع رسوم المطارات وخدمات الملاحة الجوية. كما تسهم الإضرابات العمالية المستمرة في عدد من الأسواق في زيادة الاضطرابات التشغيلية والحد من مرونة القطاع. وتشير هذه العوامل مجتمعة إلى إمكانية تراجع القدرة التنافسية لشركات الطيران الأوروبية بشكل أكبر حتى بعد عودة أوضاع السوق إلى حالتها الطبيعية.

يتأثر أداء القطاع في أمريكا اللاتينية بالضغوط السلبية المتمثلة في تراجع قيمة العديد من عملات المنطقة نتيجةً لأزمة الطاقة.

ولا تزال الظروف المرتبطة بمستويات الطلب في المنطقة أكثر حساسية مقارنة بالمناطق الأخرى، مما يعكس انخفاض مستويات الدخل وتراجع حصة سفر الأعمال ضمن إجمالي الطلب على خدمات النقل الجوي.

وقد تشهد أسواق الشحن بعض التراجع، ولا سيما في الأسواق التي تعتمد على عمليات التصدير. وعلى الرغم من ذلك، لا تزال العوامل الأساسية الداعمة للطلب قائمة، مما يشير إلى حدوث تكيّف تدريجي للسوق بدلاً من الهبوط المفاجئ.

وتعمل شركات الطيران في أمريكا اللاتينية عادةً في ظل قيود تشغيلية تشمل المرونة المحدودة لميزانياتها العمومية وارتفاع تكاليف التمويل، مما يحد من قدرتها على استيعاب الصدمات أو الاستثمار في توسيع أساطيل الطائرات وتطوير شبكات الرحلات.

ويبلغ معدل الأرباح قبل خصم الفوائد والضرائب إلى هوامش الأرباح الصافية نحو أربعة أضعاف المتوسط العالمي، مما يؤكد وجود هذه القيود التي تحد من قدرة شركات الطيران على الاستجابة بمرونة للتغيرات في مستويات الطلب أو التكاليف. وتشير هذه العوامل مجتمعة إلى إمكانية حدوث تباطؤ ملحوظ في وتيرة النمو، حتى مع بقاء الطلب في المنطقة ضمن مستويات إيجابية بشكل عام.