العلاقة بين المعرفة والسلطة دائما معقدة، ولكن حاجة الثانية إلى الأولى معروفة منذ قديم الأزل، أفلاطون كما أسلفنا كان يرى أن نظام الحكم الأمثل هو حكم الفيلسوف الحكيم، وأنه لا يوجد حكيم جاهل، وأرسطو كان يخصص وقتا كبيرا لتعليم المشرعين الدستوريين وتلميذه الأكثر شهرة الإسكندر الأكبر، ومدهم بالمعارف والأدوات.
تطورت وتأطرت هذه العلاقة عدة مرات، أهمها فيما يخص العلاقات الدولية ما حدث بعد الحرب العالمية الأولى، الأمور لا تختزل طبعا في مقولة أو مقولتين، ولكن الوعي الجمعي الغربي نسب اندلاع هذه الحرب الكارثية ـ هي بمثابة انتحار أوروبا ـ إلى غباء قيادات العواصم الكبرى وتفاهتها وعدم فهمهم لعدة أمور، منها تأثير المستجدات في التكنولوجيا وفي قدرات الدول على تعبئة شعوبها وفي إدارة اقتصادها، القيادات هرولت نائمة إلى الحرب متصورة أنها لن تستمر سوى بضعة أسابيع، ودفعت القارة كلها أخطاء فردية وجماعية للساسة.
ومنعا لتكرار الكارثة تم تأسيس أقسام وكليات تتخصص في العلاقات الدولية، لتعليم القادة ومستشاريهم أصول العلاقات الدولية وتاريخها وقوانينها ومبادئها الاستراتيجية وما إلى ذلك، واتضح بسرعة أن المتخصصين عاجزون عن التوافق حول مسائل أساسية، منها سمات العلاقات الدولية وهل هي قائمة على التعاون أو التنافس أو مزيج من الاثنين، وكيف ينظم هذا المزيج؟، ومنها أهمية أو عدم أهمية فهم طبيعة النظم السياسية لفهم علاقاتها الخارجية، مثال يوضح المقصود هل نحتاج لفهم العلاقات بين مصر وإثيوبيا أن نعرف ديانة الحكام وشكل النظامين السياسيين والثقافة السياسية للبلدين وتاريخ تفاعلهما، أم المهم فقط فهم علاقات وموازين القوة بينهما؟.
لا أريد أن أستعرض نجاحات وإخفاقات منظومة الدراسة العلمية للعلاقات الدولية، أريد فقط أن أشير إلى بعض الأمور، الخلافات النظرية في شرح الظواهر لها تبعات عملية، فلنأخذ مثال الإرهاب، إن قلنا إن أسباب ظهوره تعود إلى أوضاع داخلية معينة سيذهب التمويل إلى وزارة الداخلية والوزارات التي تتعامل مع المشكلات التي جرى تشخيصها، وإن قلنا إنه مستورد وإنه آت من دول معادية أو مجاورة سيذهب التمويل إلى الدفاع والمخابرات العامة والخارجية والمؤسسات العابرة للدول.
مشكلة أخرى هي الحوار أو عدم الحوار بين خبراء الأمن القومي والاستراتيجية العليا من ناحية، وبين المتخصصين في دراسة الأنظمة السياسية ومجتمعات منطقة ما، فريق يميل إلى حساب موازين القوة وإلى تحديد المصالح المادية للفرقاء وإلى التفكير فيما يسمح بدعم الاستقرار أو ما يتيح الإخلال به، بينما يميل فريق ثان إلى التركيز على قضايا أخرى لا تقل أهمية منها الاستقطاب الداخلي والثقافة السياسية للشعوب وصلاحيات السلطات، أعرف أن كلامي تبسيطي ولكن الفريق الأول سيميل إلى تحديد «ما يجب عمله» دون أن يتساءل هل هذا ممكن أم لا، ملائم أم لا، والفريق الثاني يميل إلى التقليل من شأن منطق ومقتضيات السياسة الخارجية، وهنا أيضا أوضح مقصدي بمثال، خبير العلاقات الدولية يستطيع أن يصف روشته تسمح لألمانيا بالتعامل مع مستجدات الوضع الدولي، ولكن خبير النظم السياسية والثقافة السياسية سيقول له هذا ممكن هذا مستحيل نظرا لبنية النظام السياسي ولثقافة ألمانيا ـ علما بأن ثقافة ألمانيا الغربية ليست ثقافة ألمانيا الشرقية.
بعض الأمثلة الأخرى ممكنة، الفريق الأول قد يرى أن الحوار ضروري مع نظام سياسي معين، والفريق الثاني قد يقول إن طلب الحوار مع هذا النظام تحديدا سيؤخذ على أنه اعتراف بالضعف ويؤدي إلى تصلب، الفريق الأول سيقول إن الحوار مع المعتدلين في دولة ما من شأنه تمكينهم وحث دولتهم على تغيير سلوكها، والفريق الثاني سيقول إن هذا كلام فارغ، لأن المعتدلين غير قادرين على فرض توجههم، الفريق الأول قد يقترح حلفا بين الدولتين أ وب لتحقيق الاستقرار في الإقليم والفريق الثاني سيقول له إن إقامة مثل هذا الحلف مستحيل.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية