بعد ثلاثة أشهر من انخراط الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، تتصاعد التساؤلات داخل واشنطن حول ما إذا كانت الحملة العسكرية التي رُوّج لها باعتبارها عملية “حسم سريع” قد تحولت إلى أزمة استنزاف سياسي واستراتيجي ممتدة.
ورغم ما حققته الضربات الأمريكية من إضعاف جزئي للبنية العسكرية الإيرانية، فإن الصورة العامة للصراع لا تزال غير محسومة، في ظل استمرار طهران في الحفاظ على قدرتها على التأثير الجيوسياسي، خصوصًا عبر أدوات الضغط المرتبطة بأمن الطاقة العالمي، وفقا لما ورد في وكالة رويترز.
مضيق هرمز
يمثل مضيق هرمز أحد أهم أوراق القوة لدى إيران في هذه المرحلة، إذ لا تزال طهران قادرة على التأثير في أحد أكثر الممرات الحيوية لتجارة النفط والغاز عالميًا. ويؤدي هذا الوضع إلى إبقاء أسواق الطاقة في حالة عدم استقرار، ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد الأمريكي وحلفائه.
وفي المقابل، لم تنجح الإدارة الأمريكية حتى الآن في تحويل تفوقها العسكري إلى مكاسب سياسية واضحة، وهو ما يعكس فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية على الأرض.
أهداف الحرب بين الطموح والواقع
الأهداف التي أعلنتها الإدارة الأمريكية منذ بداية العمليات، والتي شملت وقف البرنامج النووي الإيراني، وتقليص النفوذ الإقليمي لطهران، وإضعاف شبكة حلفائها في المنطقة، لا تزال بعيدة عن التحقق الكامل.
وتشير تقديرات مراكز بحثية أمريكية ودولية، من بينها Atlantic Council، إلى أن إيران رغم الخسائر العسكرية التي تعرضت لها، نجحت في الحفاظ على تماسك نظامها السياسي، وإعادة توظيف عناصر قوتها في إدارة الصراع الممتد.
انقسام داخلي أمريكي
داخل الولايات المتحدة، تتزايد الضغوط السياسية على البيت الأبيض مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة وتنامي المخاوف الاقتصادية، بالتزامن مع تراجع مؤشرات الرضا الشعبي عن إدارة الحرب.
ويواجه الرئيس الأمريكي Donald Trump انتقادات متزايدة بشأن غياب تصور واضح لنهاية الصراع، في وقت تتآكل فيه السردية الرسمية التي تحدثت عن “نصر حاسم وسريع”.
ورغم ذلك تواصل الإدارة الأمريكية التأكيد على أن العمليات العسكرية حققت أهدافًا تكتيكية مهمة، حتى وإن ظل التحول إلى نتائج استراتيجية ملموسة غير مكتمل حتى الآن.
على الجانب الإيراني، تبدو القيادة أكثر قدرة على التكيف مع الضغوط العسكرية والاقتصادية، مع استمرار الحفاظ على البنية السياسية للنظام، وتثبيت موقفها بشأن برنامجها النووي باعتباره “حقًا سياديًا”.
وتشير تقارير أمنية إلى استمرار وجود مخزونات من اليورانيوم عالي التخصيب، ما يعزز المخاوف الأمريكية والدولية من احتمال تسارع المسار النووي الإيراني في مرحلة ما بعد الضربات.
وامتدت تداعيات الحرب إلى الساحة الدولية، حيث برز تباين واضح في مواقف الحلفاء الغربيين، خصوصًا في أوروبا، التي امتنعت عن الانخراط المباشر في العمليات العسكرية الأمريكية.
في المقابل، تتابع كل من الصين وروسيا تطورات الأزمة من زاوية استراتيجية، مستفيدتين من استنزاف الموارد العسكرية الأمريكية، ومن اختبار حدود القوة في مواجهة الحروب غير التقليدية.
ويرى محللون في Brookings Institution أن مخرجات هذا الصراع قد تعيد تشكيل موقع الولايات المتحدة الأمريكية في النظام الدولي، سواء في الشرق الأوسط أو في موازين القوى العالمية الأوسع.
في ظل غياب مسار تفاوضي واضح، تواجه الإدارة الأمريكية خيارين صعبين: إما القبول بتسوية سياسية غير مكتملة، أو الانزلاق نحو تصعيد عسكري إضافي قد يطيل أمد الأزمة.
وبين هذين المسارين، تتزايد المؤشرات على أن الصراع قد يتجه نحو حالة استنزاف طويلة الأمد، تُبقي المكاسب العسكرية الأمريكية دون ترجمة سياسية أو اقتصادية حاسمة على أرض الواقع.