تتابع وكالة ستاندرد آند بورز (S&P Global Ratings) عن كثب تطورات المشهد السياسي في جنوب أفريقيا، في ظل استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالحكومة الائتلافية، والتي تمثل أحد أبرز عوامل الضغط على التوقعات الاقتصادية والائتمانية للبلاد.
وتشير الوكالة إلى أن قدرة الحكومة على الحفاظ على تماسك الائتلاف السياسي تمثل عنصرًا محوريًا في دعم السياسات المالية والإصلاحات الاقتصادية الجارية، خاصة في ظل اقتصاد يواجه تحديات هيكلية تتعلق بالنمو المرتفع للديون العامة وضعف معدلات النمو.
وبحسب تقديرات سابقة لوكالات التصنيف، فإن جنوب أفريقيا لا تزال تواجه ضغوطاً على المالية العامة مع بقاء الدين العام عند مستويات مرتفعة تتجاوز 70% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب معدلات نمو اقتصادي تدور حول 1% إلى 2% في أفضل السيناريوهات.
الأسواق الناشئة
في موازاة ذلك، حذرت ستاندرد آند بورز من أن تصاعد الحرب في الشرق الأوسط يرفع من مستويات عدم اليقين في الأسواق العالمية، مع تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على الاقتصادات الناشئة، خصوصاً عبر قنوات الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد.
وتشير البيانات إلى أن اضطرابات الإمدادات في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، تؤثر بشكل مباشر على تدفقات النفط العالمية التي تمر عبره، والتي تمثل نحو 20% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، ما يزيد من حساسية أسعار الطاقة لأي تصعيد جيوسياسي.
كما لفتت الوكالة إلى أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس سريعاً على الاقتصادات المستوردة للطاقة في أفريقيا، حيث يؤدي إلى زيادة عجز الحساب الجاري وارتفاع معدلات التضخم، إلى جانب ضغوط إضافية على أسعار الفائدة وكلفة الاقتراض.
أفريقيا بين صدمات داخلية وخارجية
وترى ستاندرد آند بورز أن التحدي الأساسي في المرحلة الحالية يتمثل في تداخل المخاطر الداخلية في بعض الدول الأفريقية مع الصدمات الخارجية، ما يخلق بيئة مالية أكثر تقلباً مقارنة بالسنوات الماضية.
ففي الوقت الذي تستفيد فيه بعض الدول المصدرة للطاقة من ارتفاع الأسعار، تواجه اقتصادات أخرى مثل جنوب أفريقيا ومصر وكينيا ضغوطاً مزدوجة نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات النفطية وتباطؤ تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.
وتشير تقديرات مؤسسات مالية دولية إلى أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر برميل النفط يمكن أن تضيف ما بين 0.3% إلى 0.5% إلى معدل التضخم في الاقتصادات المستوردة للطاقة، وهو ما ينعكس مباشرة على السياسات النقدية وأسعار الفائدة.
التصنيف الائتماني
وأوضحت الوكالة أن استمرار هذا التداخل بين المخاطر السياسية والجيوسياسية قد يحد من قدرة بعض الاقتصادات الناشئة على الحفاظ على استقرار تصنيفاتها الائتمانية، أو تحسينها خلال المدى المتوسط.
كما أشارت إلى أن المستثمرين العالميين يتجهون بشكل متزايد نحو “الانتقائية الحذرة”، مع إعادة تقييم المخاطر السياسية الداخلية باعتبارها عاملاً لا يقل أهمية عن المؤشرات الاقتصادية التقليدية مثل العجز والدين والنمو.
في المجمل، تعكس رؤية ستاندرد آند بورز مرحلة تتسم بارتفاع حساسية الأسواق الناشئة تجاه الصدمات الخارجية، حيث تتقاطع فيها التحديات السياسية الداخلية مع التوترات الجيوسياسية العالمية، ما يعيد رسم خريطة المخاطر الائتمانية في القارة الأفريقية خلال الفترة المقبلة.