وضعت عدة شركات وكيانات زراعية عددًا من الشروط لنجاح خطة الدولة لإنشاء شريان جديد يربط سهل غرب المنيا بطريق أسيوط الغربي، من بينها إقامة ثلاجات عملاقة للتخزين، ومحطات كهرباء، ومناطق لوجستية، ومخازن، وصوامع للغلال، ومحطات لمعالجة المياه الجوفية من الملوحة.
ويأتي ذلك على خلفية توقيع شركة تنمية الريف المصري الجديد، المسؤولة عن تنفيذ وإدارة المشروع القومي لاستصلاح وتنمية المليون ونصف المليون فدان، عقدًا مع شركة «المقاولون العرب» لإنشاء شريان مروري جديد يربط منطقة غرب المنيا وسهل المنيا الغربي بطريق أسيوط الصحراوي، منتصف الأسبوع الماضي.
وبموجب العقد الجديد، ستقوم شركة «المقاولون العرب» بتنفيذ طريق سريع بمواصفات عالمية، ينهي عصر المدقات الحالية، ويخلق اتصالًا مباشرًا مع المحاور الرئيسية في الصعيد، بما يحول الصحراء الجرداء إلى تجمعات زراعية وعمرانية متكاملة.
من جانبه، أشاد حسين عبد الرحمن أبو صدام، نقيب الفلاحين، بهذه الخطوة، مؤكدًا أنها تمثل «قبلة حياة» للمزارع المصري في الصعيد.
وقال في تصريحات خاصة لـ«المال»: إن منطقة غرب المنيا تمتلك إمكانات لا تقل عن منطقة الدلتا، إلا أن غياب الطرق كان يجعلها خارج حسابات صغار المزارعين والشباب، موضحًا أن الطريق سيقلل الفاقد من المحاصيل أثناء النقل، ويوفر آلاف فرص العمل المباشرة لأبناء محافظتي المنيا وأسيوط.
وأضاف أن هذا التحرك يعكس رؤية الدولة في توسيع الرقعة الزراعية لمواجهة التحديات العالمية للأمن الغذائي، مشيرًا إلى أن ربط المنطقة بطريق أسيوط الصحراوي سيسهل وصول المنتجات الزراعية إلى الأسواق المركزية في القاهرة والموانئ التصديرية في وقت قياسي.
ورحب أصحاب الشركات الزراعية الكبرى العاملة في المشروع بهذا التطور، فيما توقع خبراء الاستثمار الزراعي أن الطرق تمثل «العمود الفقري» لأي مشروع استصلاح.
وقال علي الشيمي، مستثمر زراعي في المنطقة، إنهم كانوا يضطرون لصيانة المعدات وسيارات النقل أسبوعيًا بسبب وعورة الطرق الحالية، كما كان من الصعب إقناع العمالة والمهندسين بالإقامة في مواقع العمل، مضيفًا أن الطريق الجديد سيعيد تقييم سعر الأرض استثماريًا، وسيدفع نحو ضخ استثمارات إضافية في الصناعات التحويلية مثل محطات التعبئة والتغليف ومصانع المركزات بجوار المزارع مباشرة.
وأضاف أن أهمية المشروع لا تتوقف عند العائد المادي فقط، بل تمتد لتشمل الجانب الاجتماعي، لافتًا إلى أن محافظتي المنيا وأسيوط تضمان قرابة 12 مليون نسمة، وتصنفان تاريخيًا ضمن المحافظات الأكثر احتياجًا والأقل حظًا في فرص العمل.
وأشار إلى أن إنشاء هذا المحور الزراعي سيسهم في خلق تجمعات عمرانية جديدة، بما يخفف الضغط السكاني عن الوادي الضيق، ويحول المنطقة من «طاردة للعمالة» إلى «جاذبة للخبرات».
ومن الجدير بالذكر أن المشروع يستهدف في مرحلته المقبلة إقامة مناطق سكنية وخدمية متكاملة تخدم العاملين في استصلاح 1.45 مليون فدان، بما يحول الصعيد من مجرد منتج للمواد الخام إلى مركز لوجستي وزراعي متطور.
وقال محمد محمود، مستثمر زراعي من وادي النطرون، إنه رغم التفاؤل الكبير بتوقيع عقد الطريق، إلا أن التقارير الفنية تؤكد أن المنطقة لا تزال بحاجة إلى استثمارات «مليارية» مكملة في البنية التحتية.
وأضاف أن مشروعات بهذا الحجم تتطلب شبكات كهرباء ضخمة لتشغيل آبار المياه الجوفية وأنظمة الري الحديثة، إلى جانب محطات تحلية ومعالجة للمياه الجوفية لضمان استدامة الموارد المائية، فضلًا عن مناطق لوجستية متطورة تشمل صوامع لتخزين الحبوب وثلاجات عملاقة.
وكان بيان صادر عن شركة تنمية الريف المصري قد أكد أن التعاون بين شركة الريف المصري الجديد وشركة «المقاولون العرب» يمثل حجر الزاوية في بناء هذه المنظومة، مشيرًا إلى أن ذلك يعكس ثقة الدولة في قدرة شركات المقاولات الوطنية على تنفيذ مشروعات قومية عملاقة في ظروف صحراوية قاسية.
واختتم بأن مشروع غرب المنيا يمثل رهانًا واعدًا لمستقبل التنمية في صعيد مصر، ومع بدء تنفيذ هذا الطريق تنتقل المنطقة من مرحلة «التخطيط والآمال» إلى مرحلة «الواقع والإنتاج»، موضحًا أن وضع 1.45 مليون فدان على خريطة الاستثمار يعني تأمين سلة غذاء جديدة للمصريين وخلق آفاق اقتصادية واسعة لأفقر سكان مصر، في خطوة تؤكد أن التنمية الحقيقية تبدأ دائمًا بشق طريق في قلب الصحراء.
ومن الجدير بالذكر أن منطقة «سهل المنيا الغربي» تُعد واحدة من أكثر الأراضي المصرية وعودًا، إذ تمتد من بني مزار شمالًا حتى حدود محافظة أسيوط جنوبًا، ورغم امتلاكها مقومات زراعية قوية من تربة بكر ومخزون كبير من المياه الجوفية، فإن العزلة الجغرافية كانت العائق الأكبر، حيث كان المستثمرون والمزارعون يواجهون صعوبة يومية في الوصول إلى الأراضي عبر مدقات ترابية غير ممهدة، ما يرفع تكلفة الإنتاج والنقل ويقلل من الجدوى الاقتصادية للمشروعات.