بريطانيا تتجه لتخفيف القيود المصرفية.. مراجعة كبرى لإرث أزمة 2008

تحفيز الإقراض

الحكومة البريطانية

تستعد الحكومة البريطانية للإعلان خلال الأسبوع المقبل عن مقترحات أكثر تفصيلًا لتخفيف قواعد “الفصل المصرفي” (Ring-fencing)، في خطوة تُعد من أبرز المراجعات التنظيمية للنظام المالي منذ الأزمة العالمية في 2008، وفق ما نقلته رويترز.

ويأتي هذا التوجه في سياق سياسة اقتصادية أوسع تقودها حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر، تهدف إلى إعادة تنشيط الائتمان المصرفي، وخفض تكاليف التمويل، وتعزيز قدرة القطاع المالي على دعم أولويات النمو الاقتصادي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد البريطاني ضغوطًا تتعلق بضعف الإنتاجية وتباطؤ الاستثمار.

أُقر نظام “الفصل المصرفي” عقب الأزمة المالية 2008 بوصفه أحد أعمدة الاستقرار المالي، إذ يفرض فصلًا صارمًا بين أنشطة البنوك التجارية المرتبطة بالودائع والإقراض للأفراد والشركات، وبين أنشطة الاستثمار عالية المخاطر، بهدف منع انتقال الصدمات داخل النظام المالي.

غير أن التوجه الجديد يعكس تحولًا تدريجيًا في الفلسفة التنظيمية البريطانية، من نموذج قائم على “تقليل المخاطر عبر الفصل” إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على “إدارة المخاطر داخل مؤسسات أكثر تكاملًا”، بما يتيح للبنوك الكبرى تحسين كفاءة رأس المال وتوسيع هوامش الربحية.

تحفيز الإقراض

بحسب التسريبات، فإن وزيرة المالية راشيل ريفز وافقت على حزمة من التعديلات التي ستسمح للبنوك الكبرى بالاستفادة من هياكل تمويل أكثر كفاءة، بما ينعكس على خفض تكلفة الإقراض للقطاعات المرتبطة بالأولويات الاقتصادية للحكومة.

وتشير المقترحات أيضًا إلى السماح بقدر أكبر من التكامل التشغيلي بين الأنشطة المفصولة داخل البنوك، بما يشمل مشاركة الخدمات والبنية التحتية التشغيلية بين الذراعين التجاري والاستثماري، وهو ما يُتوقع أن يحقق وفورات في التكلفة التشغيلية ويعزز القدرة التنافسية للمصارف البريطانية.

من المرجح أن تستفيد مؤسسات مالية كبرى مثل “باركليز” و”إتش إس بي سي” و”سانتاندير” من هذه التعديلات، نظرًا لأنها ستمنحها مرونة أكبر في إدارة ميزانياتها العمومية، وتوزيع المخاطر، وتوسيع نشاطها الائتماني والاستثماري داخل السوق البريطانية وخارجها.

ويقرأ محللون هذه الخطوة باعتبارها محاولة لإعادة تموضع لندن كمركز مالي عالمي أكثر مرونة في مواجهة المنافسة المتصاعدة من مراكز مالية أخرى، خصوصًا في ظل التحولات الجارية في تدفقات رأس المال العالمية وتشديد السياسات النقدية في الاقتصادات الكبرى.

 الاستقرار المالي 

يثير هذا التحول جدلًا تقليديًا في السياسات المالية البريطانية بين هدفين متناقضين نسبيًا: الحفاظ على صلابة النظام المصرفي ومنع تكرار أزمات الماضي، مقابل الحاجة إلى تحفيز النمو عبر توسيع دور البنوك في تمويل الاقتصاد الحقيقي.

وفي حين يرى مؤيدو الإصلاح أن النظام الحالي أصبح “مكلفًا أكثر من اللازم” ويقيد قدرة البنوك على دعم الاستثمار، يحذر منتقدون من أن تخفيف القيود قد يعيد فتح الباب أمام تراكم مخاطر مالية يصعب ضبطها في حال تدهور الظروف الاقتصادية.

قواعد اللعبة المالية في بريطانيا

يمثل هذا التوجه، في جوهره، إعادة تقييم شاملة للفلسفة التنظيمية التي حكمت القطاع المصرفي البريطاني منذ أكثر من عقد ونصف، مع انتقال تدريجي من نموذج رقابي صارم قائم على الفصل الهيكلي، إلى نموذج أكثر اعتمادًا على الرقابة الداخلية وإدارة المخاطر داخل المؤسسات المالية نفسها.

وفي ظل هذا التحول، تبدو بريطانيا بصدد اختبار توازن جديد بين متطلبات الاستقرار المالي طويلة الأجل، وحاجة الاقتصاد إلى تدفق أقوى لرأس المال والائتمان، في مرحلة تتسم بتباطؤ النمو وارتفاع الضغوط التنافسية على القطاع المالي العالمي.