ضغوط ترامب الجيوسياسية تصطدم بجدار إيراني وسط أزمة تهز أسواق الطاقة العالمية

طهران تستثمر ورقة هرمز

الصراع الأمركي الإيراني

دخلت استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، القائمة على التهديدات العلنية والضغوط القصوى مرحلة أكثر تعقيدًا في المواجهة مع إيران، بعدما فشلت حتى الآن في انتزاع تنازلات حاسمة من طهران رغم مرور أكثر من 11 أسبوعًا على اندلاع الحرب التي أعادت تشكيل خريطة الطاقة العالمية وأربكت الاقتصاد الدولي.

ووفقًا لتحليل نشرته رويترز، فإن النهج التفاوضي الصدامي الذي تبناه ترامب مع خصومه الدوليين ونجح نسبيًا في ملفات الرسوم الجمركية وبعض النزاعات الدولية، اصطدم هذه المرة بما وصفه محللون بـ«الصلابة الإيرانية» وقدرة طهران على امتصاص الضغوط السياسية والعسكرية دون تقديم استسلام واضح.

طهران تستثمر ورقة هرمز 

ورغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي أضعفت جزءًا من القدرات العسكرية الإيرانية وأدت إلى مقتل قيادات بارزة، فإن إيران ما تزال تحتفظ بأهم أدوات الضغط الجيوسياسي عبر السيطرة الفعلية على حركة الملاحة في مضيق هرمز، الممر الذي كان ينقل قبل الحرب نحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا.

هذا الواقع منح طهران قدرة على فرض كلفة اقتصادية ضخمة على الأسواق العالمية، مع قفزات حادة في أسعار النفط وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والتأمين البحري، في وقت تواجه فيه الإدارة الأمريكية ضغوطًا سياسية داخلية متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الوقود وتراجع شعبية ترامب اقتصاديًا قبل انتخابات الكونغرس المقبلة.

التقرير أشار إلى أن ترامب واصل استخدام خطاب حاد تجاه القيادة الإيرانية، تضمن تهديدات مباشرة وتصريحات وصفتها الأوساط الدبلوماسية بأنها “تصعيدية وغير منضبطة”، بينها تلويحه بتدمير البنية التحتية الإيرانية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، إلى جانب حديثه المتكرر عن “استسلام غير مشروط”.

لكن محللين وخبراء تفاوض أمريكيين سابقين رأوا أن هذه اللغة قد تعرقل فرص التوصل إلى تسوية، لأن القيادة الإيرانية لا تستطيع سياسيًا الظهور بمظهر الطرف المنهزم أمام الرأي العام الداخلي، خاصة بعد الخسائر البشرية والعسكرية الكبيرة التي تعرضت لها البلاد منذ بدء الحرب.

وقال روبرت مالي، المفاوض الأمريكي السابق في الملف الإيراني، إن أي حكومة “لا يمكنها تحمل صورة الاستسلام الكامل”، معتبرًا أن الإصرار على تصوير الأزمة باعتبارها “انتصارًا أمريكيًا مطلقًا” يقلل فرص الوصول إلى اتفاق واقعي.

وبينما تدافع إدارة ترامب عن نهجها باعتباره “دبلوماسية قوة” تحقق نتائج، بدأت أصوات أمريكية بارزة، حتى من داخل التيار المحافظ، تبدي قلقًا من كلفة الحرب وتداعياتها الاقتصادية والسياسية.

وأظهر استطلاع للرأي أجرته رويترز/إبسوس تراجع معدلات التأييد الشعبي لسياسات ترامب الاقتصادية، بالتزامن مع تجاوز أسعار الوقود مستويات تاريخية، وهو ما حول الملف الإيراني إلى عبء انتخابي محتمل على الحزب الجمهوري.

في المقابل، يرى مسؤولون أمريكيون سابقون أن إيران تعتمد استراتيجية “النفس الطويل” في التفاوض، مستفيدة من طبيعة النظام السياسي الإيراني القائم على الصبر الاستراتيجي وإطالة أمد المحادثات، مقابل رغبة ترامب في تحقيق اختراق سريع يمكن توظيفه سياسيًا وإعلاميًا.

نتائج عكسية للضغوط الأمريكية

ويرى خبراء أن الحملة العسكرية والضغوط السياسية الأمريكية قد تدفع إيران في النهاية إلى تسريع أي مسار نووي مستقبلي باعتباره وسيلة ردع استراتيجية شبيهة بالنموذج الكوري الشمالي، خاصة مع تراجع الثقة الإيرانية في واشنطن بعد الضربات العسكرية التي تزامنت مع فترات تفاوض سابقة.

كما حذر محللون من أن الأسلوب “غير المتوقع” الذي يفضله ترامب في إدارة الأزمات قد يُفسَّر داخل طهران باعتباره مؤشرًا على استعجال أمريكي للخروج من الأزمة، ما يمنح الإيرانيين هامشًا أوسع للمناورة والتمسك بمواقفهم التفاوضية.

ومع استمرار الجمود السياسي وتعثر المبادرات الدبلوماسية، تتزايد المخاوف من تحول المواجهة الأمريكية الإيرانية إلى أزمة استنزاف طويلة الأمد، تتخللها موجات متكررة من التصعيد العسكري والاقتصادي، في وقت تبدو فيه أسواق الطاقة العالمية الأكثر تعرضًا لتداعيات هذا الصراع المفتوح.