«فيتش»: صدمة النفط تخفض النمو العالمي إلى 2.4% رغم طفرة الذكاء الاصطناعي

مع تصاعد التوترات والحرب بين الولايات المتحدة وإيران

البترول

خفضت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية توقعاتها لنمو الاقتصاد العالمي خلال عام 2026 إلى 2.4%، بانخفاض قدره 0.2 نقطة مئوية عن تقديراتها السابقة، في ظل التداعيات السلبية لأزمة النفط الناتجة عن تصاعد التوترات والحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وما ترتب عليها من ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وزيادة الضغوط التضخمية على الاقتصادات العالمية.

وأوضحت الوكالة، في أحدث تقرير لها بشأن التوقعات الاقتصادية العالمية لشهر يونيو 2026، أن ارتفاع أسعار النفط أدى إلى تراجع آفاق النمو في معظم الاقتصادات الكبرى، مع تأثر الاستهلاك الخاص بفعل تآكل الأجور الحقيقية وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب زيادة أعباء التشغيل ومدخلات الإنتاج على الشركات.

ورغم هذه الضغوط، أشارت «فيتش» إلى أن الاقتصاد العالمي لا يزال يستفيد من موجة استثمارية قوية في قطاع تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، والتي ساهمت في الحد من تأثير صدمة الطاقة على النشاط الاقتصادي، خاصة في آسيا، من خلال دعم التجارة العالمية وزيادة الطلب على المنتجات التكنولوجية وأشباه الموصلات.

وفي ضوء المستجدات الأخيرة، خفضت الوكالة توقعاتها لنمو الاقتصاد الأمريكي خلال عام 2026 إلى 1.9% مقابل تقديرات سابقة أعلى، كما خفضت توقعات نمو منطقة اليورو إلى 0.9%. وفي المقابل، رفعت تقديراتها لنمو الاقتصاد الصيني إلى 4.6% مدعومًا بأداء أقوى من المتوقع خلال الربع الأول من العام الجاري، واستمرار مرونة الصادرات رغم التحديات العالمية.

كما عدلت «فيتش» توقعاتها لعدد من الاقتصادات الآسيوية، وفي مقدمتها كوريا الجنوبية، التي تستفيد بشكل مباشر من الطفرة العالمية في الإنفاق على التكنولوجيا، خاصة مع تنامي الطلب على الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات التي أصبحت أحد المحركات الرئيسية للنمو التجاري والصناعي عالميًا.

وقال برايان كولتون، كبير الاقتصاديين لدى الوكالة، إن صدمة أسعار النفط تفرض ضغوطًا واضحة على الاقتصاد العالمي وتزيد من مخاطر تباطؤ النمو، إلا أن الارتفاع القوي في الإنفاق على تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي يوفر دعمًا مهمًا للنشاط الاقتصادي على المدى القصير، لا سيما في الاقتصادات الآسيوية المرتبطة بسلاسل توريد التكنولوجيا العالمية.

وتبني «فيتش» توقعاتها الحالية على افتراض استمرار إغلاق مضيق هرمز لمدة 14 أسبوعًا، على أن تبدأ عمليات إعادة فتحه خلال يوليو المقبل. وفي هذا الإطار، رفعت الوكالة متوسط توقعاتها لسعر خام برنت خلال عام 2026 إلى 87 دولارًا للبرميل، مقارنة بـ70 دولارًا فقط في تقريرها الصادر خلال مارس الماضي.

ورغم حدة التطورات الحالية، ترى الوكالة أن تأثير الأزمة يظل أقل خطورة من صدمات النفط التاريخية التي شهدها العالم خلال سبعينيات القرن الماضي، موضحة أن الاعتماد العالمي على النفط تراجع بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، كما أن استهلاك النفط كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي انخفض إلى نحو نصف مستواه المسجل في عام 1980.

وفي سيناريو أكثر تشددًا، افترضت «فيتش» ارتفاع متوسط أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل خلال عام 2026، بالتزامن مع تراجع أسواق الأسهم العالمية بنسبة 10% وتشديد الأوضاع الائتمانية. وفي هذه الحالة، قد يتباطأ النمو الاقتصادي الأمريكي إلى 0.8% فقط خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، بينما قد يتراجع نمو منطقة اليورو إلى 0.3%، في حين ينخفض نمو الاقتصاد الصيني إلى 3.4%.

وفي المقابل، تواصل التكنولوجيا لعب دور المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي العالمي، حيث نما الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات بالولايات المتحدة بنسبة 18% على أساس سنوي خلال الربع الأول من 2026، فيما ارتفعت مبيعات أشباه الموصلات عالميًا بنحو 80% خلال مارس الماضي، مدفوعة بالطلب المتزايد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.

كما انعكس هذا الزخم على حركة التجارة الدولية، إذ ارتفعت واردات الولايات المتحدة من السلع الرأسمالية بنحو 30%، فيما دعمت صادرات الرقائق الإلكترونية نمو اقتصادات كوريا الجنوبية وتايوان، وساهمت المنتجات التكنولوجية في تعزيز النشاط التجاري والصناعي داخل الصين.

وعلى صعيد السياسات الاقتصادية، توقعت «فيتش» أن يساهم التوسع المالي في الولايات المتحدة في دعم النمو خلال العام الجاري، في وقت تستفيد فيه ألمانيا من زيادة الإنفاق الدفاعي، والذي قد يضيف نحو 0.8% بشكل تراكمي إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الثلاث المقبلة.

كما أشارت الوكالة إلى أن صدمة أسعار النفط ستؤثر بشكل مباشر على مسار السياسة النقدية العالمية، إذ من المرجح أن تتبنى البنوك المركزية نهجًا أكثر حذرًا في خفض أسعار الفائدة مع تجدد الضغوط التضخمية. وتتوقع الوكالة أن يُبقي كل من الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير خلال العام الحالي، قبل استئناف دورة التيسير النقدي في عام 2027، بينما قد يلجأ البنك المركزي الأوروبي إلى رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس على المدى القريب قبل التراجع عن هذه الخطوة لاحقًا.

وتخلص «فيتش» إلى أن الاقتصاد العالمي يقف حاليًا بين قوتين متعاكستين؛ الأولى تتمثل في الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية، والثانية في الطفرة غير المسبوقة للاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، والتي باتت تمثل أحد أهم العوامل الداعمة للنمو العالمي خلال المرحلة الحالية.