استضافت العاصمة الصينية بكين سلسلة من الاجتماعات رفيعة المستوى جمعت مسؤولين حكوميين كبارًا مع قادة أبرز المؤسسات المالية والاستثمارية الأمريكية، في خطوة تعكس استمرار الترابط الاقتصادي بين أكبر اقتصادين في العالم، رغم تصاعد التوترات التجارية والتكنولوجية بين البلدين.
وشارك في الاجتماعات رؤساء ومسؤولو عدد من أكبر الشركات الأمريكية، من بينها “سيتي جروب” و”جولدمان ساكس”، إلى جانب ممثلين عن شركات عملاقة مثل آبل، ميتا، بوينغ، كارجيل، وجولدمان ساكس، في مشهد يؤكد أن السوق الصينية لا تزال تمثل محورًا استراتيجيًا رئيسيًا للشركات الأمريكية الكبرى، حتى في ظل بيئة سياسية معقدة، وفقا لرويترز.
الدبلوماسية المؤسسية
قال ألفريدو مونتوفار-هيلو، المدير التنفيذي في شركة “أنكورا تشاينا أدفايزرز” ومقره بكين، إن القمة شكلت “نافذة حاسمة” لقادة الشركات الأمريكية من أجل تعزيز ما وصفه بـ”الدبلوماسية المؤسسية”، عبر طرح أولوياتهم الاقتصادية والاستثمارية مباشرة أمام صناع القرار الصينيين.
ويعكس هذا التوصيف تحولًا متزايدًا في طبيعة العلاقات بين واشنطن وبكين، حيث باتت الشركات متعددة الجنسيات تلعب دورًا مكمّلًا للدبلوماسية الرسمية في إدارة الملفات الاقتصادية الحساسة، خصوصًا في قطاعات التكنولوجيا والتمويل وسلاسل الإمداد العالمية.
رسائل صينية مباشرة
في المقابل، نقلت وسائل إعلام صينية رسمية أن سكرتير الحزب الشيوعي في بكين يين لي أكد خلال لقاءاته مع مسؤولي “سيتي غروب” ترحيب الصين بتوسيع أعمال البنك داخل السوق المحلية، وتشجيعه على جذب مزيد من الاستثمارات الدولية إلى البلاد.
كما عقد رئيس هيئة تنظيم الأوراق المالية الصينية (CSRC) وو تشينغ اجتماعًا مع الرئيسة التنفيذية لـ”سيتي غروب” جين فريزر، حيث ناقش الجانبان تطورات الاقتصاد العالمي، والاستقرار المالي، وآفاق انفتاح سوق رأس المال الصيني أمام المستثمرين الأجانب.
وتأتي هذه اللقاءات في وقت تحاول فيه بكين موازنة سياسات الانفتاح المالي مع تعزيز الضوابط التنظيمية، في ظل ضغوط اقتصادية داخلية وتباطؤ نسبي في معدلات النمو.
على صعيد موازٍ، التقى نائب محافظ البنك المركزي الصيني ورئيس هيئة تنظيم النقد الأجنبي مع الرئيس التنفيذي لـ”غولدمان ساكس” ديفيد سولومون، حيث جرى تبادل وجهات النظر حول تطورات الاقتصاد العالمي وأسواق المال الدولية، إضافة إلى آفاق تحرير الأسواق المالية الصينية.
ويعكس هذا اللقاء استمرار اهتمام المؤسسات المالية الأمريكية الكبرى بالفرص داخل السوق الصينية، رغم القيود التنظيمية المتزايدة والتوترات الجيوسياسية بين واشنطن وبكين، خصوصًا في ملفات التكنولوجيا المتقدمة وسلاسل الإمداد.
بوينغ في قلب الصفقة
وفي تطور لافت على هامش التحركات الاقتصادية، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الصين وافقت على شراء 200 طائرة من شركة بوينغ، مع إمكانية ارتفاع الطلب إلى 750 طائرة في حال إتمام الاتفاق بشكل نهائي.
ويُنظر إلى هذه الصفقة، إذا تم إقرارها رسميًا، باعتبارها أول اختراق كبير لـ”بوينغ” في السوق الصينية منذ نحو عقد، في وقت تسعى فيه الشركة الأمريكية لتعويض خسائرها في الأسواق الدولية وتعزيز موقعها أمام المنافسة الأوروبية والآسيوية.
تعكس هذه اللقاءات المتزامنة بين كبار المسؤولين الصينيين وقادة الشركات الأمريكية طبيعة العلاقة المعقدة بين بكين وواشنطن، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية العميقة مع التوترات السياسية المتصاعدة في ملفات التجارة والذكاء الاصطناعي والأمن التكنولوجي.
ورغم حالة التنافس الاستراتيجي بين القوتين، تؤكد هذه التحركات أن قنوات الاقتصاد لا تزال تعمل بكفاءة نسبية، وأن الشركات الكبرى أصبحت لاعبًا أساسيًا في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في العلاقات الثنائية، في وقت تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية عالميًا.