شدد الدكتور سعيد خليل، المستشار الفني الأسبق لوزارة الزراعة وأستاذ الهندسة الوراثية والبيوتكنولوجي بمركز البحوث الزراعية، على ضرورة إحداث تعديلات في الفكر الزراعي المصري، مؤكداً أن الممارسات التقليدية في التعامل مع ملف التسميد لم تعد تلائم متطلبات التنمية الزراعية المستدامة أو التغيرات المناخية الراهنة.
وأشار “خليل” - في تصريحات خاصة لـ «المال» - إلى أن الاعتماد الراسخ لدى المشرفين الزراعيين والمزارعين على قاعدة «4 شكائر للفدان» التي تصرف بشكل مدعم بخلاف المشتراه من السوق الحرة يمثل فكرا قديما يجب تغييره فوراً، حيث إن احتياجات النبات الحقيقية تتجاوز بكثير مجرد عنصر واحد، بل تتوزع على 12 عنصرا غذائيا ضروريا للنمو السليم وتحقيق أعلى إنتاجية ممكنة.
وأوضح “خليل” أن النبات يحتاج إلى مزيج متوازن من العناصر الكبرى والصغرى، وأن عنصر «الآزوت» (النيتروجين) ليس سوى واحد من هذه المجموعة، محذرا من أن الإفراط في الاعتماد عليه دون غيره يؤدي إلى خلل في تغذية النبات وإهدار للموارد الاقتصادية.
ودعا مستشار وزير الزراعة السابق إلى ضرورة أن تعتمد السياسات الإرشادية على «المعلومية» والتحليل العلمي للتربة لتحديد التفاوت في احتياجات كل محصول، بدلاً من التسميد العشوائي الذي يستنزف التربة ولا يعطي العائد المرجو من وحدة المساحة.
وعلى الصعيد الصناعي واللوجستي، أشار “خليل” إلى قوة مصر كمركز عالمي في إنتاج الأسمدة، حيث يبلغ إجمالي الإنتاج المحلي نحو 28 مليون طن سنويا من الأسمدة الآزوتية واليوريا.
وفيما يتعلق بآلية التوزيع المحلية، كشف أن وزارة الزراعة تتسلم شهريا نحو 260 ألف طن من المصانع لتوجيهها لمنظومة الدعم، لافتا إلى الارتباط الوثيق بين صناعة الأسمدة وقطاع الطاقة، إذ يمثل الغاز الطبيعي نحو 80% من مدخلات إنتاج هذه المصانع، مما يجعل ترشيد الاستهلاك قضية أمن قومي واقتصادي في ظل تذبذب أسعار الطاقة عالميا.
وفي سياق رؤيته لتطوير المنظومة، طالب “خليل” بضرورة تغيير فلسفة الدعم الزراعي، بحيث يتم توجيه الإرشاد والجمعيات الزراعية نحو تقليل استخدام الأسمدة الآزوتية، مقابل تعزيز ودعم استخدام عناصر أخرى حيوية مثل البوتاسيوم والمغنسيوم والكالسيوم.
واقترح أن تقوم الدولة بشراء هذه العناصر — حتى وإن كانت تكلفتها مرتفعة — وتقديمها للمزارع بأسعار مدعومة، مؤكداً أن هذا التحول سيؤدي مباشرة إلى زيادة ملموسة في إنتاجية وحدة المساحة، مما يعوض التكلفة ويحقق عائدا اقتصاديا أكبر للفلاح وللدولة على حد سواء.
ولم يغفل مستشار وزير الزراعة البعد البيئي لهذا الملف، موضحاً أن الإفراط في التسميد النيتروجيني يعد مصدرا أساسيا لانبعاثات أكاسيد النيتروز، وهي غازات دفيئة تفوق في خطورتها ثاني أكسيد الكربون، مما يساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري.
وأشار إلى أن الدولة المصرية كانت استباقية في هذا الصدد، حيث صدر في عام 2020 قرار وزاري يقضي بتخفيض نسب استخدام الأسمدة الآزوتية في إطار التزامات مصر البيئية الدولية وتحسين جودة التربة.
واختتم “خليل” تصريحاته بالتأكيد على أن الانتقال من التسميد الكمي إلى التسميد النوعي المتوازن هو السبيل الوحيد أمام قطاع الزراعة المصري لمواجهة تحديات المستقبل وتحقيق طفرة في الصادرات الزراعية.