إذا كنت تشاهد مباراة كرة قدم داخل ملعب ريموند جيمس بمدينة تامبا الأمريكية للمرة الأولى، فقد تعتقد أنك دخلت إلى مدينة ألعاب ترفيهية أكثر من كونك حضرت مباراة كرة قدم.
فوق أرضية الملعب تهيمن سفينة قراصنة عملاقة بطول يقارب 30 مترًا، مزودة بالأشرعة والمدافع والحبال، بينما تنتشر أكواخ استوائية وأشجار نخيل في محيط المدرجات، في مشهد أقرب إلى عالم ديزني منه إلى أجواء كرة القدم التقليدية.
وخلال المباراة الودية التي جمعت منتخب إنجلترا بنظيره النيوزيلندي استعدادًا لكأس العالم 2026، دوّى بوق السفينة في أرجاء الملعب مع هدف هاري كين، فيما أخذ صوت آلي أمريكي يردد كلمة "هدف" مرارًا، بالتزامن مع ظهورها على الشاشات العملاقة.
أحد المشجعين الأمريكيين لخص المشهد قائلًا: "إنها النسخة الخاصة بديزني من كرة القدم الإنجليزية".
ملاعب NFL تتحول إلى ملاعب مونديالية
يُعد ملعب ريموند جيمس معقل فريق تامبا باي بوكانيرز المنافس في دوري كرة القدم الأمريكية، ولهذا جاءت هوية القراصنة المميزة في تصميمه.
وستُقام مباريات كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة على 11 ملعبًا جميعها تستضيف فرقًا من دوري NFL، ما أجبر المنظمين على إجراء تعديلات واسعة لتتوافق الملاعب مع لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، من بينها تغيير العلامات التجارية وإعادة تجهيز أرضيات الملاعب وإزالة بعض المقاعد وتقليص المؤثرات المعتادة في الرياضة الأمريكية.
ورغم تلك التعديلات، لا تزال الأجواء داخل الملاعب تحمل الطابع الأمريكي بوضوح.
تجربة ترفيهية تتجاوز كرة القدم
يقول المشجع الأمريكي إيفان فار، القادم من أتلانتا، إن الفارق الأكبر بين المباريات في إنجلترا والولايات المتحدة يتمثل في أن التجربة الأمريكية لا تقتصر على المباراة نفسها.
وأوضح أن الجماهير الأمريكية تهتم بكل ما يحيط بالمباراة من فعاليات وتجارب ترفيهية بقدر اهتمامها بما يحدث داخل المستطيل الأخضر.
ويظهر ذلك بوضوح داخل الملعب، حيث يمكن للجماهير التجول في قرية شاطئية صناعية تضم ممشى ترفيهيًا ورمالًا صناعية وأراجيح ومقاعد استرخاء على الطراز الساحلي.
إجراءات أمنية مشددة
في المقابل، تفرض السلطات الأمريكية إجراءات أمنية صارمة خارج الملاعب.
وتنتشر وحدات أمنية مسلحة وعناصر تفتيش متخصصة عند المداخل، مع قيود صارمة على إدخال الحقائب والمقتنيات الشخصية.
وأبدى بعض المشجعين الإنجليز اندهاشهم من حجم الإجراءات الأمنية مقارنة بما اعتادوا عليه في الملاعب الأوروبية.
البيرة داخل المدرجات وكاميرات القُبلات
من أبرز الاختلافات التي لفتت انتباه الجماهير الإنجليزية إمكانية تناول المشروبات داخل المدرجات أثناء متابعة المباراة.
كما يتجول البائعون بين المقاعد حاملين المشروبات والمرطبات، بينما تعرض الشاشات العملاقة لقطات مباشرة للجماهير عبر ما يعرف بـ"كاميرا القُبلات"، التي تشجع الأزواج على الظهور أمام الجميع.
وتتحول المدرجات بين الحين والآخر إلى ساحة للرقص والغناء والتفاعل مع الموسيقى المصاحبة للفعاليات الترفيهية.
صدام ثقافي بين الإنجليز والأمريكيين
ورغم الأجواء الاحتفالية، بدا واضحًا وجود اختلاف في الثقافة الجماهيرية بين الطرفين.
ففي الوقت الذي حاول فيه المشجعون الأمريكيون إطلاق الموجة الجماهيرية الشهيرة داخل المدرجات، رفض كثير من المشجعين الإنجليز المشاركة فيها، مفضلين الاكتفاء بأهازيجهم التقليدية.
كما أثارت الأغاني والهتافات الإنجليزية فضول الجماهير الأمريكية التي لم تعتد على هذا النوع من التشجيع المتواصل طوال المباراة.
أمريكا تستعد لاختبار جماهيري مختلف
ومع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026، تبدو الولايات المتحدة جاهزة لتقديم نسخة مختلفة من تجربة حضور مباريات كرة القدم، تمزج بين الرياضة والترفيه والعروض الجماهيرية.
لكن يبقى السؤال المطروح: هل ستتأقلم الجماهير القادمة من مختلف أنحاء العالم، وخاصة من إنجلترا، مع هذا النموذج الأمريكي المختلف، أم ستفرض ثقافة كرة القدم التقليدية حضورها داخل المدرجات؟
الإجابة ستتضح عندما تتدفق مئات الآلاف من الجماهير إلى الملاعب الأمريكية خلال أكبر نسخة في تاريخ كأس العالم.