كشفت دراسة حديثة صادرة عن المعهد الاقتصادي الألماني، بتكليف من مؤسسة برتلسمان، أن الصين أصبحت تمتلك أكثر من 11,300 براءة اختراع جرى تطويرها داخل ألمانيا خلال العقدين الماضيين، في مؤشر يعكس التحول المتسارع في موازين القوة التكنولوجية العالمية وتصاعد المنافسة على الأصول المعرفية والصناعية المتقدمة.
وأظهرت الدراسة أن نحو ثلث الابتكارات المطورة في ألمانيا باتت مملوكة لجهات أجنبية، فيما تستحوذ الشركات والمؤسسات الأمريكية على الحصة الأكبر من هذه البراءات، تليها جهات سويسرية، بينما عززت الصين حضورها بشكل ملحوظ في القطاعات الصناعية والتكنولوجية الاستراتيجية.
تركيز صيني على الهندسة الميكانيكية
وبحسب الدراسة، برز النشاط الصيني بشكل خاص في قطاع الهندسة الميكانيكية، أحد أهم ركائز الصناعة الألمانية، حيث ارتفع عدد طلبات براءات الاختراع في هذا المجال إلى نحو 4,300 طلب عام 2022 مقارنة مع 3,300 طلب في عام 2000.
وأشار الباحث أوليفر كوبل، الخبير في المعهد الاقتصادي الألماني، إلى أن امتلاك الشركات الأجنبية لبراءات اختراع مطورة خارج حدودها يعد جزءاً طبيعياً من المنافسة العالمية، إلا أنه حذر من أن الصين تتبع نهجاً استراتيجياً أكثر تنظيماً في الاستحواذ على التقنيات الغربية.
وأوضح أن بكين تشجع عمليات الاستحواذ على التكنولوجيا الأجنبية في الوقت الذي تواصل فيه فرض قيود على دخول المستثمرين الأجانب إلى العديد من القطاعات داخل السوق الصينية، وهو ما يخلق حالة من عدم التوازن في المنافسة الدولية.
وحذر معدو الدراسة من أن أوروبا بحاجة إلى مراقبة انتقال التقنيات الحيوية والاستراتيجية بصورة أكثر دقة، خاصة في ظل تزايد عمليات الاستحواذ الأجنبية على الابتكارات الأوروبية المتقدمة.
ويرى خبراء أن المسألة لم تعد تقتصر على المنافسة التجارية التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بالأمن الاقتصادي والتكنولوجي للقارة الأوروبية، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالصناعة المتقدمة والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.
وسلطت الدراسة الضوء على تراجع القوة الابتكارية الألمانية خلال السنوات الأخيرة نتيجة ضعف وتيرة الاستثمار في البحث والتطوير مقارنة بالمنافسين الدوليين.
ففي عام 2000 كانت ألمانيا تحتل المركز الثالث عالمياً في الإنفاق على البحث والتطوير، وكانت استثماراتها في هذا المجال تعادل ضعف الإنفاق الصيني تقريباً.
لكن بحلول عام 2021 تراجعت ألمانيا إلى المركز السادس عالمياً، بينما واصلت الصين توسيع استثماراتها البحثية بوتيرة غير مسبوقة، حيث ارتفع إنفاقها على البحث والتطوير بنحو عشرين ضعفاً خلال الفترة نفسها.
تعكس هذه الأرقام التحول الكبير الذي شهدته خريطة الابتكار العالمية خلال العقدين الماضيين، مع انتقال الصين من موقع المتلقي للتكنولوجيا إلى أحد أكبر المستثمرين والمطورين والمستحوذين على الأصول التكنولوجية عالمياً.
ويشير التقرير إلى أن التحدي الرئيسي أمام ألمانيا وأوروبا خلال السنوات المقبلة لن يقتصر على إنتاج الابتكارات الجديدة، بل سيمتد إلى الحفاظ على ملكيتها وتعزيز القدرة التنافسية في مواجهة القوى التكنولوجية الصاعدة.