يستعد البابا ليو لإصدار أول وثيقة بابوية كبرى في حبريته، مخصصًا إياها لتصاعد تأثير الذكاء الاصطناعي على البنية الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، في خطوة تعكس انتقال الفاتيكان من مقاربة عامة للتكنولوجيا إلى خطاب أكثر تحديدًا يركز على الحوكمة الأخلاقية للأنظمة الذكية.
وقال الفاتيكان إن الوثيقة، وهي رسالة بابوية عامة (Encyclical)، ستُكشف في 25 مايو الحالي على أن يقدمها البابا شخصيًا داخل الفاتيكان، في سابقة تُعد خروجًا عن الأعراف التقليدية التي تترك عرض هذه الوثائق لكبار مسئولي الكرسي الرسولي.
الذكاء الاصطناعي
الرسالة، التي تحمل عنوان “Magnifica Humanitas”، تمثل أول إطار نظري شامل من البابا ليو حول الذكاء الاصطناعي، مع تركيز واضح على ثلاثة مسارات رئيسية: الاستخدام العسكري للتقنيات الذكية، تأثير الأتمتة على سوق العمل، وإشكاليات حماية الكرامة الإنسانية في ظل النماذج الرقمية المتقدمة.
وبحسب مصادر كنسية، فإن الوثيقة لن تكتفي بالإطار الأخلاقي العام، بل تتجه إلى توصيف مباشر للمخاطر المرتبطة بدمج الذكاء الاصطناعي في منظومات الحرب الحديثة وأنظمة اتخاذ القرار.
وتتوقع دوائر داخل الفاتيكان أن تتناول الرسالة بشكل صريح استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات المسلحة، في ظل تصاعد الاعتماد على الأنظمة الذاتية في مناطق حرب متعددة، من بينها أوكرانيا وغزة ولبنان وإيران، وهي أمثلة سبق أن أشار إليها البابا في خطاباته العامة.
ويُنتظر أن يعكس النص موقفًا أكثر تشددًا تجاه ما يصفه الفاتيكان بـ”تآكل القرار البشري” في العمليات العسكرية، حيث تتحول الخوارزميات تدريجيًا إلى عنصر فاعل في تحديد الأهداف وتقييم المخاطر.
سوق الوظائف
على المستوى الاجتماعي، ستتطرق الوثيقة إلى تداعيات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، مع تركيز على وظائف الطبقة الوسطى والعمالة التقنية والإدارية، في ظل تسارع عمليات الأتمتة واستبدال بعض المهام البشرية بالأنظمة الذكية.
ومن المتوقع أن تعيد الرسالة إحياء مبادئ العدالة الاجتماعية في الفكر الكاثوليكي، ولكن ضمن سياق رقمي جديد، يربط بين التطور التكنولوجي وتآكل الاستقرار الوظيفي.
عرض الرسالة البابوية
في خطوة لافتة، سيشارك البابا ليو في تقديم الوثيقة بنفسه خلال فعالية رسمية في الفاتيكان، إلى جانب حضور خبير في الذكاء الاصطناعي مرتبط بشركة “أنثروبيك”، مما يعكس محاولة متعمدة لدمج النقاش اللاهوتي مع التطورات التقنية الحديثة.
ويُعد هذا التوجه غير مألوف في تقاليد الكنيسة، حيث غالبًا ما تُقدَّم الرسائل البابوية عبر قنوات دبلوماسية كنسية دون حضور مباشر للبابا.
ويُنظر إلى الرسالة المرتقبة باعتبارها محاولة لتأطير الذكاء الاصطناعي ليس كأداة تقنية محايدة، بل كمنظومة تأثير اجتماعي وأخلاقي تمس تعريف “الإنسان” نفسه داخل النظام العالمي المعاصر.
ويأتي ذلك ضمن مسار أوسع للبابا ليو، الذي شدد خلال الأشهر الماضية على مخاطر التحول الرقمي غير المنضبط، وربطه بشكل متكرر بتغير طبيعة الحروب واتساع فجوة العدالة الاقتصادية.
تحديث الخطاب الكاثوليكي
تعكس هذه الوثيقة تحولًا في طريقة تعامل الفاتيكان مع التكنولوجيا، من معالجة عامة لقضايا الاقتصاد والعدالة إلى خطاب متخصص يتعامل مع الذكاء الاصطناعي كملف مستقل، يرتبط مباشرة بالأمن الدولي، وسوق العمل، والنظام الأخلاقي العالمي.
ويشير ذلك إلى محاولة المؤسسة الكاثوليكية إعادة تعريف دورها في النقاشات العالمية حول التكنولوجيا الناشئة، ليس كمراقب أخلاقي فقط، بل كطرف فاعل في صياغة الإطار القيمي للثورة الرقمية.