«بي إن بي باريبا»: سيناريو الركود التضخمي احتمال ضعيف في أغلب الاقتصادات المتقدمة

في ظل استقلالية البنوك المركزية واعتمادها على أهداف واضحة للتضخم

بي إن بي باريبا

كشف تقرير حديث صادر عن بنك بي إن بي باريبا أن سيناريو الركود التضخمي، الذي يجمع بين ضعف النمو وارتفاع معدلات التضخم، يظل احتمالًا منخفضًا في معظم الاقتصادات المتقدمة، خاصة في منطقة اليورو والمملكة المتحدة، في ظل استقلالية البنوك المركزية واعتمادها على أهداف واضحة للتضخم.

وأوضح التقرير، الذي حصلت «المال» على نسخة منه، أن تجربة السبعينيات والثمانينيات، حين كان الركود التضخمي أكثر شيوعًا، جاءت في سياق غياب استقلالية البنوك المركزية عن الحكومات، بينما يختلف الوضع اليوم في الاقتصادات التي تعتمد أطرًا نقدية صارمة تستهدف تضخمًا عند مستوى 2%، كما هو الحال مع البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا.

وبحسب التقرير، فإن البنك المركزي الأوروبي، الذي يعتمد هدفًا واضحًا للتضخم عند 2%، سيتجه في حال رصد أي ضغوط تضخمية مستمرة إلى رفع أسعار الفائدة لكبح الطلب وإعادة التضخم إلى مستهدفه، وهو ما قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي وربما ركود مؤقت، إلى جانب ارتفاع في معدلات البطالة، لكن دون الدخول في بيئة ركود تضخمي ممتدة.

وأشار بنك بي إن بي باريبا إلى أن الوضع في الولايات المتحدة أكثر تعقيدًا، نظرًا لاعتماد الاحتياطي الفيدرالي على «تفويض مزدوج» يتمثل في استقرار الأسعار وتعظيم التوظيف، ما يجعل أولوية السياسة النقدية أكثر مرونة وتغيرًا بحسب الظروف الاقتصادية.

كما لفت التقرير إلى أن الاحتياطي الفيدرالي لم يعتمد رسميًا هدف تضخم عند 2% وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي إلا في عام 2012، ما يترك مساحة أكبر لاحتمال بقاء التضخم فوق المستوى المستهدف لفترة أطول.

وأضاف التقرير أن هناك عاملًا إضافيًا من عدم اليقين يتمثل في احتمالات تراجع استقلالية البنوك المركزية على المدى المتوسط، وهو ما قد يزيد من مخاطر استمرار التضخم المرتفع، رغم اعتبار هذا السيناريو محدودًا في الأجل القريب.

وفي المحصلة، يرى البنك أن مخاطر الركود التضخمي تبقى منخفضة في أغلب الاقتصادات المتقدمة، لكنها أعلى نسبيًا في الولايات المتحدة مقارنة بالمناطق التي تتبع أنظمة استهداف تضخم صارمة وأحادية الهدف.

وفيما يتعلق بالدين العام، أوضح التقرير أن مستويات الدين والعجز قفزت بشكل حاد خلال جائحة كوفيد-19، ولم تنجح سوى قلة من الدول في خفض نسب الدين خلال السنوات الأخيرة، معتبرًا أن استقرار الدين العام يظل استثناءً وليس القاعدة.

وبيّن التقرير أن القاعدة الأساسية لاستقرار الدين تتمثل في أن يتجاوز معدل النمو الحقيقي تكلفة الاقتراض الحكومي، مع غياب العجز الأولي الجديد، مشيرًا إلى أن أغلب الاقتصادات تسجل حاليًا نموًا اسميًا أعلى من تكلفة الاقتراض، ما يساعد في الحفاظ على استقرار نسبي في مستويات الدين.

كما أشار إلى أن قياس تكلفة الاقتراض بدقة أكبر - عبر متوسط مرجح لكوبونات السندات القائمة بدلًا من عوائد السندات الجديدة فقط - يُظهر أن التكلفة الفعلية للدين أقل مما تبدو عليه، نظرًا لإصدار جزء كبير من الديون خلال فترات أسعار الفائدة المنخفضة تاريخيًا.

وأوضح التقرير أن عددًا من اقتصادات جنوب أوروبا تحقق حاليًا فوائض في الموازنات، بينما تركز التحديات في دول أخرى على تقليص العجز الأولي تدريجيًا نحو مستويات قريبة من الصفر، بما يدعم استدامة الدين على المدى المتوسط.

وأشار بنك بي إن بي باريبا إلى أن الدين العام في معظم الاقتصادات المتقدمة يبدو قابلًا للاستقرار في ظل المعطيات الحالية، طالما استمرت علاقة النمو أعلى من تكلفة الاقتراض، ودون توسع جديد في سياسات العجز المالي.