كشف تقرير حديث صادر عن بنك بي إن بي باريبا أن الاقتصاد العالمي بدأ بالفعل في استيعاب التداعيات الأولية لإغلاق مضيق هرمز، حتى وإن كان جزئيًا ومؤقتًا، مشيرًا إلى أن التأثيرات السلبية على الطلب العالمي بدأت تظهر بوضوح عبر ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع النشاط الاقتصادي في عدد من القطاعات الحيوية.
وأوضح التقرير، الذي حصلت «المال» على نسخة منه، أن نقص الإمدادات وارتفاع أسعار المنتجات النفطية، وعلى رأسها وقود الطائرات والديزل، بدأ ينعكس مباشرة على الطلب النهائي، حيث اضطرت شركات طيران إلى تقليص جداول رحلاتها خلال موسم الصيف، بعد أن قفزت أسعار وقود الطائرات في سنغافورة إلى أكثر من الضعف منذ نهاية فبراير.
كما أشار إلى أن بيانات «جيه بي مورجان» تُظهر تراجع أسعار المنتجات النفطية وهوامش التكرير في أوروبا، رغم استمرار تشدد أساسيات العرض، ما يعكس بدء مرحلة «تدمير الطلب» في القارة الأوروبية.
وبحسب التقرير، فإن انخفاض الطلب على منتجات الطاقة يترجم مباشرة إلى تباطؤ في النمو الاقتصادي، مع اتجاه الأسر والشركات إلى خفض الإنفاق وزيادة الادخار لمواجهة صدمة الأسعار، وهو ما بدا أوضح في أوروبا مقارنة ببقية المناطق.
وأشار البنك إلى أن توقعات النمو في منطقة اليورو بدأت بالفعل في التراجع، إذ خُفضت تقديرات النمو لعام 2026 من 1.2% في مارس إلى 0.9% بنهاية أبريل، في حين لا تزال التوقعات العالمية عند نحو 3% لهذا العام، مع استمرار توقع نمو الاقتصاد الأمريكي عند 2.2% في الوقت الحالي.
وأكد التقرير أن قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود تعتمد بشكل رئيسي على مدة استمرار اضطراب إمدادات الطاقة، موضحًا أن أي تأخير في إعادة فتح حركة الملاحة عبر مضيق هرمز سيؤدي إلى إبقاء أسعار الطاقة مرتفعة لفترة أطول، وبالتالي زيادة الضغط على النمو العالمي.
ورغم هذه المخاطر، أشار بنك بي إن بي باريبا إلى أن الأسواق المالية تتكيف بسرعة مع تطورات الصراع، إذ تضاعف تقلب الأسواق خلال الأسابيع الأولى من الأزمة، قبل أن تعود مستويات التقلب في الأسهم والسندات والعملات إلى ما يقارب مستويات ما قبل الصراع منذ أواخر مارس، رغم استمرار اضطراب حركة الشحن في مضيق هرمز.
وحذر التقرير من أن التهدئة الحالية في الأسواق قد لا تعكس الصورة الكاملة، إذ لا تزال اضطرابات النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم مرشحة للتفاقم تبعًا لمسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
وبيّن التقرير أن البنوك المركزية تعتمد في كبح التضخم على رفع أسعار الفائدة لتقليل الطلب النهائي، إلا أن «تدمير الطلب» الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة قد يخفف الحاجة إلى تدخل نقدي إضافي، حيث يعمل تباطؤ الطلب نفسه كأداة تلقائية لكبح التضخم، في انسجام مع القاعدة التقليدية في أسواق السلع بأن «الأسعار المرتفعة هي علاجها الخاص» عبر خفض الاستهلاك وتحفيز زيادة المعروض.